إنتهينا في المقال الماضي إلى المطالبة بوقفة تعيد النظر في مجمل أحوال مصر الرسمية، وفيما تعاني من جراء زيادة معدلات الفقر، حسب بيانات وإحصائيات «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء» (الحكومي) ومن الصعب تناول أحوال المؤسسة العسكرية دون الإشارة إلى تاريخها وأهميتها، فلا يمكن إنكار أو تجاهل وجود مؤسسة عسكرية في أي دولة من دول العالم؛ القديم والحديث.. المتقدم والنامي، فبدونها تفقد غطاء الحماية من المخاطر والتدخل والغزو الخارجي، فدولة بلا جيش قادر لا تستطيع أن تعيش، فسويسرا؛ الدولة المتقدمة المحايدة لم تشتبك في حرب منذ قرون؛ لديها جيش من أكفأ جيوش العالم، وأسلحته من أكثر الأسلحة تطورا وفعالية، وكما اشتهرت بصناعة الساعات الثمينة اكتسبت نفس الشهرة بإنتاج الأسلحة المتقدمة والدقيقة.
وسويسرا المحايدة دافعت عن أمنها القومي أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأسقطت طائرات معادية انتهكت مجالها الجوي، ولم يُعْتَبر ذلك خرقاً للحياد، وما زال العالم يشجعها على التزام الحياد والحفاظ عليه، والابتعاد عن المحاور والأحلاف، أو ممارسة سياسات توسعية واستعمارية، واكتسبت سياستها حصانة بما يُعرف بـ«الحياد الإيجابي المسلح» ولم يمنعها ذلك من الاعتماد على جيش كفؤ، وذي قدرة قتالية متميزة، وتجنبت الحروب وويلاتها على مدى قرون.
والقوات المسلحة المصرية تعد أقدم جيش نظامي تاريخيا، وتعلقت أولى عملياتها العسكرية؛ بقيادة «الملك مينا» بمهمة «توحيد القطرين» في عام 3400 ق.م، وتوحدت مملكة الجنوب مع مملكة الشمال، وكاد الموقف يتكرر بعد أكثر من 5000 سنة من توحيد مصر، وبعد الحرب العالمية الثانية كانت في طليعة المتصدين للمشروع الصهيوني، وقبيل قيام الدولة الاستيطانية في فلسطين؛ بادر ضباط وطنيون بالاستقالة من جيش «المملكة المصرية» وتطوعوا للحرب في فلسطين، وكان ذلك قبيل إعلان الحرب رسميا، واشتراك القوات المصرية فيها، وحل دورها في صد العدوان الثلاثي عام 1956، وهو عام شهد خروج آخر جندي بريطاني، وكان جيشها ما زال صغيرا، وتم تعويض ذلك بإقامة معسكرات تدريب عسكري للطلاب والشباب في أنحاء البلاد، وإلحاقهم بمتطوعي المقاومة في بورسعيد وعلى امتداد مدن قناة السويس وغيرها من المدن، وانضم إليهم ضباط سوريون؛ منهم الضابط البحري جول جمال، الذي استشهد في المعارك، وكان للفدائيين الفلسطينيين دور مؤثر في صد العدوان.
وبعد الانفصال، وفصم عرى «الجمهورية العربية المتحدة» وفصل سوريا عن مصر تحركت القوات المسلحة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل تاريخ 28 سبتمبر 1961، وتحركت قوات المظلات المحمولة جوا من قواعدها في الإقليم الجنوبي (مصر) الى اللاذقية في الإقليم الشمالي (سوريا) وتراجع عبد الناصر عن قراره، وأمر بإعادة القوات الي قواعدها، وأمر قائدها بتسليم نفسه ومن معه للسلطات السورية؛ كي لا يرفع شقيق السلاح في وجه شقيقه!!.
وتجددت المحاولة في يوليو 1963 عقب زيارة سرية قام بها «العقيد جاسم علوان» لمصر؛ التقى فيها عبد الناصر؛ واضعاً بين يديه خطة لاستعادة الوحدة، ووافق الرئيس الراحل على تنفيذها، وكانت النية، إذا ما نجحت؛ الإعلان عن عودة سوريا لدولة الوحدة، وذلك في خطاب الذكرى الحادية عشرة لثورة 1952 في يوليو عام 1963، وفي حالة الفشل ينسحب من اتفاقية الوحدة الثلاثية؛ الموقعة مع العراق وسوريا، وفشلت المحاولة وتم الانسحاب من الاتفاقية الثلاثية، وزجت السلطات الانفصالية بمئات الوحدويين السوريين في سجن المزة بدمشق.
لا يمكن إنكار أو تجاهل وجود مؤسسة عسكرية في أي دولة من دول العالم؛ القديم والحديث.. المتقدم والنامي، فبدونها تفقد غطاء الحماية من المخاطر والتدخل والغزو الخارجي
وفي محاولة ثالثة قام بها الضابط السوري جادو عز الدين (يوليو 1964)؛ وتنطلق من الأراضي العراقية؛ على ثلاثة محاور: الأول محور المنطقة الشرقية من سوريا؛ دير الزور ومنطقة الجزيرة، والمنطقة الشمالية في حلب وتوابعها، والثاني محور دمشق، والثالث محور المنطقة الوسطي؛ تدمر، حماة، حمص وتوابعهم. وتغير موقف عبد الناصر، وأبلغ عز الدين وقف التنفيذ، وعُرِف ذلك السر بعد مرور 25 عاما من موعد العملية، ورواه عز الدين موثقا، وكَشْف معلومات؛ مصدرها الرئيس اللبناني وقتها؛ اللواء فؤاد شهاب، الذي نما لعلمه نصب واشنطن فخ لعبد الناصر لاستنزافه، وألغيت تلك ألمحاولة. وبعد هزيمة 1967، وتنحي عبد الناصر؛ وتحمله مسئولية ما وقع؛ خرج الشعب رافضا الهزيمة ومطالبا ببقائه، وتقديم المسؤولين عن الهزيمة للمحاكمة.
بدأت مرحلة جديدة؛ أعيد فيها بناء مؤسسات الدولة، وضبط وتنظيم الجيش، واعتماده على حملة المؤهلات العلمية والجامعية في تشكيلاته الجديدة، وبدأت حرب الاستزاف بـ«معركة رأس العش» في أول يوليو 1967؛ بعد أيام من وقف القتال، وكانت الحرب الأطول في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وتحملت القوات المسلحة أعباء التدريب النوعي، والقتال بالتسلل لصفوف العدو، وقدم الشعب تضحيات جمة، وتحمل الأعباء كاملة، واستعادت القوات المسلحة لياقتها، وكانت قاب قوسين أو أدنى لعبور القناة وتدمير «خط بارليف» وفجأة يرحل عبد الناصر، وودعته مصر والشعب العربي في جنازة ما زالت الأكبر في التاريخ، وبعد ثلاث سنوات من رحيله تم العبور وتدمير «خط بارليف»؛ المحصن بخزانات «نابالم» حارقة لالتهام من يعبر، وتم تعطيلها قبيل الساعة الثانية بعد ظهر السادس من اكتوبر 1973، وتحقق النصر العسكري العظيم.
كانت الثقافة العسكرية السائدة قد استقرت على مبادئ ونظريات الجنرال الألماني
وعند التدقيق في العوامل المؤثرة على تكوين القوات المسلحة المصرية نجد التجنيد الإجباري لعب دورا في فتح وانفتاح المؤسسة العسكرية على الشعب والمجتمع، وعند التوقف الإنجازات الكبرى، وتكاثر الفتن؛ مثل الذي حدث تاريخيا من إغارات البدو، وتفشي أعمال النهب وقطع الطرق، وذلك أوقع مصر تحت سنابك خيول الفرس والرومان والبيزنطيين والإغريق. وجاء الفتح العربي والإسلامي فغير مصر نوعيا، ومكنها من استعادة دورها المحوري المؤثر. والتكامل مع الشام. واختيار دمشق عاصمة للدولة الأموية، فحلت محل «المدينة المنورة»؛ عاصمة الخلافة الراشدة، وبانتصار العباسيين أضحت بغداد عاصمة الدولة الجديدة، واستمر ذلك حتى ظهور الدولة الفاطمية في «المهدية» بتونس وإنتقالها إلى مصر، وبناء القاهرة عاصمة لها.
ومع ظهور صلاح الدين الأيوبي وانتهاء الحكم الفاطمي؛ استجلب الأيوبيون المماليك، وسرعان ما قويت شوكتهم، وتمكنوا من الحكم في القرن الثالث عشر الميلادي (1250م). وكانوا قد وفدوا في سن مبكرة من أمصار وأقاليم غير عربية وغير إسلامية، ويعدون عسكريا على النسق «الاسبرطي» فاستوطنوا مناطق وثكنات معزولة؛ وتمرسوا على الفروسية، واكتساب مهارات القتال وفنون الحرب، وكانوا ذوي بأس؛ ساعدهم في استقرار الحكم واستتباب الأمن، وحين نالهم الضعف انهزموا أمام العثمانيين في 1517م؛ ثم جاءت الحملة الفرنسية؛ مصحوبة بقلاقل وعدم استقرار؛ وبعد هزيمتها تولى محمد علي ولاية مصر 1805م، فوجد المماليك عقبة أمام طموحه، فتخلص منهم، وركز اهتمامه في بناء جيش عصري قوي، وحقق انتصارات عسكرية وسياسية واقتصادية وعلمية كبرى، ونتج عن إلحاق أساطيل بريطانيا وفرنسا وروسيا؛ إلحاق الأذى بالأساطيل العثمانية والمصرية والجزائرية في «نفارين» عام 1827، فغزت فرنسا للجزائر واحتلتها واستوطنتها عام 1830.
وخاب ظن من اعتبر انتصار الجيش المصري على الدولة العثمانية في «نصيبين» نهوضا من «كبوة نفارين» وكان الانتصار قد تعزز بانضمام الأسطول العثماني للأسطول المصري؛ بسفنه وقواته، وكانوا نحو خمسين سفينة، وثلاثين ألف مقاتل، وثلاثة آلاف مدفع، واستقبلتهم الإسكندرية بحفاوة. وتضاعفت قوة مصر العسكرية والبحرية بين دول البحر المتوسط. ورجحت كفتها على الأساطيل العثمانية، ومع ذلك تعرضت لضغط أوروبي كبير وكثيف، ورغم قوتها تلك بقيت ولاية عثمانية، إلى أن تم اصطيادها بمعاهدة لندن عام 1840م، التي ضيقت عليها، وأخرجتها من الشام والحجاز وكريت وأضنة؛ وتقلصت قوتها العسكرية إلى 18 ألف جندي، بعد أن كانت 235 ألف جندي لبلد تعداده يزيد قليلا عن أربعة ملايين نسمة.
كاتب من مصر