أحداث هذه القصة حقيقية، وقعت مساء يوم السبت 24 يناير الجاري…
كانت الساعة قرابة الثامنة مساء.. الظلام دامس والبرد قارس في الخارج في هذه الليلة من ليالي يناير التي تنخفض فيها درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر خاصة مع تقدم الليل.
رن جرس الباب، نهضت لأفتح الباب متثاقلا من على مقعدي المريح لأنني اعرف مسبقا من الطارق، فهو لن يكون سوى جارنا البريطاني ديك الذي يقطن في البيت المقابل لبيتنا في الجانب الاخر من الشارع.. إذ لا يمكن أن تتوقع زائرا غيره من الجيران أو من الأصدقاء بدون ترتيب مسبق، في مثل هذه الساعة من المساء، خاصة في فصل الشتاء الذي تغيب فيه الشمس مبكرا وتزيد الغيوم من ظلمة الليل.
عودنا الجار ديك ان يدق الباب في مثل هذه الساعة من كل مساء صيفا او شتاء، حاملا بين يديه قطّنا الجميل الأسود «تشونغ» الذي يبدو بشعر فروته الطويل داكن السواد، قطّا من النوع الفارسي ولكنه ليس فارسيا.. وكأنه يحمل طفلا رضيعا، ويسلمني إياه بكل لطف..
لا ينسى ديك في كل مــــرة ان يبدأ حديـــثه معتذرا ومبررا هذه الخدمة بالقول انه وجد «تشونغ» (ولا تسألوني عن معنى هذا الاسم فابني هو الذي أطلقه عليه) امام منزله وإنما أراد ان يعيده إلينا حتى لا نقلق عليه، وكي يقضي الليل، في منزل أصحابه.. خاصة في مثل هذه الايام الباردة.
استقبله أنا بوجه بشوش وأرد عليه بالشكر الجزيل على اهتمامه وعنايته بقطّنا والاعتذار عن الإزعاج الذي يسببه له «توشنغ» يوميا.. وتحميله مثل هذه المسؤولية. يرد قائلا: إن ذلك لمن دواعي سروري ويجب الا أدير بالا…
وديك جار في الخامسة والستين من عمره طويل القائمة بشوش الوجه غاية في الأدب وزوجته كاثي كذلك.. نعيش جيرانا منذ 34 عاما.. دعي الى منزلنا مرات عديدة لكننا لم ندع الى بيته مرة واحدة.. وهو محروم من الأطفال لأسباب لا اعرفها، ولم أساله يوما عنها فهذا ليس من شــــأني… لا اعتقـــد أن لديه أصدقاء كثرا، وإن كان فانهم لا يزورونه في منزله.. اذ لم يصدف أن رأيت زائرا يدق بابه خلال هذه السنوات، سوى حماته وحماه عندما كان الأخير على قيد الحياة.. أما حماته فلم تعد تزورهم بعدما بلغ بها الكبر عتيا.. شغله الشاغل غسل سيارته وسيارة زوجته مرتين في الأسبوع وتلميـــعهما.. وهو في هذا العمل محترف، إذ كان يعمل قبل تقاعــــده في إحدى وكالات بيع السيارات.. تضاف الى نشاطه هــــذا في فصـــلي الربيع والصيف مهمة قص العشب في حديقته..
ينام مبكرا جداً ويفيق مبكرا رغم انه متقاعد.. نسيت ان اذكر انه في بعض ايام الأحاد يمارس هواية الغولف. كل هذه المعلومات جمعتها منه اثناء لقاءاتنا، إما في حديقة منزلي الامامية او حديقة منزله اثــــناء قيام احدنا بمهـــمة منزلية خارجية، نتبادل خلالها أطراف الحديث واخبار اهل الشارع.
يرعى ديك وزوجته كاثي برحابة صدر قطّنا «تشونغ» وشقيقته خلال اجازاتنا.. وهذا سبب تطور علاقتهما مع «تشونغ» على وجه الخصوص الى علاقة متينة جدا، كانت تسمح لـ «توشنغ» بقضاء الليل في منزلهما وأحيانا في غرفة نومهما. الى هذه الدرجة وصلت العلاقة، وحتى في وجودنا كان «تشونغ» لا يتذكر منزلنا إلا عندما يقرصه الجوع.
لم يخيب ديك في تلك الليلة، ظني فكما توقعت كان في الباب واقفا و»تشونغ» بين يديه كما هي العادة.. استقبلته مرحبا قبل أن أفتح الباب فهو يراني من وراء زجاجه، بادئا باللازمة، الاعتذار والشكر معا على خدمته هذه باعادة قطّنا الى منزله.
فتحت الباب ولم يكن ديك الواقف أمامي هو الذي استقبله كل يوم في مثل هذه الساعة.. واعتقدت ان حدثا جللا حل به او مكروها أصابه.. فقد كان مكفهر الوجه والدموع تتساقط على خديه ويرتجف والكلام يخرج من فاهه متقطعا بفعل البكاء.. ويردد اللازمة اليومية نفسها، كان «تشونغ» امام منزلي.. لكن رعشة شفتيه ازدادت وهو يكمل اللازمة، واستطرد بصوت متهدج.. عندما فتحت باب المنزل وجدته منبطحا على الارض غير قادر على الحركة واعتقدت ان مكروها أصابه.. واشتد بكاء ديك وارتفع صوت البكاء وهو يسلمني «تشونغ» الذي كان فعلا يبـــدو وكأنه يلفظ أنفاسه الاخيرة..
دخلنا مسرعين الى المطبخ وديك يبكي وينتحب.. ويتوسل «توشنغ please.. ماذا بك.. لا تفعلها.. لا تمت please.. وضعت «تشونغ» على ارض المطبخ محاولا إسعافه.. فانبطح ديك الى جانبه وهو ينتحب.. ويضع اصبعه بفمه ويقول له «يالله توشنغ عض إصبعي».. لكن «تشونغ» لم يكن يقوى على التنفس ناهيك عن العض.. وما هي الا ثوان حتى فارق الحياة عن عمر يناهز احد عشر عاما.. حزنت عليه كثيراً ولكن حزني وخوفي كان اكثر على ديك الانسان..
لم يستطع ديك البقاء حيث جثة تشونغ فأوصلته الى الباب مودعا، لأرى زوجته كاثي واقفة امام منزلهما وهي تنوح.
وضعت «تشونغ» في صندوق من الكرتون استعدادا لمراسم الدفن صباح الغد، اذ كان يتعذر دفنه في ساعات الليل…
حقيقة شعرت بالقلق على ديك، فطلبت من زوجتي ان ترافقني في زيارة ديك وكاثي.. دخلنا منزلهما وهذه هي المرة الاولى التي نجلس فيها على المقاعد في المنزل.. كان ديك وكاثي في حالة يرثى لها.. في حالة حداد حقيقي.. البكاء يُستأنف كلما ذكر اسم «تشونغ».. وحاولنا ان نخفف عنهما في مصابهما بوفاة قطنا قدر المستطاع ولكن مصابهما جلل.. عرضنا عليهما دفنه في حديقتهما، ان كان ذلك يخفف حزنهما لكنهما رفضا ذلك مشددين على ان «تشونغ» قطنا ونحن أولى به.. وقلنا إن ما يخفف من المصيبة ان موت «تشونغ» كان سريعا ربما بنوبة قلبية ومن دون عذاب… فانا بيدي قدمت له وجبة العشاء وكان يبدو حيويا قبل ساعتين فقط من وفاته.
في صباح اليوم التالي تجددت موجة البكاء، عندما طلبت من ديك ان يعيرني فأسا كي أحفر قبرا لـ«تشونغ»..
ولم تمض الا ساعات حتى انتشر خبر وفاة «تشونغ» في الحارة، وتوافـــد المعـــزون يعددون مناقبه. واكتشفــــنا اننا كنا نجهل قيمة قطنا الذي أقام علاقات مع معظـــم الجيران بعضهم نعرفــــه والآخر لا نعرفه.. من وراء ظهورنا وكان على ما يبدو يحظى بشعبية كبـــيرة… الجـــارة الوحيدة التــي لم تعـــلم بعد برحــيل «تشونغ» هي ماري الأيرلندية التي كانت تحبه حبا جما وتقدم له الطعام، بسب غيابها عن البيت، وسنحاول إبلاغها بنبأ الوفاة بالقطاعي خوفا عليها، اذ قد لا تتحمل الصدمة، لتقدمها في السن.
والشيء بالشيء يذكر.. لم اشعر بهذه الحميمية من الجيران مذ سكنا في هذا الشارع وكنا أول القاطنين. ولم نتلق عزاء ولم يواسينا احد بفقدان عزيز.. ولم اشعر بتعاطف من ديك او غيره، عندما كانت إسرائيل ترتكب المجازر وتقتل الاطفال والنساء العزل في قطاع غزة في الصيف الماضي.. ولكن اذا كنا نحن لا نرحم أنفسنا والدماء تسيل بحورا بيننا فلا نتوقع من غيرنا ان يكون ارحم بنا..
الرفق بالحيوان عظيم.. ولكن الرفق بالانسان أعظم.. ولله في خلقه شؤون..
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح