«ندم المشيئة» مجموعة الشاعر المصري كمال عبد الحميد: خطاب الملحقات والتناصات ورؤيا التجدّد والاستمرار

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوانه «ندم المشيئة» يشيّد كمال عبد الحميد نصوصا شعرية مهموم بالأزمة الوجودية لوضع الإنسان المفرد في مواجهة الكون والحياة، تلك الأزمة المحدودة والمحددة بالنهاية، يجد الإنسان نفسه وجها لوجه مع نهايته المحددة بشرطها الوجودي بالانتهاء والتلاشي، وربما تكون أسباب الشعور بحدة هذه الأزمة أسبابا واقعية ذاتية، ولكن الفارق يكمن بين شاعر وآخر في القدرة أو الكيفية التي يتعاظم بها الشاعر عن الحدث الواقعي، ليجعله بعيدا، أو يغيبه، أو يجعله ذائبا في إطار سياق أكبر، ويحيله إلى سؤال معرفي فني يبحث عن إجابات. وفي إطار ذلك يقلّ حضور الواقعي، وينمو المعرفي المشدود إلى معارف شتى، أُسست في حضورها في لحظات سابقة إجابات لها قيمتها.
كل هذه الإجابات تلحّ على فتح كوى جديدة في جدار النهاية المحتوم، تحاول من خلال هذه الكوى امتلاك عناصر متعالية عن الوجود البشري، وتستند إلى تكوينات أثيرية تكفل لها التمرد والاستمرار، ولهذا أعتقد أن الاقتراب من هذا الديوان لن يكون عملا سهلا، ولن يكون به الكثير من شبهة اليقين في التأويل، بالرغم من البساطة الخادعة في أجزاء كثيرة من نصوص الديوان، البساطة التي ربما تكون مشدودة إلى غنائية لافتة، أصبح وجودها محسوسا في قصيدة النثر العربية بشكل عام، والمصرية بشكل خاص.
وتأتي العودة إلى معارف السابقين والدوران في إجاباتهم عن الأسئلة الوجودية لتشكل ملمحا مهما من ملامح ومنطلقات الديوان، فهناك إشارات لأشخاص وشخصيات روائية تصنع أطرا معرفية عديدة، مثل الإشارة إلى كتاب «الأمير» لميكافيلي، أو الإشارة إلى شخصية ريميديوس في رواية «مائة عام من العزلة»، للاستناد إلى فكرة الهشاشة أو الخفة أو الصعود أو الطيران كالملائكة، للتعاظم على الوجود المكبّل بالنقصان والانتهاء في حدود قانون الوجود الخاص بالتفسخ والتلاشي مهما طال الزمن، فهو وجود مشدود إلى قانون النهاية، ومن هنا يصبح الوجود البشري منفتحا على النقصان، يتجاوب معه حنين دائم إلى يد متخيلة تمثل سماء.

خطاب الملحقات والتناصات

هناك استراتيجية فكرية لافتة في الديوان، وهذه الاستراتيجية تؤدي دورها في تنميط وتشكيل الآليات العديدة للخروج بالديوان من حيز الذاتي الواقعي إلى أفق أكثر رحابة يرتبط بالفكرة التي يتمحوّر في ظلالها الديوان. وتأتي الملحقات النصية أو المفتتحات المأخوذة من شعراء أو مفكرين بمثابة إشارات أو دوائر معرفية، قد تكون مطروحة للاشتغال أو للتحقق دلاليا، فكأنها من خلال وجودها في حيزها المكاني السابق للنص تمثل توجيها مشوبا بالحذر والحيطة للتلقي ولبناء المعنى والأفق المعرفي للنص.
فحين يقول الشاعر: (الآن .. ما يدك؟/ غير سقف الغرفة فوق سريري/ كأنها يد الله في ثلاجة مايكل أنجلو/ بعدك/ ماتت أمي/ ذهبتُ إلى حافة البحر لأصرخ/ كي لا أقتل نفسي/ رميت أشياء كثيرة خلف ظهري/ سألت طبيب الأورام:/ كيف تكون الجرعة قاتلة؟) يدرك المتلقي أن هناك توازيا بين جزئيتين تقاومان الفقد في لحظة الانعطاف والأسئلة عن سلطة النموذج المتخيل، وكأن فعل التذكر يمثل عملية من عمليات صناعة قشرة رهيفة تقلل حدة هذه المواجهة، فالتلاعب بالزمن من ماض بعيد إلى ماض قريب إلى آني له ما يبرّره لبناء الاستقواء ضد الفقد المتراكم، وضد المرض الذي يؤسس نهاية لها طابعها الخاص، تباين ما دبرته الذات الساردة لنفسها من نهايات.
ويأتي ذكر زوربا في نص (قوة المؤجل) ليصبح ذكرا أو حضورا مؤسسا للنص بمحتواه الفكري، خاصة في الفيلم المأخوذ عن الرواية للإشارة إلى ديدن ارتباط الإنسان بالعالم. فهناك دائما حال من الصراع بين الإنسان والعالم، أو بين المحدود واللامحدود، مشيرا إلى كل أدب سام، وتعالقه في مواجهة العالم بشكل فردي في حلبة النزال، وتصبح الحياة – في ظل ذلك الفهم وفي ظل الانتماء إلى زوربا العظيم الذي تكمن عظمته في التسليم بهزائمه وخيباته المستمرة- نوعا من الصراع بين مشيئة قادرة وفاعلة وقامعة، ومشيئة مخذولة بالتأطير داخل أنماط الهزيمة التي تتجاور بالتراكم فتؤسس لوجود هامشي بعيدا عن المتن.
فمعاينة النص كيانا كاملا سوف تثبت مشروعية هذا التوجه في التفسير بداية من خيبات المعلمين الأوائل الذين يقف دورهم عند حدود التكوين والتجهيز للنساء من أجل رجال آخرين سوف يأتون يمرحون بهن في براح المتن، فيطل الهامش محصورا وبعيدا عن الفاعلية، فالوجود جزئي مؤقت بزمن، ويصبح أداة في يد المتن، يحرّكه ويجرّبه للمراوحة عن نفسه، خروجا من ثباته وديمومته، وانتهاء بالتكرار الذي يكوّم الخيبات، ويؤسس لتجاورها الممتدّ، ففي قوله (كان يمكن للتاريخ ألا يكرّر نفسه/ يكفّر عن جرائمه العاطفية في أمهات الكتب/ كان يمكن بأكثر من قبلتين/ وأغنية مصورة/ بقليل ربما من التفاهة/ والكثير الكثير من الكلاسيكية في الحب/ أن ينزع ثوبه ولحيته البيضاء/ ويكتب الآن أولد من جديد) هناك اتكاء على نسق مخذول بالهزيمة الدائمة، وأمنيات بالتحول من إطار إلى إطار، يؤسس لنفسه فيها وجودا مغايرا، يتعاظم فيه على اللحظي والجزئي المشدودين لهامش تعرقل خطوته هذه الهزائم المتجاورة، فتحيله وجودا مؤجلا دائما، ينتظر لحظة ما، يعلن فيها عن ميلاده وبدايته، فالصورة المختزنة لوضع أي إنسان في الحياة أو الكون أو لتمثاله الذي يصنعه لذاته لا تموت أو تنتهي بفعل النزال مع الواقع أو مع مشيئة أخرى، حتى لو تظاهرت بالتسليم أو الرضا أو السكون، وإنما تؤسس وجودها وجودا خاصا نابعا من سطوة المتخيل وفاعليته.
ومن فكرة العقاب الوجودي يؤسس النص الشعري لخروجات خيالية من هذا المأزق، مستندا إلى إجابات ممتدة في مقاربة هذا الأفق العقابي، وذلك من خلال الانتقال من النسق البشري إلى النسق الملائكي، من الجسدي إلى النوراني، من المتلاشي إلى الأبدي، وذلك انتصارا على المحدودية والحتمية المغلقة بالنهاية، يقول النص في نهاية الجزء الأول (أليس ذلك مبهجا حدّ اعتباره أمنية؟/ كأن تقول لك أمك من فرط محبّتها:/ جعل الله طيرانك قبل طيراني/ ثم ألم تطر ريميديوس). إن الوعي الذي يقدمه هذا النص تجاه فقد الأم ليس وعيا ساكنا، لكنه وعي متحرك وفق أزمنة عديدة، ولهذا يلحّ في أجزاء كثيرة من هذا النص جانب سير ذاتي واضح، مثل الإشارة في أجزاء كثيرة من نصوص الديوان إلى تجربة المرض والألم الخاصين بالسارد الفعلي.
يبدو أن الحركة المتوالية من النقيض إلى النقيض، والتوزّع بين القدرة وعدم القدرة على بثّ الروح في الجسد، تمثل جزءا أساسيا من ارتباط بنية هذا النص ببنية نص (الغراب) لإدغار آلان بو في بحثه عن شيء يهدهد قلقه وشكّه الداخلي في قدرته على إعادة محبوبته إلى الحياة، وفي إطار ذلك يمكن فهم بعد هيمنة الأفق المسدود الاتكاء على نصوص متون الأهرام، والتوابيت المصرية القديمة (أمام وجهك النائم/ أمام اسمك المتعالي/ خذي رأسك.. اجمعي عظامك.. نادي أطرافك/ انثري الغبار عن جسدك/ قومي فأنت كبيرة كي تنهضي).

التجدّد والاستمرار

ربما كان المنحى الخيالي الخاص بتحوّل البشري إلى ملائكي في نصوص الديوان، يشكل نزوعا أساسيا في وجود بدائل لفكرة النهاية المحتومة من جانب، ومن جانب آخر للوصول إلى حال من الخفة والهشاشة بعيدا عن ألم المرض، وربما أبرقت النصوص السابقة إلى المنحى الآني من خلال التفاتات جنينية بسيطة، مثل الإشارة إلى جناحي الملاك في نصّ (كان يجب ألا تموت الأمهات) (ماذا لو نبت لنا هذا الخلاص/ يصبح الموت صعودا مقدّسا/ شغفا بشريا بالخفة).
وقد يجدي في هذا السياق الوقوف عند نصّ كاشف عن المنحى الخاص بالاستمرار بشكل لافت، بحيث يمكن أن نعده تتويجا لكامل الشذرات التي وجدناها مبعثرة في النصوص السابقة عليه، لأنه مشدود إلى نقطة الانتهاء والابتداء في آن، والانتقال نحو حياة أخرى مشفوعة بتلبس جديد. ففي نصّ (رقصة التباعد) تتكامل جزئيات عديدة للكشف عن هذا المنحى الاستمراري والتوالد المستمر لحياة على أنقاض حياة أخرى، فبعد الانتهاء في النص السابق إلى حتمية النهاية والموت، يأخذ التعاظم هنا مدى مغايرا.
ربما لا يكشف عنوان الديوان «ندم المشيئة- ما دبرته لنفسي من نهايات» عن دلالاته إلا مع النص الأخير، خاصة إذا كانت كلمة المشيئة مشدودة ومرتبطة بأفق أعلى لا يقيم وزنا لتخطيطات الكائن البشري، في ترتيب نهايته، واختيار طريقة موته. فالإنسان بالرغم من وعيه بنهايته الحتمية لا يكف عن التعلق بسلطة المتخيل المرتبطة بوضعه الإنساني في إطار وجوده في كون أو عالم لا يستجيب بسهولة في عراكه أو نزاله لمشيئة بشرية، ويظلّ هذا التعلق سببا أساسيا من أسباب التمسك بالحياة والاستمرار فيها، فيشكل نماذجه بسعيه النهاري، ويتأمل مدى اقترابه أو بعده عنها ليلا، ليقيس حجم المتحقق في راهنيته اليومية، وحجم المتأبي عن التحقق.
والغريب أن المتخيل في ديوان ندم المشيئة لا يرتبط بصور الذات الفاعلة وعراكها مع الحياة أو الواقع شدا وجذبا، وإنما يرتبط بأشكال النهايات أو الميتات التي يتوقعها، فيصبح هذا التعداد نوعا من المشيئة أو الفاعلية، ولكنها تظل أيضا في منطق النص الشعري مشيئة مهزومة وفاعلية شكلية، لا تقوم بالاختيار، وإنما لديها فقط قدرة على تعداد المتوقع، لأن هناك واقعية حاضرة تلقي بظلالها على نصوص الديوان، ففي النص الشعري الأخير بالديوان (اختبار البطء) يشير النص إلى التدابير التي يكونها السارد الفعلي في النص/ النصوص لنهايته، وهي نهايات تشكل سلطة نموذج متخيل أو متوقع، ولكن كلها لإشاراته الواقعية الكاشفة عن منحى خاص تصبح غير ممكنة، بداية من الانتحار بحبوب منتهية الصلاحية، ومرورا بالغرق تحت بصر زوجات عاريات، أو بالخلاص بالمخدّر، أو بالسقوط من الشرفة، أو انتهاء بالذبحة الخاطفة التي لا وقت فيها لندم المشيئة.
كمال عبد الحميد:
«ندم المشيئة»
ميتافورا للنشر والترجمة، القاهرة 2022
110 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية