هيرمان هيسه وأنباء الكواكب الأخرى: «قلب إلتهمه طائر بري»

حجم الخط
0

 

في كتاب هيرمان هيسه «الحكايات الخرافية»، بترجمة شيقة من أسامة أسبر، ثمة حكاية تناسب حقا هذه المرحلة التي وصلت إليها البشرية منذ بداية تعرف الإنسان «البدائي» على كيفية صنع السلاح لقتل إنسان آخر لأي سبب كان – على الأقل البدائي كان يقتل لغرض الدفاع أو الغذاء أما المعاصر فلديه شهوة القتل للقتل – وهي مرحلة أطول بكثير مما يتخيله الإنسان نفسه، لدرجة أنه لا يمكن قياسها بالأزمنة الماضية والراهنة، بل وليس مبالغة بالأزمنة الضوئية، لطول سواديتها البشعة.
أخذت هذه المرحلة في توصيفها الأخير، أعني الحرب، عمرا أطول من مرحلة إنتقال البشرية من السحر إلى الدين إلى العلم، وهي المراحل التي صنفها صاحب كتاب «الغصن الذهبي»، سير جيمس فريزر، الذي نستعير منه هذه المراحل، والتي رافقها السلاح بكافة تمثلاته، والقتل المجاني، والأضاحي البشرية على الدوام، باعتبارها طقوساً للآلهة أو لإله مطلق، عبر خيط طويل من الدم يدافع عنه عميان كثر، بالعبارة الأكثر خواء وغرابة، وهي أن الصراع «جوهر» الحياة، والحروب قمة هذا الجوهر المخزي، رغم أنها في (جوهرها) تعدٍّ على أرواح وأراضي الغير، بحثا عن المزيد من الموارد في حين ان جوهر الكون هو التناغم ببساطة، كما ستضيئه لنا حكاية هرمان هيسه الخرافية، «أنباء غريبة من كوكب آخر».
تحل بكوكب ما كارثة زلزال، ولم يعد يشغل بال الناس سوى الحاجة الماسة إلى زهور كطقس لدفن الموتى لأن: «كل من يدفن دون تقدمة من الأزهار لا يمكن أن يولد من جديد بالطريقة التي يرغب بها قلبه، وكل من يدفن موتاه دون أن يحتفل بتقدمة الزهور سيواصل رؤية ظلالهم في أحلامه». وحين يذهب بطل القصة، الذي تبرع بالنيابة عن الكوكب المنكوب لإحضار زهور للموتى من كوكب آخر، يصادف في طريقه طائراً أسود كبيراً لم ير مثله من قبل، يحط على أطلال معبد به حجر أسود كمذبح للأضاحي، وعليه رمز غامض لإله على هيئة «قلب إلتهمه طائر بري»، فينبئه بأن «هناك ما هو أسوأ» وأشد إيلاما من شرور الزلازل والبراكين التي حدثت في كوكبه، وأنه مستعد أن يأخذه إلى ملك الكوكب. وحين يوصله، يتركه وحيدا أمام كارثة لا تصدق، سببت موت الجميع في هذا الكوكب، ويحاول أن يفهم سبب كل هذا الحطام ونتانة الجثث والدم الذي يسيل في جميع الجهات، حين يصادف وهو في طريقه إلى الملك إنسانا حيا بين ركام الكارثة، مزارعا دميم الخلقة مشوه الروح:
«واجهت الغريب صعوبة في فهم ما يجري من الأمور المروعة والمريعة وحين كرر سؤاله قال المزارع: «ألم تر هذا من قبل؟ هذه حرب، هذه ساحة معركة وحين نظر الغريب في عينيه المظلمتين بتعاطف عميق خفضهما المزارع ونظر إلى الأرض»؟.
يترك صاحبنا المزارع ويصل إلى خيمة الملك ويسأله عن كل هذا الخراب، فما كان من الملك، الذي يبدو أنه ملك دون رعية بعد أن أبادت الحرب رعيته – يذكرنا بالملك الذي صادفه الأمير الصغير في رواية انطوان دو سانت اكزوبيري – إلا أن برر الحرب ببساطة مقيتة: «أنت طفل وثمة أمور لا تقدر على فهمها، الحرب ليست خطأ أحد، تحدث بنفسها كالرعد والبرق. جميعنا الذين يجب أن يخوضوا الحروب ليسوا مجرمين. نحن ضحاياها وحسب». فيرد عليه الشاب: «إذن يجب ان تموتوا بسهولة بالغة، ففي بلادي لا يُخشى من الموت والجميع يذهبون بمشيئتهم إلى موتهم، كثيرون يقتربون من تحولهم بمتعة، ولكن لن يجرؤ أحد مطلقا على قتل إنسان آخر. إن الأمور مختلفة على كوكبنا». ويستمر الحوار مع الملك، ولكن بدا لرسول الزهور أنه «من المؤلم والقاسي كثيرا ان يتابع طرح الأسئلة على الملك، ويجبره على تقديم أجوبة وإعترافات لا يمكن أن تكون إلا مذلة ومؤلمة له. حزن على هؤلاء الناس الذين عاشوا في كآبة وهلع من الموت وبرغم ذلك قتل بعضهم بعضا في جماعات، هؤلاء القوم الذين إرتدت وجوههم ملامح خسيسة وفظة والتي تحمل تعبيرات من الحزن العميق والمريع كوجه الملك بدوا له كأنهم مميزون – تقريبا تافهون وحمقى بطريقة مزعجة ومعيبة».
تحفل الحكاية بأسئلة وجودية بطريقة شاعرية مريعة عن معنى الحرب والعنف والخراب الذي لازم الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض. وتحفل بقية الحكايات الخرافيه في الكتاب بأسئلة مماثلة عن المعاني الإنسانية الكبيرة، كالموت والحب والشعر وما شابها من هموم إنسانية عبر أسئلة لا إجابات لها إلا ربما في عمق الإنسان ذاته. لكن هيسه حين يقفل الحكاية لا يغفل أن يفتح بصيص أمل، اذ يعود بطل الحكاية محملا بزهور الموتى إلى قريته بعد ان اختلط عليه الحلم / الكابوس بالواقع في رحلته إلى ذلك الكوكب العجيب، فيشكي إلى كبير القوم همه وألم رحلته وحزنه، و»تلك الريح الباردة من ذلك الكوكب الآخر التي تتابع هبوبها علي في منتصف سعادة حياتي»، فيجيبه بما يشبه العبرة من هذه الحكاية الخرافية التي أراد هيسه أن يوصلها إلينا، وأعتذر للقارىء على الإقتباسات العديدة:
«عد إلى الجبال غدا وإذهب إلى المكان الذي عثرت فيه على المعبد. إن رمز ذاك الإله يبدو غريبا بالنسبة إلي، ذلك أنني لم اسمع به من قبل مطلقا. يمكن أن يكون إلها من كوكب آخر أو من المحتمل أن المعبد وإلهه قديمان جدا وينتميان إلى مرحلة أسلافنا الأوائل، إلى تلك الأيام حيث كان من المفترض وجود أسلحة وخوف وهلع من الموت بيننا، إذهب إلى المعبد يا فتاي العزيز وخذ زهورا وعسلا وأغنية».
وختاما، ومن قبيل تهكمه وسخريته المريرة، إفترض هيسه في الحكاية أن الزلزال حدث في «كوكبنا الجميل» أي الأرض، أما الحرب فحدثت في كوكب آخر، وهذه وحدها حكاية خرافية حقا حين يحلم إنسان مثل هيسه بكوكب بلا حروب، وكأن الأوبئة والكوارث الطبيعية لا تكفي لفناء البشرية في قادم الأزمان لتنتقم من الإنسان الذي شعر بالزهو منذ سيطرته على الطبيعه وتجاهل «التناغم الكلي» معها. وبدلا من أن تنتقل البشرية إلى طور آخر بلا حروب، ها هي تواصل حماقاتها الكبرى ولا تتعلم الدرس، لاغم أنه درس في منتهى البساطة: أن بذرة الموت فينا منذ الولادة، فدعونا نموت بطريقة أخرى غير الحروب، فهذا في منتهى الإنحطاط الأخلاقي، ويا له من إنحطاط مريع!.

٭ كاتب عُماني

عبد الله عبديغوث

إشترك في قائمتنا البريدية