الإبداع… الخروج من دائرة المستهلك

ربما لا تملك أي معالجة إبداعية سوى تلك الحاسة التي تُبنى على إثارة الأسئلة في تكوينها الكلي، خاصة في ما يتعلق بمنظورنا تجاه هذا العالم، فلا جرم أن نواجه أولى محاولات التصنيف من قبل أرسطو، الذي تحدّث عن المأساة والملهاة، والملحمة، وعليه، فإن هذه الفئات تعكس وعياً أولياً باختلاف التمثل، لوجود الإنسان ضمن صيغ تستجيب لمتطلبات ذلك العصر، فتعقيدات الوجود باتت أكثر إشكالية مع تقدم الزمن، ما يدفع إلى الواجهة تعالقات بنيوية مع هذا الوجود، وتشابكه. وهذا يتطلب استحداث نماذج جديدة كون ذلك يتصل بفعل حضاري ينهض على الوعي، ولطالما بدا لي منتجنا الإبداعي العربي قاصراً عن توسيع آفاق رؤيته، حيث غالباً ما يعلق في مجالات ضيقة للغاية، وكأن عالمنا الذي نعيش فيه لا يملك تنوعاً، أو أن قضايانا باتت أسيرة وعي هش ساذج، إذ إنها تكاد تقتصر على نماذج مبتورة أو شديدة التكرار، وهنا أسعى إلى عدم الانغلاق على النموذج الأدبي، وإنما يكاد يشمل هذا الحكم الصيغ الإبداعية كافة، بما في ذلك السينما والفنون والمسرح، وغير ذلك.
لطالما بدت لي خيارات الكتابة في العالم العربي وتقاطعها، مع المشكلات أو حدود البحث أسيرة مقاربة تتصل بحيثيات اجتماعية لا مكتملة أو سياسية (غير ناضجة) وهنا نلاحظ على سبيل المثال، نتاجات العالم العربي محصورة على مقاربات الموضوع العاطفي لعوالم البالغين، وقليلاً جدا ما تنزع نحو سمة تأريخية، أو واقعية، أو علمية، وإن وجدت فإنها تبرز في الكثير من الأحيان مختزلة في الذوات الكلية، أو تلك التي تكمن في الوعي التاريخي ضمن منظور المؤسسة أو السلطة. إننا لا نحفل كثيراً بالتنوع، وكأننا لا نكاد نرى سوى تلك العوالم التي نستعيد حضورها في رواياتنا وأفلامنا، كما في الدراما والمسرح، حيث تكاد تغيب معالجات تتصل بمحاولة البحث عن علاقات جديدة مع الإنسان، بمعزل عن استهلاك قضايا الصراع المجتمعي، أو تلك الحبكات المكررة المتصلة بنظرية الانعكاس الماركسي، التي ذوت هي الأخرى، فأصبحت المعالجة بعيدة عن تجسيد أزمة الطبقات المسحوقة والمهمشة، وكأن ثمة تدخلاً سلطويا بنفي أي محاولة للاقتراب من معضلات الإنسان العربي، وتلمس مكامن الخلل، فيحدث الإقصاء على مستوى الثيمة، بما في ذلك تجاهل الاحتياجات لشرائح معينة، فالمعالجات تبقى بمعزل عن تناول قضايا تتعلق بالطفل، ولاسيما تجسيد معاناته في زمن الحروب والهجرات والفقر، بما في ذلك عوالم المراهقين، والشباب الذين يشكلون ذخيرة يمكن أن تحدث تحولاً وتعديلاً في الصيغ المتكلسة والراكدة لمنظومات مؤسساتية، وكأن ثمة إبعاداً ممنهجاً لمحاولة بناء وعي، أو الإحالة إلى هذه القضايا ومنها البطالة، فلا نرى مقاربة أدبية أو روائية أو سينمائية أو درامية لهذه الفئة، التي تكاد لا تجد صوتها في المستهلك العربي من التكرار والتشنج، مع محاولة الهروب نحو ظلال أعمال لا تمسّ وقائعه، حيث تختزل في دوامات عاطفية مستهلكة. إن فعل التصنيف، انطلاقاً من الحاجة القائمة على التنوع والاختلاف، يبدو معطّلاً، فلا يوجد لدينا مفهوم واضح يراعي احتياجات هذا الاختلاف، ما يعني تلاشي فكرة احترام الاختلاف، والتعدد الثقافي.

نفتقر إلى أعمال فنية تبحث في إشكالية العائلة العربية، أو تلك التي تتوجه لمهنة معينة تتصل بسعي الإنسان للنجاح، أو تقديم تصور لتحديات الإنسان، سواء أكان عاملاً بسيطاً، أو مدرساً، أو موظفاً، وغير ذلك من التصنيفات ذات الطابع المتنوع والمتعدد.

على سبيل المثال، نفتقر إلى أعمال فنية تبحث في إشكالية العائلة العربية، أو تلك التي تتوجه لمهنة معينة تتصل بسعي الإنسان للنجاح، أو تقديم تصور لتحديات الإنسان، سواء أكان عاملاً بسيطاً، أو مدرساً، أو موظفاً، وغير ذلك من التصنيفات ذات الطابع المتنوع والمتعدد، التي ربما ترصد ـ على سبيل المثال – تصورات (شيف) أو مدرب رياضي تجاه تحديات ما، ناهيك من غياب أفلام الخيال العلمي، والتشويق، والرعب، والغموض، والموسيقى، والكوارث البيئية، والمستجدات التقنية، والحبكات النفسية، والجريمة، والحرب.. في حين تندرج تحت كل فئة فئات فرعية أخرى، كما الكثير من التصنيفات، التي يبدو الكثير منها غائباً عن صانعي الإبداع في العالم العربي، فضلاً عن عدم القدرة على التحول نحو أعمال ذات طابع هجين، حيث تتداخل بعض التصنيفات في سياق عميق، وإنساني.

إن القدرة على تمكين الفنون بمعزل عن مركز الاستهلاك للثيمات يبدو جلياً، فالقدرة على الكتابة، ضمن مجال الصراع الإنساني مع موجودات أخرى، فلا نجد أعمالاً أو روايات أو أفلاماً تعالج معضلة البيئة، ومسؤولية الإنسان، فالطبيعة أو المكان يكاد يكونان غائبين تماماً عن وعي الكتابة العربية، ولا يحضران بوصفهما شخصية، أو فضاء مركزياً في الوجود، على الرغم من أنهما الحاضنة لهذا لوجود، وهنا أحيل إلى قيمة المكان بوصفه فضاء يحتمل الكثير من التأويل، كما نقرأ في كتاب «جماليات المكان» للفيلسوف باشلار، فربما تتخذ البيئة صيغة ذات طابع أقرب إلى تجسيد الشخصية، تبعاً لمفهوم فيليب هامون، في تحليله لمفاهيم الشخصية من منطلق سيميولوجي، ففهم دور الطبيعة في غضبها، وغموضها وموقفها من ممارسات الإنسان، لا يبدو حاضراً لدى العديد من الكتاب أو صانعي الفنون، ما يعني أننا إزاء هدر لقطاعات كبيرة من عوالمنا التي تحاذينا، أو هناك قصور في تمثل العوالم التي نعيش فيها، والانفتاح على المغاير والمختلف.
نخلص إلى أنه لا يمكن أن نمارس نقداً فاعلاً للذات، وكي لا نقع في معالجة شبه استشراقية تنفي محدودية الخيال عن العقلية العربية، ولكن هذه المقولة تبدو في جزء منها صحيحة، ولكن لا بدّ من التقصي للبحث عن الأسباب التي تجعلنا بمعزل عن التلفت لقضايا أخرى، أو أن نتخلص من تمحورنا حول ذات ومفرزات مستهلكة، وربما نعلق في قضايا تكلست حتى لم يعد فيها مجال، لأن تثير خيالنا أو عواطفنا وأفكارنا، لقد بتنا نكرر المكرر، وحين نبحث عن نمط من الإبداع فإننا نستقرض من منتج الآخر، ونعيد تعريبه ضمن نسخ رديئة جدا، في حين نتناسى كلية التمثل البانورامي لهذا الوجود، والأنكى أننا لا نتوجه إلى حقيقة المشكلات التي نعاني منها، وكأننا نمارس جنايتين في آن، حيث لا نملك إمكانية التعبير عن تنوع وجودنا، ومن ثم، فإننا لا نملك صيغة أصيلة لتمظهرات هذا التعبير، ولعل الأمر يحال إلى عقم في المخيلة، والأصوب هيمنة منظومات من الفساد الثقافي المؤسساتي.

كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية