الإرهاب: لن نفهم ظاهرة التطرف الديني الإرهابي إلا بالرجوع إلى التاريخ. ما يتردد اليوم من أنه نشأ كثمرة مرّة للتعذيب في السجون، أو لما يكابده الشباب من إحباط في قبضة الأزمة الاقتصادية تفسير غير كافٍ، وآية ذلك أنه وجد واستفحل قبل الأزمة، كما أن تعذيب السجن كان نتيجة له وليس سبباً فيه، وأقصى ما تفعله تلك العوامل أن تزيد مضاعفاته حدّةً. إنه قديم ومنذ العصور الأولى للإسلام، ولا أجاوز الحقيقة إذا قلت إنه ظاهرة لها ما يفسرها، بل وما يبررها في تاريخ الدولة الإسلامية نفسها، فمنذ أخذت الدولة الإسلامية بأسباب الحضارة، جامعة بين إيجابياتها وسلبياتها، ومنذ أقبل المسلمون على الدنيا يكثرون من الأموال ويستسلمون للشهوات، حصل ردّ فعل شديد في نفوس طائفتين من الناس، طائفة معتدلة راحت للتقوى والزهد والإعراض عن مغريات الحياة، فكانت الأصل الأول للتصوف الإسلامي، وطائفة متطرفة كفّرت الدولة والمجتمع، وسلّت السيف لتغيير نظام الحكم من أساسه. وواكبت تلك الحركات التاريخ الإسلامي حتى ظهور الوهابية والسنوسية والمهدية، وأخيراً الإخوان المسلمين.
فالتطرف الديني الإرهابي هو الوجه الآخر للانحلال والفساد، وهدفه تطهير المجتمع وإعادة التوازن إليه، وكان يلجأ قديماً للعنف لأنه لم تكن ثمة وسيلة للمعارضة سواه، أما اليوم فلا مبرر له إطلاقاً في عصر الحرية وتعدد الأحزاب، وخاصة بعد أن شق الصوت الإسلامي طريقه إلى مجلس الشعب. ولكن يبدو أن الظاهرة تحتاج إلى حلول جديدة، اجتماعية وسياسية وأمنية.
أما الاجتماعية فتقتضي التصدي بكل جدية لجميع مظاهر الفساد في الإدارة والحياة العامة، وأما السياسية فيجب أن يحظى الناس بحقّ تكوين الأحزاب وإنشاء الصحف بدون قيد أو شرط.
فإذا أصرّ قوم بعد ذلك على استعمال العنف فلن يعني هذا إلا أنهم أهل عنف وإرهاب، يرومون التسلط على العباد بالقوة والخوف، فلا يملك المجتمع في تلك الحال إلا التصدي لهم بكل عزم وحزم، دفاعاً عن حريته وكرامته.
31/9/1979
الإيدز السياسي
كيف تفشت الأخلاق الرديئة؟ حسبي أن أركز على سببين جوهريين تعاونا على غزو أمتنا الطيبة العريقة مثل داء الإيدز فأفقداها أصول مناعتها، وهما: نظام حكم قام على الاستبداد والقهر، وأزمة اقتصادية خانقة تهز الاستقرار النفسي والأمان الاجتماعي. ولن أطيل في تفصيل آثارهما الوبيلة، فقد خبرناها كما يخبر المريض الذي أُلصقت به أعراض المرض، مثل ارتفاع الحرارة، والغثيان، والصداع، والآلام المبرحة.
إنه حال يُفرغ المواطن من شجاعته وسروره بالحياة، ويحيطه بالخوف وسوء الظن، ويدفعه إلى مداهنة الحاكم، بتقديم قرابين النفاق والكذب والخداع، وانفصام الشخصية، ثم يُسقطه في الصمت والسلبية وعدم الانتماء، والانحصار في لقمة العيش، مع الاستعداد للانحراف، والإعراض عن التقاليد الكريمة. وقد تثور الأعصاب فيقتل أو يغتصب، وقد تُسدّ المنافذ فيدمن المخدرات أو ينتحر.
أما الذين يمارسون الاستبداد فمع الزمن يتعالون ويستكبرون، وتقسو قلوبهم فلا يتورعون عن التنكيل بالضحايا بالإيذاء والتعذيب، هازئين بكل قيمة، وفي مقدمتها حقوق الإنسان والإخوّة الوطنية، ثم يعميهم الجشع بالنهب والسلب والعدوان وتخطي العرف والتقاليد والقانون. هذا ما فعله بنا الاستبداد والأزمة، سلط بعضنا على بعض، ثم سلطنا على أنفسنا.
ولا شك أن العلاج قد بدأ في الفترة الأخيرة بالتوجه النهائي نحو الديمقراطية، والحث المتواصل على العمل والإنتاج، والمحاولة الدائبة لاحتواء الأزمة.
ولكن لا مفر من خطوة جديدة حاسمة كي يكون لهذا الليل آخر.
21/4/1988
بين الدين والدنيا
كل حكومة هي حكومة دينية على نحو ما، لا أعني بذلك أن تكون السلطة بيد رجال الدين، أو بيد شخص يدعي لنفسه العصمة، أو أنه ظلّ الله على الأرض، وغير ذلك من الأقنعة التي يتخفى تحتها الاستبداد، ولكن من ناحية المضمون الأخلاقي الذي تلتزم به في معاملاتها وتشريعاتها. ذلك أن الدين من الناحية التاريخية هو المعلم الأخلاقي الأول للبشرية، وأنه ما من حكومة إلا وتلتزم في دستورها وقوانينها بالسائد من الأخلاق والتقاليد والقيم، ولذلك يمكن أن نعدها حكومة دينية من ناحية المضمون، حتى إنْ نحّت الدين جانباً أو نبذته نبذاً.
ومن هنا نجد في الدستور السوفييتي قيماً دينية الأصل، كالمساواة، والعدالة، كما نجد في عقوباتها ما يشبه الحدود أو ما هو أشد. أجل إنه عند التطبيق تحدث فجوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، وقد يستشري الفساد فتتسع الفجوة حتى تطمس الصفة الدينية أمام الأعين، وخاصة أعين المتطلعين إلى المَثَل الأعلى، فيشتد بهم الغضب، ويكفّرون الجميع ـ دولة وشعباً ـ ويتخطون في غضبهم المألوف والقانون، وينادون بحكومة دينية كوسيلة للتطهير والتقدم.
والواقع أن الحكومة المنشودة قائمة بالفعل، وإن توارى جوهرها تحت الأتربة المتراكمة، وقد يعيدها إلى أصلها الإصلاح العميق الشامل الذي يعني في النهاية تضييق الفجوة أو سدها، وإعادة النظر في بعض الأمور، وتغيير بعض العناوين. وإذا نُفّذ ذلك بالحكمة والإدراك السليم وفهم روح الدين والاستجابة لمقتضيات العصر، جاز لنا أن نأمل في حياة جديدة فيها الخير كل الخير للناس أجمعين، وعندنا من أهل الخبرة والاعتدال من يؤكدون ذلك، وقد أعلنوا رأيهم مراراً وتكراراً، وهو أن الفارق بين القوانين القائمة والأخرى التي يُطالب بها الآخرون قليل، وأن الاجتهاد كفيل بالتوفيق بين الثوابت والمتغيرات. وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا نقف عند حد المناقشة ولا نتجاوزه إلى حيز التنفيذ؟ لماذا لا نخرج من جو القتامة والشك إلى نور النهار السافر المؤيد بالمصلحة العامة وحقوق الإنسان والوحدة الوطنية؟
16/6/1988
٭ نماذج من مقالات محفوظ في «الأهرام»، وتعكس سلسلة آرائه السياسية والاجتماعية والاخلاقية؛ كما تسلط الضوء على موقفه الضمني، الغائم أو الملتبس، من النظام الحاكم.
فلوبير العرب
حلّت، يوم 31 آب/أغسطس الماضي، الذكرى الثامنة لرحيل الأديب المصري الكبير (1911 ـ 2006)، في غمرة احتفاءات غلبت عليها، كالعادة، مشاعر التكريم والتبجيل؛ التي يستحقها الراحل، لا ريب، وإنْ كانت مصر الراهنة ـ وربما العالم العربي بأسره، في ضوء الانتفاضات الشعبية ـ أدعى إلى تشجيع قراءات نقدية أخرى، أكثر عمقاً ونزاهة وموضوعية، في موروث محفوظ الإجمالي، بما في ذلك تأثيراته السياسية.
ولعلّ من الخير، هنا، استعادة موقف أحد كبار نقّاد الرواية في القرن العشرين، إدوارد سعيد (1935 ـ 2003)؛ الذي اعتبر أنّ محفوظ هو غوستاف فلوبير العرب (وليس أونوريه دو بلزاك المدينة العربية، كما ذهب ويذهب الكثير من النقّاد في الغرب)، بسبب هذا الميدان الطبيعي الشاسع الواسع الفسيح لعوالمه الروائية، حيث المدينة ليست محض مشهد مدني عمراني، فحسب؛ بل هي مراراً مجاز كوني، يحدث كذلك أنه واقعي طبيعيّ ومادّي للغاية في معظم طبقاته. لكنّ سعيد، في مقالته “ما بعد محفوظ”، 1988، وهي للأسف ـ وفي حدود ما أعلم ـ المادّة اليتيمة المكرّسة جزئياً لمحفوظ، وضع الروائي الراحل في مصافّ كبار روائيي الغرب، من أمثال فكتور هيغو، إميل زولا، شارلز دكنز، جون غالزورذي، توماس مان، وجول رومان.
وتلك مقارنات أقامها سعيد على خلفيتين: الأولى لغوية ـ سوسيولوجية تخصّ المكانة الروحية الخاصة للغة العربية (بوصفها لغة القرآن الكريم) ولغة مقاومة إزاء الاستعمار والإمبريالية (كما في مثال الجزائر والمغرب العربي عموماً)؛ والثانية أدبية، ذات صلة بحقيقة أنّ الرواية شكل حديث العهد في الأدب العربي، وبالتالي فإنّ أعمال محفوظ قامت بما يشبه حرق المراحل في تطوير هذا النوع الكتابي. ومصر، في رأي سعيد، كانت الفيصل الحاسم في ترسيخ هذه السيرورة الثانية، لأنّ تاريخها كان تعددياً على نحو لا نظير له (إنها، حسب ترتيب سعيد: فرعونية، عربية، مسلمة، هللينية، أوروبية، مسيحية، يهودية، الخ…)؛ ولأنّ المجتمع المدنيّ فيها لم يُسحق تماماً أو يضمحلّ، رغم كلّ ما عرفته من حروب وثورات واضطرابات اجتماعية وسياسية ودينية عارمة.
الجانب الثاني، النظير تماماً، في تثمين سعيد لفنّ محفوظ كان هذا السؤال المشروع، الأقرب إلى خلاصة منطقية، أو حتى حسابية: ولكن… ماذا بعد محفوظ؟ صحيح أنّ الرواية العربية قدّمت نماذج عديدة مضيئة (في هذا الصدد توقف سعيد، على نحو خاصّ، عند أعمال جمال الغيطاني والياس خوري)؛ ولكن هل تُلقي هذه الأعمال تحية الوداع، المحتومة ولكن الطافحة بكلّ الاحترام وعميق التقدير، على أعمال محفوظ؟
إجابة سعيد كانت تقول: نعم، وإجابة محفوظ كانت تكتنز: لا… لا، كبيرة مدوّية مذهلة، عكستها عشرات الأعمال التي أصدرها الراحل قبل مقالة سعيد، وبعدها بسنوات عديدة أيضاً.
نجيب محفوظ