يتميز رمضان في الجزائر، بالعديد من الخصائص، قد لا نجد ما يشبهها في بلدان أخرى، بما فيها البلدان المغاربية القريبة من الحالة الجزائرية. رمضان الجزائري الذي اكتسب صفاته من التاريخ السياسي المتميز للبلد، استعمل فيها صوم رمضان كشكل من أشكال المقاومة السلمية ـ في حدها الأدنى – للحالة الاستعمارية التي عاشها الشعب الجزائري لمدة طويلة (132 سنة)، تجلت في تعامل خاص مع هذه العبادة، لم تكن حاضرة بالجماعية والإصرار نفسيهما، عندما يتعلق الأمر بالعبادات الأخرى كالصلاة مثلا، التي كان يتهاون في أدائها الجزائري ـ الشباب خاصة في المدن- لغاية العقود الأخيرة، عكس صيام رمضان الذي تحول إلى عبادة جماعية حمّلها الجزائريون الكثير من الرسائل السياسية والثقافية، بعيدة في أحيان كثيرة، عن عمقها الديني، في وجه شمولية الاستعمار الفرنسي الاستيطاني، الجاثم على تفاصيل حياتهم اليومية.
استعمل الجزائريون الصيام لمدة شهر كامل، بجماعية نادرة، للتعبير عما يميزهم كشعب وثقافة، أحسوا بأنها كانت مهددة في المدينة قبل الريف، التي فرض عليهم التعايش داخلها، بالقرب من الحالة الاستعمارية الاستيطانية، لم يكونوا خلالها قادرين على التحكم في وقتهم الاجتماعي، إلا كاستثناء، وهم يعيشون ذلك لمدة شهر في السنة ، يعبرون خلاله على اختلافهم، وهم يكسرون منطق الوقت الاستعماري، الذي لم يراعِ خصوصياتهم الثقافية، حتى لو أدى ذلك إلى استعمال صرامة عالية تصل إلى التهديد باستعمال العنف بمختلف أشكاله، المباشر منها والمستتر، ضد كل من تسول له نفسه الإخلال بهذا الاستعمال الرمزي، الجماعي للصيام، كشكل من أشكال المقاومة المتاحة.
في غياب الدولة الوطنية، التي كان يمكن أن تتكفل بهذه المهمة، كما هو حاصل هذه الأيام. وهي تنسى في الغالب أن الظرف تغير، وأن الاستعمالات القديمة لرمضان لم تعد مطلوبة ولا مقبولة، كما تشهد بذلك اعتداءات قوات الأمن على المفطرين، وهي لا تفرق في التعامل، بين المؤمن والمواطن. استعمال جماعي للصيام كشكل للمقاومة، اهتم في المقام الأول بالجانب السلوكي والجماعي البارز، اكاد أقول المسرحي، على حساب الأبعاد الروحية والفردية، التي لم تعر اهتماما كبيرا. لأن المطلوب كان استعمالا اجتماعيا وسياسيا لهذه العبادة الفردية والروحية، يعود فيها الجزائريون إلى السيطرة على وقتهم الاجتماعي والكثير من رموزهم الثقافية الجماعية في اللباس والأكل والتعامل في ما بينهم، داخل وقت مستقطع، بعيد عن هيمنة الحالة الاستعمارية الاستيطانية، التي ابتلي بها البلد، عكس الحالات المغاربية والعربية القريبة.
صيام رمضان تحول عبادة جماعية حمّلها الجزائريون الكثير من الرسائل السياسية والثقافية، بعيدة أحيانا عن عمقها الديني
رمضان جرائري، عبّر عن نفسه بعد الاستقلال بأشكال كثيرة – سلبية في الغالب- استمر خلالها الاستعمال الجماعي للعبادة، بعد غياب أسبابها، كشرت عن نفسها على شكل كسل مبالغ فيه، وإفراط في الأكل، والتبذير والعنف في العلاقات بين الافراد، عادة ما تنطلق شرارته الأول في اليوم الأول من أيام رمضان الجزائري الذي استمر في نمطيته الجماعية لفترة طويلة، لم تعد تجد القبول نفسه وبالدرجة نفسها، من قبل فئات كثيرة في المجتمع. سلوكيات عبّرت عن نفسها على شكل تدين جماعي وشكلي في الغالب، كما هو الحال مع صلاة التراويح والسهرات داخل وخارج الفضاء العائلي، التي لا تنتهي لآخر ليلة من رمضان، مع كل ما تفترضه من «قرب اجتماعي» من أحضان وقبلات، يتم فيها التكفير عن العنف المستشري في النهار، بين أبناء هذه الثقافة الجماعية المتجددة، التي ستجد صعوبة في الانصياع لمنطق التباعد الاجتماعي المطلوب في زمن كورونا.
رمضان الجزائري، الذي يخبرنا الكثير من المؤشرات المستقاة من يوميات أول سنة كورونا، أنه مقبل على تغييرات كثيرة، منها على سبيل المثال، اختفاء هذه السنة لعمليات» البحث والتقصي» عن المفطرين التي كان يتطوع للقيام بها الصغير، قبل الكبير، بحزم كبير قد يصل إلى استعمال العنف في أحيان كثيرة، لا تسامح فيها مع العربي والعجمي، بمن فيهم أبناء الديانات الأخرى من المقيمين في البلد، الذين يعيشون شهر رمضان كحالة طوارئ قصوى، لمدة شهر كامل، لم يعد في مقدورهم السفر خارجه في زمن كورونا كما اعتادوا. «الحروب الأهلية المصغرة» التي تندلع بغتة، في كل حي وحارة، في السوق وزحمة السيارات، .اختفت هي الأخرى هذه السنة، بعد أن فرض انتشار وباء كورونا منطقه على تفاصيل يوميات رمضان الجزائري كنمط استهلاكي، يعرف هرولة كبيرة، بحثا عن الكلأ والمرعى في نصفه الأول وعلى ملابس الأطفال في نصفه الثاني. في انتظار يومي العيد التي لا يزيد على يومين اثنين، عكس الحال في مجتمعات عربية أخرى تحكمت في وقتها الاجتماعي بحمولته الثقافية والدينية ـ عكس الجزائريين. سيكون أول عيد في سنة كورونا هذه، في غياب طقوسه المعروفة، بقوة الاحتكاك الجسدي داخله، على غرار زيارات العائلة والمقابر والتغافر، بعد الانتهاء من صلاة العيد، التي ستختفي هذه السنة، هي الأخرى ومعها فرحة الأطفال، بعد فرض الحكومة لتوقيت متشدد خلال هذين اليومين. كان يمكن أن يكون حجرا كاملا، لو تم الاستماع إلى الكثير من المواطنين، المتخوفين من استفحال ارتفاع معدلات الإصابات والوفيات في رمضان.
رمضان الذي سيعرف لأول مرة في التاريخ السياسي للبلد غياب «الكولسة السياسية «التي كانت تعرف بها سهرات رمضان الجزائري بين أعضاء نخبة سياسية رسمية، تظهر على شكل قرارات، بعد العيد مباشرة ،عادة ما تتخذ خارج المؤسسات الرسمية، أثناء هذه السهرات المغلقة، بين أعضاء نخبة تعودت على نوع من السرية كثقافة، يتم التسامح معها مؤقتا في سهرات رمضان. سهرات عادت لها حيوية سياسية وفكرية في السنوات الأخيرة، بعد الاعتراف بالتعددية السياسية. عُوضت في زمن كورونا، باللجوء إلى العالم الافتراضي العام، الذي تم تنشيطه من قبل فعاليات الحراك الشعبي أكثر من الأحزاب السياسية، التي اكدت سباتها العميق إذا استثنينا بعض التجارب المحدودة. لنكون بذلك أمام مؤشرات عديدة تخبرنا أننا أمام بداية قطيعة مع ما عرف به رمضان الجزائري، تسبب فيها انتشار وباء كورونا. التي تكون قد بدأت في المس بالعمق الأنثروبولوجي للمجتمع الجزائري وهو يعيش سنة كورونا الأولى، التي سيكون ما بعدها مختلفا عما كان قبلها، في قلب المجتمع وليس على حواشيه فقط. قد تتطور مع الوقت في اتجاهات عدة، يمكن أن يكون من بينها العودة إلى نوع من التدين الفردي والروحاني، قد يكون أحد نتائج هذا التباعد الاجتماعي، الذي تنادي به ثقافة ما بعد كورونا.
كاتب جزائري