أنغيلا ميركل و”السياسة الجيدة”… وإيران تتهم الدول الكبرى بالاعتداء على المرأة

حجم الخط
3

أُلغيتْ عضوية إيران من لجنةٍ للمرأة تابعة للأمم المتحدة. طُردت بموافقة 29 عضواً، ومعارضة ثمانية، وقد وصفت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة عضويتها بأنها «وصمة عار قبيحة على مصداقية اللجنة». لكن الخبر ليس هنا بالضبط، بل في الرد الإيراني، كما ظهر في وسائل إعلامية رسمية. هذه خمس وسبعون كلمة صيغت بخبر صحفي تصدّرَ أبرز المواقع الإعلامية الإيرانية: «بعض الدول التي صوتت لصالح إلغاء عضوية إيران من لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة لديها وضعٌ مؤسف في ما يتعلق بحقوق المرأة. وكانت أربع دول، هي الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإنكلترا من بين الدول التي صوتت لإلغاء عضوية إيران من لجنة وضع المرأة.
وفي تقرير، نشرت صحيفة إندبندنت إحصاءات التحرش الجنسي بالنساء في البلدان الأربعة المذكورة وكتبت: «ما بين 60 و100 في المئة من النساء في هذه البلدان تعرضن للتحرش الجنسي بطريقة ما».
نستطيع أن نزوّد الإعلام الإيراني بعدد لا يحصى من الإحصاءات، واستطلاعات الرأي، خصوصاً دراسات بريطانية في مختلف الشؤون، من بينها هذه: «دراسة بريطانية أجريت أخيراً تثبت أن كل الدراسات البريطانية المنشورة في الصحف العربية هي من اختراع عربي مئة بالمئة».

متاهة قليلة الضمير تُسمّى الـ «ماذا عنِّية». إن قلت له أين حقوق الإنسان في بلدك، أشار إليك بأن «ماذا عن الانتهاكات الإسرائيلية»، إن احتججتَ على الكيميائي قالوا لك: «وماذا عن هيروشيما وناغازاكي»، وإن تحدثت عمّا حلّ باللاجئين في أوكرانيا قالوا لك: «ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين، والسوريين، واليمنيين»..

مع ذلك هناك إحصاءات واستبيانات لا يمكن إنكارها، بل إن الحكومات نفسها هي من يطلقها ويتولى نشرها ويبني عليها خططاً وإستراتيجيات. ويقع تمكين المرأة وحريتها وحقها في المساواة على رأس تلك الخطط. بإمكاننا مثلاً أن نزوّد الإعلام الإيراني، وكل إعلام مماثل، بنقاشات ودراسات بخصوص الفجوة في الأجور بين المرأة والرجل بنسبة قد تصل إلى 19 بالمئة. كذلك فإن التحرش والاعتداء الجنسي بات وثائق وأرقاماً ومحاكمات علنية يومية، خصوصاً مع الحملة الشهيرة تحت عنوان بـ «مي تو»، و»افضحي خنزيرك».
المستهجن في الخبر الإيراني أن من يتحدث هو البلد الذي يمرّ، منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، بعاصفة احتجاجات سببها، شعارها، ووقودها المرأة. وأنه يأخذ على أرقى الدول وأشدها احتراماً للمرأة إحصائية التحرش تلك (بالمناسبة، لو عدت إلى أكثر المناطق اشتعالاً ودموية في الاحتجاجات الراهنة في إيران، لوجدتها تلك التي سجّل فيها حادثة اغتصاب قائد في الشرطة لمعتقلة في مدينة زاهدان شرقي البلاد).
الخبر/ الرد الإيراني يختصر أسلوب عدد لا يستهان به من الديكتاتوريات شرقاً وغرباً، يبدأ من الإعلام الروسي، ولا ينتهي بإعلام النظام السوري. ذاك الذي يقع في إطار متاهة قليلة الضمير تُسمّى الـ «ماذا عنِّية» (من سؤال: ماذا عن؟). فإن قلت له أين حقوق الإنسان في بلدك، أشار إليك بأن «ماذا عن الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الفلسطينيين»، إن احتججتَ على استخدام الكيميائي في مجزرة ما، قالوا لك: «وماذا عن هيروشيما وناغازاكي»، وإن تحدثت عمّا حلّ باللاجئين في أوكرانيا قالوا لك: «ماذا عن اللاجئين الفلسطينيين، والسوريين، واليمنيين»..
هذه الـ «ماذا عنّية» ليست بلا ثمن، ليست مجرد أسئلة لـ «طق الحنك»، إنها تعني بالضبط استخفافاً بمآسي الآخرين، غض النظر عنها، بل ومنح مرتكبيها إشارة مرور للمزيد.
لكن لمَ طول السيرة! هل تعتقد حقاً أن من لديه وقاحة تجاهل مجزرة، بل وارتكابها، سينصاع إلى محاججة معافاة!

السياسة الجيدة

تطلّ المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل على مستمعي إذاعة ألمانيّة في بودكاست بعنوان «هل نتحدث عن القتل؟»، وفيها تعرب عن اعتقادها بأن هناك أوجه تشابه بين أوبرا الموسيقار ريتشارد فاغنر «خاتم نيبلونجن» والممارسة السياسية. نُقل عن ميركل قولها إن تلك الأوبرا «تناولت كل أوجه القوة والضعف الإنساني التي نجدها في العالم»، وإن «السياسة الجيدة تعتمد على صناعة الشخص للسياسة». وتضيف: «على المرء أن يتوقف عن العمل بالسياسة إذا كان متأثراً بأفكار الثأر وحب الانتقام بشكل قوي لدرجة لا يمكنه أن يخرجها من رأسه».
لا يذهل المرء بالطبع أن السيدة الألمانية، وكل اختصاصاتها بعيدة عن عالم الفن، تتابع عروض الأوبرا، بل ولديها إمكانية تحليلها والربط بين فصولها وبين فصول من السياسة اليومية، فلا شك أن المسرح والأوبرا والموسيقى والسينما لألمانيّ هي فقرات لا تغيب عن أجندته اليومية، ثم إن مجرد حضور عمل فني بذاته ليس دليلاً أكيداً على بشر أقل توحشاً. اُنظر ستالين، الزعيم السوفياتي المقبور، تقول الوثائق: «وفي خضم كل هذا الإرهاب (حملة الإعدامات التي قادها ستالين) استمرت الحياة وكأن شيئاً لم يكن، فعلى مسرح البولشوي في موسكو تم عرض بحيرة البجع لتشايكوفسكي، وهو عرض الباليه المفضّل لدى ستالين، ولم يكن يفوّت عليه أي عرض. وفي كل مساء كان يعود إلى الكرملين للتوقيع على أوامر الإعدام، مضيفاً إليها بعض التعليقات: استخدموا الشدّة مع هذا الرجل..». ثم لا شك أنك شاهدت «حفيده» بوتين عازفاً على آلة البيانو، وبشار الأسد في أحد عروض المسرح..

متى وكيف ولماذا سلّمنا بأن السياسة فن اللاأخلاق، وانظر مثلاً كم من المرات استُعملت عبارة «التحالف مع الشيطان» لتسويغ أسوأ ما ارتكبته قضايانا التي لا تشوب عدالتها شائبة.

لكنك تعرف أن السيدة الألمانية تمثل بالفعل «السياسة الجيدة»، هي النموذج الذي يدحض اعتقاداً بات نهائياً لدى الكثيرين بأن السياسة فن مجافاة الأخلاق، ونعرف أنه يسجل لها، على الأقل، قرارها التاريخي باستقبال مئات آلاف اللاجئين السوريين، وبالطبع كان بإمكانها ألا تفعل، على الأقل كما فعل الأشقاء العرب، ممن تغافل أو أغلق الباب أو وصل إلى حدّ الطرد أو التنكيل باللاجئين.
متى وكيف ولماذا سلّمنا بأن السياسة فن اللاأخلاق، خصوصاً في أسمى وأعدل قضايانا، وانظر مثلاً كم من المرات استُعملت عبارة «التحالف مع الشيطان» لتسويغ أسوأ ما ارتكبته قضايانا التي لا تشوب عدالتها شائبة.
كان أشرف أن تنتحر قضية ما من أن تلوث يديها بظلم لطالما اشتكت من أمثاله، وإلا وجدنا على الدوام من يسوّغ إجرام السياسة بذريعة العيش.

*كاتب من أسرة تحرير «القدس العربي»

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية