قبل أن تكون غزّة حاضنة تواريخ ضاربة في أقدم العصور، وشاهدة حضارات كبرى سادت ثمّ بادت، وميدان تطاحن قوى كبرى في الأحقاب العتيقة والراهنة على حدّ سواء؛ وقبل أن تصبح مهد الشهداء، لأنها كابوس دائم يقضّ مضجع إسرائيل، وساحة صراعات فلسطينية ـ فلسطينية، وكاشفة وسائل إعلام عالمية مستقيلة من الضمير المهني والأخلاقي، وفاضحة أنظمة عربية تابعة… قبل هذا، وسواه، تظلّ غزّة بنت الحياة، حيثما وكيفما تعددت أنساق الحياة، في الأدب والغناء والتاريخ والمطبخ. هنا نماذج من تجليات حضورها الإنساني البهيّ.
قصص غزّة: سرديات حياة ومقاومة
«غزّة تردّ الكتابة»، أو بالأحرى تقاوم عن طريق الكتابة، هذه هي روحية المجموعة التي ضمّت 23 قصة قصيرة، كتبتها باللغة الإنكليزية 13 قاصة شابة، وثلاثة ذكور فقط، وقام بتحريرها رفعت العرعير، المحاضر في الجامعة الإسلامية.
وهؤلاء الكتّاب أبناء جيل ذاق مرارات كثيرة تحت وطأة الحصار الإسرائيلي، وتجاربهم الحياتية صاغت رؤاهم الأدبية إجمالاً، كما جعلت سلسلة الحروب الإسرائيلية ضدّ القطاع بمثابة عامل صقل دائم لأساليبهم في السرد والتعبير. وهم يرون أنّ هذه القصص تستجمع ذاكرة فلسطينة مقاوِمة، وتقترح على العالم سرديات صمود وبقاء، فضلاً عن تفصيل يوميات العيش ومفردات الوجود. «كلماتهم تأخذنا إلى بيوت وقلوب الأمهات، والآباء، والأطفال، والطلاب، والشيوخ… الذين يصارعون يومياً من أجل الكرامة، والتكاتف الوطني، وحيازة المعنى، في واحد من أكثر التجمعات البشرية عرضة للحرب والعدوان»، يقول الناشر في توصيف المجموعة القصصية.
وهذه، عيانياً، أفعال مقاومة يومية تلتمس الحضور الإنساني والتحدّي المفتوح، قبل أن تكون قصصاً قصيرة تتقرى الأدب. ولهذا فإنها تتصف بمرونة إبداعية عالية، هي أيضاً صفة ثقافة تتعرّض بدورها لعدوان دائم يستهدف إسكاتها وإخراس طاقاتها. والقصص تنفخ الحياة في قضايا واقعية عن أناس غزّة، وترسم لهم وجوهاً حقيقية، وترصد مشاعر حنينهم إلى السلام والطمأنينة والاستقرار، وتتعقب أفراحهم أو أتراحهم؛ كما أنها، استطراداً، تستدرج القارىء إلى مشاركة مكثفة في تلك المصائر المتقاطعة، الفردية أو الجماعية، التي تلتقطها موضوعات القصص.
Gaza Writes Back: Short Stories from Young Writers in Gaza
by Refaat Alareer, Editor
Just World Books, Charlottesville 2014
208 pages
الميجانا وبصمة الذاكرة
أسوة بشعوب الأرض كافة، طوّر الشعب الفلسطيني هويته على امتداد آلاف السنين، من جيل إلى جيل، واختزن في ذاكرته الجمعية ثقافة مدهشة حافلة بالألوان، تسجّل بدقة البيان ملاحم إنسانية فيها من البساطة قدر ما فيها من التعقيد والغنى. هذا ما تقوله كلمة الناشر، في التعريف بكتاب ضمّ عدداً كبيراً ومتنوعاً من الأغاني الشعبية الفلسطينية، قام بجمعها وتوثيقها مركز معلومات وإعلام المرأة الفلسطينية في قطاع غزّة، عام 2010، ضمن مشروع ثقافي يهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ على التراث الفلسطيني.
وهذه الأغاني هي نتاج مئات المقابلات الشخصية، مع نساء ورجال في مختلف مناطق القطاع، وخاصة كبار السنّ، ومراجعة سائر الإصدارات التي اهتمت بموضوع التراث الفلسطيني. موضوعاتها تتناول تنويعات الفرح والحزن، حكايا العشق وحكايا الجدّات، المناسبات العامة والاحتفالات الخاصة، الأرض والعمل والعبادة، الأعراس والمراثي، الأغاني الوطنية والأغاني العاطفية… وأمّا الألوان، فإنها تتنوّع بين الدلعونا والعتابا والميجانا والمشعل، وتشمل الدبكة والرقصة والأهزوجة…
«شعب غنّى لكل فعل ولكلّ وجه من أوجه حياته، غنّى للأرض فيما كان يزرع ويحرث ويحصد. غنّى للمطر المرتجى، غنّى للزيت زاده ووقوده، وغنّى للزيتونة المباركة، ولكسرة الخبز الشحيحة، غنّى لأمجاده وأسلافه، لكرمهم ولشجاعتهم ولنبل أصولهم، غنّى للمرأة فمجّد حسنها وكمالها ومهاراتها، غنّى مراراته وعذاباته وغنّى أفراحه فكانت أغانيه صورة صوتية ملحّنة لأحاسيسه، وبصمة محفورة في الذاكرة لانفعالاته، وصارت مع تقدّم الزمن جزءاً أصيلاً من الهوية الضاربة في عمق الأرض وعمق التاريخ»؛ يتابع الناشر.
«الأغاني الشعبية الفلسطينية»
إشراف وتقديم: هدى حمودة
المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عمّان 2012
185 ص
المطبخ الغزاوي: حصن ضدّ اليأس
«مطبخ غزّة» كتاب غنيّ بالصور، يستعرض المطبخ المتميز وتراث الطعام الذي ساد في منطقة غزّة قبل 1948، وكذلك الإضافات التي حملها لاجئون كثر وفدوا من مختلف أنحاء فلسطين، واضطروا إلى البقاء في القطاع. وفي صيف 2010 جالت ليلى الحداد وماغي شميت، مؤلفتا الكتاب، في غزّة المدينة وأطرافها وبلداتها، وجمعتا 130 وصفة طبخ شكّلت محتوى الكتاب، بعد تجريبها مطبخياً، وتصويرها على نحو يساعد القارىء في إعدادها بسهولة وإتقان. كذلك اقترحت المؤلفتان بدائل عن المكوّنات المعتمدة في الوصفات، وذلك لخدمة البلدان التي لا تتوفر فيها الموادّ المطلوبة ذاتها.
لكنّ «مطبخ غزّة» ليس كتاب طبخ فقط، لأنّ الكثير من الأمور تحدث في المطبخ، بالإضافة إلى عملية الطبخ ذاتها: تجاذب أطراف الحديث، إعادة سرد حكايات العائلة وتواريخها، واستعراض الدراما اليومية للعيش تحت الحصار، واستنباط أساليب انتزاع الحقّ في مباهج الحياة رغم كلّ التضييق والضنك. وفي هذا الكتاب، ثمة نساء ورجال يروون قصصهم وهم يطبخون، أو يزرعون، أو يمارسون اقتصاديات الغذاء، أو تأخذهم السياسة بعيداً عن المطبخ…
وفي تفسير اختيارهما هذا الطراز من التأليف، تقول الحداد وشميت: «لأنّ الطعام هو جوهر الحياة اليومية. وما بعد الخطابات كلها، والمواقف والجدالات، هنالك المطبخ. وحتى في غزّة، قطاع الأرض الأكثر خضوعاً للتعذيب، فإنّ مئات الآلاف من النساء يجدن وسائل لإطعام العائلات والأصدقاء، بغذاء يشمل الروح والجسد معاً. إنهنّ يجعلن المطبخ معقلاً ضدّ اليأس، ويحوّلن الضرورة إلى متعة وكرامة».
The Gaza Kitchen: A Palestinian Culinary Journey
by Laila El-Haddad & Maggie Schmitt
Just World Books, Charlottesville 2013
140pages
معترك التواريخ
رغم ضيق مساحتها، في حدود 140 ميلاً مربعاً، فإنّ قطاع غزّة ظلّ بقعة ساخنة لنزاعات مريرة بين قوى تحاربت فيه على مدى آلاف السنين، من المصريين القدامى إلى الإمبراطورية البريطانية. وغزّة، المنحصرة بين صحراء النقب وصحراء سيناء من جهة، والبحر الأبيض المتوسط من جهة ثانية، شهدت صراعات الفراعنة، والفرس، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، والعرب، والفاطميين، والمماليك، والصليبيين، والعثمانيين. ثمّ، في سنة 1948، توافد على القطاع أكثر من 200 ألف لاجىء؛ وهنا، كما يرى جان ـ بيير فيليو، مؤلف كتاب «تاريخ غزّة»، ولدت القومية الفلسطينية، واستطالت إلى حلم بدولة مستقلة، وتلك رحلة حافلة بالمشقة والعذاب.
ورغم حجمه الصغير، فإنّ كتاب فيليو هو أوّل تاريخ كامل للقطاع في أية لغة. إنه يبدأ من الهكسوس في القرن الثامن عشر، ويصطحب القارىء في عصور متعاقبة، وصراعات دارت بين أمم منتمية إلى المنطقة، وأخرى وافدة إليها، لينتهي إلى ما يخبئه المستقبل: غزّة في قلب التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر، سواء من حيث مجابهة الحروب الإسرائيلية ضدّها، وفرض الحصار عليها؛ أم من حيث الصراعات الفلسطينية ـ الفلسطينية، بين «فتح» و»حماس»؛ فضلاً عن الاستقطابات العربية، والإقليمية، في قلب هذه المعادلات.
Histoire de Gaza
by Jean-Pierre Filiu
Fayard, Paris 2012
460 pages