«ماكيت القاهرة» رواية المصري طارق إمام محاكاة الواقع أم الخطاب: التأويل الفانتازي للمدينة

عادل ضرغام
حجم الخط
0

لا تقدم رواية «ماكيت القاهرة» للروائي طارق إمام بناء سرديا عاديا، يحتوي على حكاية في إطار زمني محدد، فالحكاية مبتورة الأطراف، تعرضت للمحو أكثر من تعرضها للوضوح والكشف، ليس لها بداية أو نهاية، فهي تقدم قطاعا طوليا للمدينة في لحظات زمنية محددة، ولكن هذا القطاع الطولي مشدود لبناء دائري لا يخلو من التشابه والتكرار، فالزمن في الرواية يجمع الآني والماضي والحاضر، ليشير إلى إمكانية تجسيد هذه الأزمنة في آن واحد، وأن هناك إمكانية لتأملها من جانب كل قسيم، فشخوص كل مرحلة لديهم قدرة على النظر ومعاينة مرحلة سابقة، أو آنية في طور التشكل، أو مرحلة قادمة في المستقبل.
تعدّ الرواية امتدادا لمحاولات الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي تطلّ برأسها كل فترة زمنية، مع كل حدث يهشم المنطق، ويفرض وجودا مغايرا، ويشيد إمكانية للتغيير، ويجعل الفانتازي والخيالي صاحب الحضور اللافت في تبريره، بل ويصبح هذا الخيالي أو الفانتازي تأويلا ذا مشروعية. فالقارئ لن يستطيع أن يمنع ذهنه أثناء تلقيه لشخصية المسز بقدرتها العجيبة وهيمنتها ومعرفتها للتفكير الذي يدور في ذهن الشخصيات أثناء الحديث والمواجهة، من الارتداد إلى شخصيات كان لها القدرة ذاتها في روايتي نجيب محفوظ «الحرافيش» و«أولاد حارتنا»،  للإشارة إلى أن المعرفة أو صورة المعرفة نفسها تتغير من زمن إلى زمن، فالمسز في النص الروائي وثيقة الصلة بزمن طارق إمام بداية من الثورة المصرية في 2011، ومرورا بالماضي القريب في 2020، وانتهاء بالمستقبل 2045 م. ففي رواية يتقلص فيها الحدث الروائي، يجد القارئ نفسه أمام بناء معرفي مهموم بهدم الجدار القائم بين الثنائيات مثل الواقع والخيال، أو الحقيقي والزائف، أو الشكل والمضمون، أو الماضي والحاضر.
تقدم الرواية رؤية مملوءة بالتفتت واللايقين الموجودين لدى الكثيرين نتيجة للأحداث الكبرى التي عاينوها ومروا بها، وراقبوا الآمال وهي تتحول إلى سراب، هي شبيهة بالإصبع في يد أوريجا الذي يقتل والده قتلا مجازيا، وظلّ قزما لا ينمو، بالإضافة إلى طبيعة عمله المرتبطة بالمصغرات أو المجسمات المقزمة. فالرواية مهمومة من طرف خفي بمآلات الثورة، وتراقبها من خلال نمط فني، فالثورة في تصورها المثالي مشدودة لكل مثال، ولكن تهشم المثال أو فقده لبعض منطلقاته الأساسية من خلال حدة الصراع يعيد أو يولّد تلك الأسئلة الخاصة بالوجود، وطبيعة هذا الوجود، ويولّد أسئلة الهوية أو السلطة المتحكمة في الحركة وفي تشكيل الأقدار الخاصة بالشخصيات، وذلك في ظل غياب سياق يؤمن بالغيبي والقدرة العليا على نحو ما يمكن أن نجد في روايتي محفوظ، سياق له القدرة على هدهدة غربة هذه الشخصيات، ويكفل لها نوعا من الاتزان. ولهذا نجد هذه الشخصيات منزوية إلى الهامش صانعة ومشكلة حياتها الخاصة خيالا متعاظمة على الواقع، من خلال أفعال تبدو للوهلة الأولى خارجة عن المنطقي والمقبول، ولكنها عند التأمل الدقيق تصبح آلية من آليات الاستشفاء والقدرة على الاستمرار.

الكتابة: محاكاة الواقع أم الخطاب

في كثير من روايات طارق إمام لا نجده يعتمد على الحكي فقط، ولكنه في كتابته مهموم بنسج كتابة روائية تحتفي بالمعرفي النظري والسردي الحكائي، والمعرفي النظري له تأثير كبير في النظرية النقدية، وله تأثير أقل ظهورا في الكتابة الإبداعية، يقلل من ظهور قصديته الحرفة الفنية، وعدم التوجه إليه بشكل مباشر، وأكثر النظريات بروزا وحضورا في (ماكيت القاهرة) هي نظريات ما بعد الحداثة، خاصة في الجزئيات التي يتناول الحقيقي والزائف، الأصلي والتقليد، الواقعي والخيالي، الماضي والحاضر، والإشارة إلى نظريات سابقة تكفل لكل قسيم من هذه الثنائيات حدودا صلبة مائزة.
قارئ الرواية سوف يجابه بهذا الحضور الطاغي النظري في بنية النص السردي، فهناك ثمة معرفة من خلال فقرات يعيد النظر فيها لفكرة الثنائيات، فالجملة التي تقولها المسز للمقبولين أو الفائزين بمنحة جاليري شغل كايرو تصبح منطلقا لوجود هذه الثنائيات مثل (الحقيقي والزائف)، وإسدال مساحة من الالتباس والتماهي بينهما. في هذا الإطار يتجلى جانب من الجوانب المهمة في الرواية، وربما كان الأساس الذي اعتمدت عليه الرواية في مقاربة وإعادة النظر في معظم الثنائيات التي تكونت في إطار ثنائية أكبر.
من الجوانب المهمة في هذه الرواية إعادة المساءلة لفكرة الثنائيات من خلال تطبيق عملي لثنائية الفن والواقع، وهل يحاكي الفن الواقع أم يحاكي خطابا أو نصا أو وعيا بواقع؟ وما حدود هذا الواقع؟ والواقع هنا لا يخلو من الالتباس، ففي حدود الثنائية السابقة نجد الواقع أقرب إلى الحوادث، والخطاب أو النص يشير إلى حضور فاعلية الفرد وإنتاجه، وقد نقل طارق إمام هذه الفكرة من الفن إلى المدن، فهوية أية مدينة – حسب كتاب منسي عجرم الشخصية الفانتازية – لا تنفصل عن إسهام ساكنيها، أي هوية الذوات والأفراد.
همّ الرواية من خلال الاشتغال على هذه الفكرة النظرية يتجلى في هدم الحوائط الفاصلة بين الفن والواقع، وفي هدم ذلك الجدار الفاصل بين ثنائيات تعيسة ما زالت تؤثر في مقاربتنا للحياة، إن نظرة فاحصة لإشارات دالة تكشف عن مشروعية هذا التوجه وهذا الفهم، فالعين الحقيقية التي وجدها بلياردو وألصقها على وجهه في رسم الجرافيتي بجدار بيته، والمصغرات التي تخرجها المسز من الخزانة، سواء للطائرات أو السيارات، ولديها القدرة على الطيران والحركة الواقعية، ورجل المرآة الخاص بشخصية نود الذي لا يتجلى حضوره إلا حين تنظر في مرآتها، وقدرته على الإنجاب المجازي منها كلها أشياء لها قدرة على إسدال التماهي بين الواقعي وغير الواقعي، وفي تغيير دفة المحاكاة من الارتباط بواقع إلى الارتباط بنصوص، ومن الارتباط بعالم حقيقي إلى الارتباط بعوالمنا التي نمارس خلقها باستمرار.
توزّع الشخصيات في الرواية بين العالمين شبيه إلى حد بعيد بتوزع البشر في الحياة، وانقسامهما في الحركة والتوجه إليهما، فكل عالم له مشروعية دافقة، فالواقعي معيش بالفعل، والخيالي يتشكل خيالا، ويطل مرسوما في أفق ما، تقول الرواية: (بين المدينتين عاش أوريجا عالقا كوقفته على السقالة، دون أن يستطيع التطلع في عين الشمس أو النظر صوب الأرض، لأن النتيجة الوحيدة في كلتا الحالتين كانت السقوط).
يمكن أن نجد ذلك واضحا في الفارق بين القاهرة الواقعية والقاهرة في نص أو خطاب المجسمات، فمن خلال المقارنة تتولد -بالرغم من التشابه الشكلي في كل شيء- مساحة من الريب، وأسئلة تتعلق بالحقيقي والزائف، بين البيوت والشوارع والبشر والمجسمات والمصغرات المجسمة داخل الماكيت، تقول الرواية في وصفها لأوريجا: (اكتشف أوريجا بينما يمزّق الشهادات الهشة جميعها التي لا يملك حائطا يرصها عليه، أن مسرحه الوحيد هو المدينة، لا ليزينها، لا ليضيف الرتوش اللازمة لوجهها المستعار، لكن ليعرّي ذلك الوجه).
فالفنون الخاصة بالمجسمات أو الكوميكس التي ظهرت في الجزء الأخير من الرواية في شخصية مانجا -حيث تمتلك ذاكرتين: ذاكرة الخيال وذاكرة الواقع، وجاءت بوصفها جزءا كاشفا يعطي مفتاحا للتأويل لنص به الكثير من الإبهام- هي في الأساس نصوص سلب وتشويه وانتقاص، لأنها تؤثر على الواقع، وتسلب من سطوته وحضوره، وتؤسس لهيمنة الذات أو الفرد، مما يجعلها أداة من أدوات التعرية، لأنها توجه نحو رؤية داخلية تكشف عن النقصان داخل هذ الكمال، وتكشف زيف هذا الحقيقي أو الذي يظنه الجميع حقيقيا.

الزمن الدائري: التأويل الفانتازي

ربما يكون من الملامح المهمة في رواية «ماكيت القاهرة» ارتباطها بفكرة التغيير والتطور من مرحلة زمنية إلى أخرى، ذلك التطور الذي يلحق بحياة الناس والمدن بأماكنها وشوارعها، فالرواية معنية برصد المكان والبشر كل فترة زمنية، وذلك من خلال لحظة آنية تجمع الماضي، وتستشرف المستقبل، وذلك من خلال الفن وقدرته على تشكيل هوية تجمع البشر والمكان والتاريخ، هذه الهوية المستندة بتاريخها الممتد التي قد تتماس مع الواقع وتنطلق منه، أو تفتح لنفسها بابا لفعل التشويه والانتقاص من حدوده النمطية المؤسسة المكتفية بذاتها.
فالقارئ للرواية أمام شخصيات محددة هي على الترتيب أوريجا الابن، ونود الأم، وبلياردو الأب المجازي، بالإضافة إلى مانجا في الفصل الرابع والأخير الذي أثبت بعد كتابة كلمة (تمت) في نهاية الجزء الثالث، وذلك لفك وتقليل الإبهام. فهذا الثالوث الأول يمثل أساس النص الروائي، وكل شخصية من هذه الشخصيات مرتبط بلحظة زمنية مختلفة عن الأخرى، فالخيال يمارس سطوته في خلخلة الزمن، فالرواية تبدأ من المستقبل سنة 2045م من خلال إعلان عن منحة أو مشروع لصناعة ماكيت للقاهرة قبل 25 وعشرين عاما، ليعيدنا إلى الإطار الزمني لنود من خلال صناعة فيلم تسجيلي للقاهرة قائم على الارتجال للماضي القريب سنة 2020م، لندرك أن أن هناك مساحة أخرى تتمثل في الأب بلياردو الذي فقد إحدى عينيه في 2011م، وأعتقد ان هذه الإشارات الزمنية ربما تصلح أن تكون مدخلا لقراءة العمل.
وبتطبيق فكرة الزمن الدائري على شخصية ذات تأثير كبير في النص الروائي وهي شخصية المسز، يتكشف لنا أنه تمّ تحبيكها من خلال استمرار وجودها في كل مرحلة زمنية من ناحية أولى، وأن هناك نسخا عديدة منها، وأن حضورها في كل هذه النسخ موزع بين مرحلة الطفولة من خلال صورة الطفلة التي تقبع خلفها على الحائط، وصورتها الآنية في ذات اللحظة، وانفتاح هذه الصور على قدرات خاصة، فهي على حد تعبير نص الرواية (المرأة التي تبدو قادمة من واقع آخر، واقع تتبدل فيه الوجوه حرفيا، وليس مجازا، واقع مواز)، أو حين تقول (إن المسز حسب تأويلي الخاص كالمدينة هي الجميع، ولكنها بالقوة ذاتها لا أحد).
فالأبطال في هذه الرواية كلهم هامشيون ثائرون خارجون عن الهيمنة والنمطية والثبات، وهم بخروجهم يدفعون بآلامهم ثمن هذا الخروج بعيدا عن المستقرّ. وقد بدا لهذا التوجه فاعلية من خلال استنادهم إلى نماذج قدمت في الرواية بشكل فانتازي، وكأنها تشكل خلفية للحركة من خلال هذا الحضور المتخيل، حتى في صياغة أسماء هذه النماذج، فهناك دائما إشارة إلى أصولهم المصرية، مثل (هيلاري خميس)، أو (خورخي خالد)، أو (كوليهماينن مدحت)، وكأن تأثير هؤلاء ليس إلا إعلانا عن الانتساب إلى هذا الفعل، وصناعة الأفق من خلال تلك الفاعلية المشدودة إلى رؤية ذات خصوصية مفتوحة على ما لدى الآخر، ولا تكف دائما على تأمل ذاتها باستمرار، بوضعها في أشكال متجاورة متوازية، لمراقبة مساحات الفقد، ومساحات الإضافة التي تلحق بالوجه الخاص بالمدينة الذي يظل ديناميا ومتحركا، مشكلا في النهاية هوية تظل في طور التجسد والتشكل الدائم.

طارق إمام: «ماكيت القاهرة»
المتوسط، ميلانو 2021
404 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية