واشنطن-“القدس العربي”:
حذر تقرير لوكالة “بلومبيرغ” من أن الاقتصاد الجزائري، الذي يعتبر واحداً من من أكثر الاقتصادات المعزولة في العالم العربي، قد بدأ في الاستسلام بسرعة لوباء فيروس كورونا والانهيار غير المسبوق في أسعار النفط.
وقالت “بلومبيرغ” إن الجزائر، التي هزتها بالفعل سنة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تواجه واحداً من أعنف التحديات الاقتصادية، وأشارت إلى أن الاقتصاد المقدر حجمه بـ 173 مليار دولار، ورغم أنه غير مثقل بعبء الديون الخارجية إلا أنه سيجد صعوبة في الإفلات من موجات الصدمة العالمية.
النظام الجزائري يواجه لحظة حساب أكثر خطورة مما كانت عليه قبل عام، بسبب وجود ثلاث أزمات، أقتصادية وسياسية وصحية
ولا يمكن لعضو في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أن يتطلع إلى إيرادات من الطاقة للخروج من الأزمة في أي وقت قريب، ووفقا لما ذكره التقرير، فإن الجزائر التي اعتمدت في السابق على أرباح غير متوقعة للمساعدة في الرد على المعارضة، تحتاج الآن إلى سعر نفط يزيد عن 157 دولاراً للبرميل من أجل تحقيق التوازن في الميزانية.
وقد تم تداول خام برنت القياسي العالمي تحت سعر 20 دولاراً، وانخفضت العقود الآجلة للنفط في نيويورك إلى ما دون الصفر يوم الاثنين الماضي للمرة الأولى على الإطلاق.
وأشار التقرير إلى أن الجزائر ، التي يقطنها نحو 44 مليون نسمة، وصل فيها عبد المجيد تبون للرئاسة بعد تصويت قليل الحضور في ديسمبر الماضي، وكان الرئيس الجزائري يحذر من الأوقات الصعبة حتى قبل أن ينتشر الوباء العالمي، الذي أدى إلى إصابة 2629 ووفاة 375 من الجزائريين، وهو أعلى عدد من الوفيات في العالم العربي.
ووحاولت الحكومة الجزائرية التخفيف من التداعيات الاقتصادية للوباء، حيث قامت بتقديم مدفوعات نقدية للأسر المحتاجة وتأجيل سداد الائتمان ورسوم الضرائب على الشركات.
ووفقا لصندوق النقد الدولي، فإن الجزائر تسير في اتجاه تشغيل ميزانية، نسبة العجز فيها 12 في المئة، مع عجز في الحساب الجاري أسوأ من عجز لبنان، وقد تنخفض الاحتياطيات النقدية إلى أقل من 13 مليار دولار في العام المقبل، وهو انخفاض بنسبة 90 في المئة منذ عام 2017.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الجزائري بنسبة 5.2 في المئة في عام 2020، مما يرفع نسبة البطالة إلى أكثر من 15 في المئة وسط جدل حول الأرقام الحكومية للبطالة.
وأشارت “بلومبيرغ” إلى أن التوقعات تسلط الضوء على إلحاح حكام الجزائر وضباط الجيش على تهدئة حركة المعارضة الشعبية، التي تطالب بتغيرات شاملة.
واستنتج التقرير أن النظام الجزائري يواجه لحظة حساب أكثر خطورة مما كانت عليه قبل عام، بسبب وجود ثلاث أزمات، أقتصادية وسياسية وصحية، ومن المحتمل أن تتلاقى في وقت لا يزال فيه السكان في حالة تعبئة ضد الحكومة كما أن الثقة في الدولة منخفضة، وقال ريكاردو فابياني، مدير مشروع شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية إن “نظام المحسوبية الذي يشتري الدعم لم يكن أبداً بهذا الضعف”.
وفي مقابل هذا التقرير لـ”بلومبريغ” قال الوزير المستشار للاتصال الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية محند أوسعيد بلعيد ، أمس، إن الجزائر ما تزال “متحكمة” في الأزمة الناتجة عن الهبوط الحاد لأسعار النفط في ظل تفشي وباء كوفيد-19.
وأضاف بلعيد خلال مؤتمر صحفي عقده بمقر الرئاسة أن “الاجراءات الضرورة لمواجهة هبوط أسعار النفط كانت قد اتخذت خلال مجلس الوزراء الذي ترأسه الرئيس عبد المجيد تبون قبل نحو شهرين، مستطردا :”كنا نتوقع هذه الأزمة، واحتطنا لها”.
وواصل قائلا: ” الحمد لله مازلنا متحكمين في هذه الازمة، نتمنى أن تنفرج الأمور ان شاء الله في الأسواق الدولية، وأن يعود النفط إلى سعره، الذي يريح الجميع سواء المستهلكين او المنتجين”.
في مقابل هذا التقرير لـ”بلومببرغ” أكد المتحدث باسم الرئاسة الجزائرية: متحكمون في في الأزمة
وذكر بأنه من ضمن التدابير التي اتخذت في مجلس الوزراء، قرار خفض الواردات بـ30 بالمائة على أمل تقليص فاتورة الاستيراد من 41 إلى 31 مليار دولار، و كذا خفض قيمة الأموال المخصصة للدراسات والخدمات من مكاتب الدراسات الأجنبية، مما سيوفر للجزائر حوالي 7 مليارات دولار سنويا، وكذا تأجيل المشاريع المسجلة أو التي هي قيد التسجيل، ما عدا تلك التي تعد حيوية بالنسبة للمناطق المعزولة والمهمشة، وكذلك المشروع المتعلق بدراسة مستشفى مكافحة السرطان في الجلفة.
وكان الرئيس تبون خلال تدخله أمام مجلس الوزراء أمس الأول تساءل قائلا”: إلى متى ومصيرنا مرهون بتقلبات الأسواق العالمية للبترول”، قبل أن يشدد على أن الوقت قد حان للتركيز بكل عزم وجدية على الصناعة البتروكيمياوية، وتطوير قطاعات الصناعة والفلاحة، واستغلال الثروة البشرية التي تتخرج سنويا من جامعاتنا لتمكين الشباب من العمل بعبقرتيه المعهودة، كما اعتبر أنه “من الضروري التوجه فورا دون اي تأخر إلى الاستثمار في قطاع الطاقات المتجددة قصد التصدير، لتحصين استقلالنا الاقتصادي من عالم المفاجآت الذي تمثله سوق البترول، وطلب بأن تتوسع مؤسسة سوناطراك في خططها للاستثمار في المشاريع البترولية في الخارج، لتحسين مداخيل الدولة”.
وكانت الجزائر قد اعتمدت في إعداد موازنتها على سعر مرجعي يقدربـ 60 دولاراً للبرميل، غير أن الخام الجزائري تهاوى إلى ما تحت العشرين دولار للبرميل الواحد، الأمر الذي يجعل التوازن المالي للبلاد في خطر، لأن الجزائر تعتمد بنسبة 90 بالمائة من ميزانيتها على مبيعاتها من البترول والغاز، كما أن التقلبات التي عرفتها أسواق النفط منذ 2015 أدت إلى تآكل صندوق ضبط الموارد تدريجيا حتى تم استهلاك كل الأموال الموجودة فيه، قبل أن تشرع الجزائر في اللجوء إلى احتياطي النقد الأجنبي الذي تآكل تدريجيا ليصل إلى 62 مليار دولار نهاية 2019، بعد أن كان فيه ما يقارب 200 مليار دولار.