الجزائر- “القدس العربي”:
في تطور جديد يعقّد من قضية الكاتب الفرنسي- الجزائري كمال داود المثيرة للجدل، أعلن المرصد الوطني للمجتمع المدني مرافقة السيدة سعادة عربان في مقاضاتها للروائي بتهمة السطو على قصتها الشخصية بتواطئ من زوجته الطبيبة النفسية، في كتابة روايته “حوريات” الحائزة على جائزة غونكور الفرنسية.
وظهرت سعادة عربان، وهي الناجية الوحيدة من مجزرة مروعة بمنطقة غليزان في فترة العشرية السوداء، وتعاني إلى اليوم من آثار محاولة الذبح في رقبتها، في استقبال خصه بها رئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني، نور الدين بن براهم، وذلك في إطار “جهود المرصد لمرافقتها بعد قضيتها التي أثارت اهتماما كبيرا في الأوساط الوطنية والدولية”، وفق بيان لذات الهيئة التابعة بشكل غير مباشر لرئاسة الجمهورية.
وأوضح المصدر ذاته، أن بن براهم أكد خلال هذا اللقاء الذي تم بمقر المرصد في الجزائر العاصمة، “التزامه بمواكبة القضايا التي تمس الحقوق الفردية والجماعية”، مشددا على “ضرورة تقديم الدعم اللازم لكل من يجد نفسه في مواجهة تحديات اجتماعية أو قانونية غير عادلة”. كما تم مناقشة “سبل تعزيز التضامن المجتمعي لتجاوز هذه المرحلة بشكل عادل ومنصف”.
وأبرز البيان أن السيدة سعادة عربان عبّرت بالمناسبة عن “امتنانها للدعم الذي تلقته من مختلف فئات المجتمع”، مؤكدة على “أهمية دور المجتمع المدني في التصدي لمثل هذه القضايا”. واعتبر بن براهم على أن مثل هذه القضايا تمثل “فرصة لإعادة التأكيد على أهمية التضامن المدني وتعزيز الثقة بين المواطنين والمؤسسات”، مؤكدا “التزام المرصد بدعم القضايا العادلة ومرافقة الأفراد المتضررين للوصول لحلول منصفة ومستدامة”.
ويأتي هذا اللقاء بعد نشاط نظمه المرصد بالتعاون مع المجلس الوطني لعمادة الأطباء الجزائريين، تم التركيز خلاله على “الأخلاقيات القانونية والطبية في إطار السر الطبي، دعما للنقاشات المهنية التي تسهم في تعزيز القيم في المجتمع”. وبدا أن خلفية هذا النشاط حول السر الطبي، كانت مدفوعة بقصة سعادة عربان التي تتهم زوجة كمال داود وهي طبيبتها النفسية بإفشاء تفاصيل عن قصتها لزوجها وجدتها في رواية حوريات.
وكانت عربان قد ذكرت في حوار على قناة جزائرية، أنها كانت تروي تفاصيل حياتها لزوجة داود، الطبيبة النفسية التي كانت تعالجها بوهران غرب الجزائر، وأنها رفضت سابقا طلبا من العائلة التي استقبلتها باستغلال قصتها. وذكرت أنها صُدمت كانت عندما اكتشفت أن رواية داود تتقاطع مع أحداث حياتها بشكل واضح. وأثار كل ذلك موجة تضامن مع سعادة عربان على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن زوجة داود متهمة بإفشاء السرّ الطبي لمريضة، بينما نفى داود تماما أن يكون قد روى قصتها.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أعلنت المحامية فاطمة الزهراء بن براهم، عن رفع دعوى قضائية أمام محكمة وهران، ضد الكاتب كمال داود، وزوجته بسبب استغلاله في كتابه الأخير “حوريات”، قصة الحياة الشخصية لموكلتها سعادة عربان، التي كانت تعالج لدى زوجته، دون إذن منها.
وأوضحت بن براهم أن الكاتب كمال داود سرق شخصية موكلتها وقصتها وكلامها ونشر رواية “حوريات” دون أي اعتبار لمعاناتها وما سببه لها ذلك من ألم، مؤكدة أنها أودعت شكوى ثانية لدى ذات المحكمة، باسم المنظمة الوطنية لضحايا الإرهاب، وجمعية المفقودين خلال العشرية السوداء، “لأن الكاتب حاول في عمله وبأسلوب دنيء تشويه صورة الجزائر وقيمها النبيلة، والمساس بتاريخ شعب كامل وبذاكرته” على حد تعبيرها.
وأبرزت أن الشكوى المرفوعة تخص أيضا زوجة الكاتب التي كانت الطبيبة المشرفة على الوضع النفسي للضحية عربان، مؤكدة أن المتهمة استغلت التفاصيل التي تحصلت عليها ووزودت بها زوجها، ليتم توظيفها في عمله الأدبي وهو ما يعد إفشاء للسر المهني.
ومن التفاصيل المثيرة التي روتها بن براهم في دعم موقف موكلتها، أن سعادة عربان كانت قد تلقت دعوة من طبيبتها زوجة كمال داود، في 2015، إلى منزلها لشرب القهوة. وهناك عرض عليها الكاتب وزوجته، كتابة قصتها في رواية وتحويلها لعمل تلفزيوني مقابل حصولها على عائد مادي بالعملة الصعبة، يمكنها من شراء منزل في إسبانيا، إلا أن سعادة عربان كانت قاطعة في رفض العرض.
ووفق المحامية، فإن الدعوى التي تم رفعها لفائدة موكلتها سعادة عربان، ضد كمال داود وزوجته، تستند إلى “قانون العقوبات الذي يدين إفشاء السر المهني” بالنسبة للأطباء كما جاء في المادة 301 التي تنص على عقوبة تصل إلى الحبس ستة أشهر، وإلى المادة 46 من قانون المصالحة الوطنية، التي تنص على أن عقوبة السجن تصل إلى خمس سنوات ضد كل من يستعمل، من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر، جراح هذه المأساة الوطنية.
وبعد فترة من الصمت، ظهر كمال داود أخيرا من خلال مقال نشرته مجلة “لوبوان” الفرنسية، نافيا الاتهامات الموجهة إليه ولزوجته. وقال: “تزعم هذه الشابة المسكينة أنها قصتها، أستطيع فهم مأساتها، لكن إجابتي واضحة، هذا غير صحيح بتاتا”. وأضاف أنه “باستثناء الجرح الظاهر، لا توجد أي نقطة مشتركة بين مأساة هذه المرأة وبطلة الرواية”. ولفت الكاتب إلى أن “الجرح ليس فريدا من نوعه، إنّه جرح موجود لدى مئات الأشخاص”، مبرزا أن “الأنبوب المخصص للتنفس والتحدث، والندبة والوشوم، ليست أسرارا طبية، وحياة هذه المرأة ليست سرا، كما تثبت شهاداتها”. ويرى داود في كتاباته الأخيرة، أن هذه الحملة موجهة من السلطات الجزائرية، بغرض “قتل كاتب والتشهير بعائلته”.
وتدور رواية حوريات، حول فتاة تُدعى “فجر” نجت من مجزرة وهي في الخامسة من العمر، وبقيت آثار محاولة الذبح على رقبتها. ويتخيل الكاتب في الرواية حوارا بين هذه الفتاة وابنتها القادمة للحياة، مع تفاصيل كثيرة بعضها يدغدغ الكليشيهات الغربية عن الإسلام والمرأة والجنس في المجتمع الجزائري. وساهمت خلفية داود ومواقفه المستمرة في الزمن منذ سنوات في إشعال هذا الجدل، حيث يراه البعض مروجا لأطروحات نيوكولونيالية، تغوص في أفكار احتقار الذات والانبهار بالغرب، حتى بات ينعت نفسه بأنه “فرنسي أكثر من الفرنسيين”. وما زاد الطين بلة، مواقفه بعد عملية طوفان الأقصى، وتماهيه التام مع الأطروحة الإسرائيلية، حتى أنه كتب مقالا على مجلة لوبوان اليمينية، يعتذر فيه لمن يصفه بـ”صديقه الإسرائيلي”.
ومؤخرا ازدادت متاعبه، بعد أن خرجت بتصريحات لافتة تؤكد أن الكاتب يتعمد تسويق مغالطات عن عائلته ليوافق ذلك ما يريد ترديده من كليشيهات للفرنسييين حول المجتمع الجزائري. ونفت وسيلة داود في حديثها مع قناة جزائري، أن تكون أسرتهم قد عاشت في الفقر أو الحرمان حيث كانت الأسرة تقيم في بيت واسع به حديقة بمنطقة ماسرة في مستغانم شمال غرب الجزائر، مؤكدة أن والدهم كان يوفر لهم حياة كريمة ولم يعانوا من أي شكل من أشكال الديكتاتورية داخل العائلة. وأعربت وسيلة داود عن استغرابها من تصريحات شقيقها حول كونه الوحيد المتعلم في الأسرة، مشيرة إلى أن جميع أفراد العائلة قد بلغوا مستويات جامعية.