قمر متوهج… وجبل يوثق ذاكرة التاريخ والإبداع

حجم الخط
0

إذا كان لكل مجال جغرافي خصوصيته، فإن ذاكرة الجبل بتضاريسه وبيئته وتركيبته البشرية وعمقه الوجودي يختلف إلى حد كبير عن ذاكرة المنبسط بامتداداته وعراقة بنيته الديموغرافية والسوسيولوجية والطبيعية. وعلى هذا الأساس، تختلف سياقات الإنتاجات الإبداعية، وتتباين مؤشراتها وفق الرؤية المفتوحة الآفاق لكل مبدع في شتى الحقول المعرفية والأدبية بصفة عامة.
وفي هذا السياق، أستحضر إطلالات مشرقة في مجال الإبداع والأدب المغربي الأصيل في علاقته الوجدانية بالجبل، حيث تحضر اللمسة الرومانسية ضمن مقدمة الدواوين الشعرية، لتتراءى واحدة من أبرزها على شاكلة: «خجولا أطل وراء الجبال»، وهي مطلع قصيدة شعرية تحت عنوان: «القمر الأحمر» للشاعر والأديب المغربي عبد الرفيع الجواهري، التي اعتبرت واحدة من أرقى الأغاني، التي أغنت «الريبيرتوار» الفني للمطرب المغربي عبد الهادي بلخياط، ومنحت للموسيقار عبد السلام عامر، الذي أبهر العالم العربي بمعزوفاته الساحرة مكانة مرموقة بين الملحنين والموسيقيين العرب خلال فترة ستينيات القرن الماضي.
هذه التوطئة تحيلني على قمة جبل «تاصميت»، وهي بمثابة الماسة التي تتوسط العقد النفيس، وتطل من عل على مدينة بني ملال وسط المغرب، متربعة على موقع استراتيجي مهم ضمن سلسلة جبال الأطلس المتوسط.
ومن دون الخوض في تفاصيل الزمن الجيولوجي الذي ظهرت فيه قمة الجبل للوجود، شكلت قمة «تاصميت» منذ النشأة، المعلم الأساسي لتحديد وجهة مدينة بني ملال ومجالها الجغرافي، وظلت على امتداد عقود وأزمنة متعاقبة خير شاهد على التحولات التي عرفتها المدينة، تتعقب بعين ذكية الوافدين والعابرين والمرابطين بشكل دائم، توثق التداول الحقيقي للفصول الأربعة، إذ تارة تكون في حالة غضب وتذمر، جراء ما تلحظه من اختلالات على مستوى الاجتثاث العشوائي للأشجار والأغراس وطمر للسواقي، وتارة تكون في حالة ابتهاج، عقب ما تسجله من إنجاز لمشاريع هيكلية، تضفي على المدينة حلة تجعلها ضمن مصاف المدن التي نالت حظها الوفير من مظاهر التمدن والرقي.
قمة «تاصميت» الجبلية بمحيطها، ظلت عصية عبر التاريخ على اختراقها من قبل الغزاة والمستعمرين، ليس فقط بوعورة تضاريسها، بل بشهامة رجالاتها الذين استمدوا من الجبل صلابته وشموخه وكبرياءه، لتظل تلك القمة الجبلية التي تحرس المدينة وتراقب كل التفاصيل، وتوثق كل صغيرة وكبيرة، وتتابع عن كتب مجريات الأحداث والوقائع الدائرة في الجوار، فتحولت بذلك إلى معلمة جادت بموجبها قرائح الشعراء، وتغنى بها رواد فن العيطة والفلكلور الشعبي، إلى جانب رموز فن الغناء الكلاسيكي والحديث.
ولعل المتتبع لكتابات الروائي والأديب المغربي عبد الكريم الجويطي، يلاحظ أن الكثير من أعماله، تضمنت تفاصيلها الجبل كمعلم تاريخي شكّل عبر التاريخ المحطة الأساس لمقاومة الاستعمار، واعتبر بفضل تركيبته التضاريسية البالغة التعقيد، معقلا لبعض الانتفاضات العابرة.
وفي هذا السياق، جاء ضمن فقرة من الجزء الأول لروايته الشهيرة «ثورة الأيام الأربعة»: «سرنا اتجاه قمة تاصميت بعد نصف ساعة تقريبا، استوى الليل بعد أن التهم تلك الزرقة الشفيفة التي غلفت الجبل، لم يكن ليلا مطبقا ومتغطرسا تمشي فيه وكأنك مغمض الجفنين، كان ظلاما رقيقا لامس الأشياء بضربات ريشة سوداء وخاطفة، ضربات لا تهبك كنه الأشياء بوضوح، ولكنها تعطيك انطباعا كاملا عنها. أرى أطياف من يتقدمني، وأرى هياكل الأشجار التي نسير بمحاذاتها، وأرى النجوم التي تصارع غماما متجبرا يطمسها، لتنفلت منه وتشع من جديد، لا شك أن هناك وفي وجهة أخرى من السماء، قمرا فتيا يعلن عن نفسه».
وعلى هذا النهج الممزوج بنفس أستيطيقي ساحر وجذاب، تتقاطع أعمال الأدباء في توصيف الجبل واستحضار خصوصياته الجغرافية والسوسيولوجية، حين يتراءى القمر الأحمر، ليطل خجولا من وراء الجبال، وحين تصعد شخوص الرواية إلى قمة «تاصميت» في أجواء ليلية تحجب فيها الغيمات نور القمر ليتراءى في أماكن أخرى من القمة الشامخة نفسها.
ويستحضر جزء آخر من رواية عبد الكريم الجويطي: «كتيبة الخراب» الجبل كشاهد عيان على أجواء الانتخابات وتفاصيلها خلال عقود سابقة، وما كانت تفرزه أحيانا من مظاهر ذات سخرية عارمة، من خلال ردود أفعال بعض الشخوص ضمن الرواية، حين يضطر البعض منها إلى «تعقب وتمعن «وجه المدينة وهو في حالة سكر طافح من على مرتفع قمة فضاء «قنص الحمام «.
هذه اللمسة في بعدها الكوميدي الساخر، ومفعولها الإبداعي تجعل من قمة «تاصميت» حسب الروائي عبد الكريم الجويطي، ذاكرة ومعلمة تاريخية منوطة بتوثيق مجمل التفاصيل والوقائع والأحداث، فضلا عن التحولات العابرة في الزمان والمكان، حيث تتجسد ميدانيا على شكل تمظهرات تضفي على المدينة وأجوائها وأحوال ساكنتها طابعها الخاص.
ما يمكن استخلاصه هو أن قمة «تاصميت» كعمق استراتيجي لتركيبة جيولوجية، يمتزج فيها البعد الأنثروبولوجي والثقافي والتاريخي، والفني والتشكيلي، والأركيولوجي والسوسيولوجي والنضالي، تظل عبر الامتداد الزمني معلمة تاريخية وتراثية، وشاهدة عيان تحرس المدينة من عل، وتتعقب مجمل التفاصيل والتحولات، لتدونها في سجل ينصهر ويتناغم ويتفاعل مع منسوب درجة سموها وشموخها الأبدي.
* كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية