■ كلمة عزت ابراهيم الاخيرة تضمنت لغة غير مسبوقة في أدبيات البعث، الإشادة بتنظيم «القاعدة» والدولة الاسلامية بالاسم، والإقرار بالدور الريادي للفصائل الاسلامية المسلحة .
ولو عدنا اياما قليلة لوجدنا ان مفردات البعث العراقي في وصف الدولة الاسلامية كانت تتراوح ما بين الحركة الارهابية المتطرفة التكفيرية وبين انها متواطئة مع ايران والمالكي لتشويه الثورة .
انه تحول نحو مصالحة فرضها واقع الصراع في العراق بين البعث العراقي والتيار الاسلامي الجهادي، الذي طالما كان قادته ملاحقين امنيا من نظام صدام، قبل ان تصبح الحاضنة السنية لهذا التيار الاسلامي هي الوحيدة التي حمت البعثيين والعسكريين، بعد سقوط النظام في العراق.
كما انه اعتراف لحقيقة طالما حاول البعثيون في للعراق إنكارها وهي، تضاؤل دورهم الاجتماعي والعسكري في العراق لصالح التيارات الاسلامية السنية والشيعية حتى قبل سقوط بغداد، فالفاعلون في العراق اليوم هم خصوم البعثيين العراقيين التاريخيين من الطرفين، الدعوة الشيعي الذي كان حزبا محظورا، والتيارات الجهادية السلفية التي كانت ملاحقة ولو بدرجة اقل تحت مسمى «الوهابية» .
يبرز اليوم تيار تجديدي من البعثيين معظمهم قيادات شابة داخل المناطق السنية يدفعون باتجاه هذه الصبغة الجديدة المتصالحة والمتحالفة مع الاسلاميين السنة، بينما ينظر بعض البعثيين الشيعة بغضب لهذا التقارب كون بعثيتهم مبنية في احد أركانها على الحساسية البالغة من الاسلام السياسي السني، وقد هاجم احد الأصدقاء من البعثيين الشيعة خطاب الدوري بعنف، وتبرأ صراحة من قيادته لانه تحول لـ»بعث داعشي»،
هذا التحسس البالغ لدى البعثيين الشيعة من التقارب مع التيارات الجهادية ليس موجودا عند معظم البعثيين السنة، فهم يعرفون ايضا ان كثيرا من البعثيين والعسكريين في مناطق الجنوب انضموا لأحزاب طائفية شيعية، بل ان قادة الجيش العراقي الحالي الموالين للمالكي هم شيعة كانوا ضباطا وبعثيين سابقين.
أتذكر قياديا وسطياً في الحزب من جنوب العراق كان من اشد المنظرين لفكر البعث وكان شديد التحسس من الاسلاميين، وقبل سقوط بغداد بسنوات وعندما كنت اتحدث معه ان رصيد الاسلاميين في الشارع يزداد وان الترهل بات مستشريا في الحزب وظاهرة التكارتة (من تكريت) صارت طاغية، لم يكن يجيبني الا بمقطوعات من كتاب «في سبيل البعث» لميشيل عفلق، ويقول لي اقرأ ما سأكتبه غدا في جريدة «الثورة»، وبعد سقوط بغداد بأسابيع وجدت له عمودا ثابتا في جريدة لحزب الدعوة الشيعي وباسمه الصريح ولا داعي لاذكر مضمون المقال ..
ان ما فعله الدوري وجيش النقشبندية هو تأكيد لسنية بعث العراق مقابل علوية بعث سوريا. وهو اقرار بتلاشي فكرة البعث القومية العلمانية امام «الانتماءات العميقة» لمجتمعاتنا الطائفية العقائدية في المشرق العربي.
وعندما كنا نتحدث عن ذلك منذ سنوات سقوط بغداد كانت حالة «الانكار» من بعض قيادات البعث تسيطر على ذهنيتهم لتعطل اي محاولة من بعض القيادات الشجاعة لإجراء مراجعات جريئة حقيقية في فكر وخطاب البعث، في محاولة لإبقائه حيا وسط المتغيرات .
ما حدث اليوم للبعث كان مؤشرا وبوضوح منذ سقوط بغداد وحتى ما قبل السقوط بسنوات، من قبل بعض القيادات التي كانت تدرك المآلات، لكن قدرتها على التغيير محدودة، بعد سقوط بغداد بايام بحثت عن الدكتور الياس فرح الناطق باسم القيادة قومية لحزب البعث وأحد رفاق ميشيل عفلق مؤسس البعث، لاجده لاجئا في كنيسة بحي 52 ببغداد قرب الجامعة التكنولوجية، وبعد ترتيبات امنية مشددة من الكنيسة استطعت اللقاء به، كان الدكتور الياس، وهو قامة فكرية قومية فريدة، يشعر بألم بالغ من سقوط النظام ويعيش حذرا امنيا بعد انتشار الميليشيات الشيعية التي اخذت تغتال البعثيين، وقريبا منه زمانيا ومكانيا اغتيل الفنان الكبير داوود القيسي برصاصة في رأسه وامام باب بيته.
تحدث الدكتور الياس بصعوبة عن اسباب انهيار الحزب والدولة، وكان وقتها مريضا.. تخرج الكلمات منه بصعوبة، ولكن باعتقادي ان ما كان يؤلمه اكثر هو انه لم يجد سوى الكنيسة ليلتجأ اليها، وهو مفكر حزب البعث الذي كان يحكم العراق بأكمله بمئات المقرات والمعسكرات الحصينة للحزب والدولة والجيش واجهزة الأمن. بعدها بايام.. التجأ قائد البعث عزت ابراهيم الى تكية نقشبدنية.. رفاقه الصوفية وفروا له الحماية هو الاخر.. مستفيدا من علاقاته القديمة بهم، رغم ارتباطه الأقدم بالحزب والدولة، لكن الدوري بدا حاذقا وهو يؤمن لنفسه كيانا سيحميه يوما ما اكثر من بعض رفاق حزبه الذين لم يستطيعوا حماية انفسهم، رغم انهم امتلكوا مقدرات دولة كالعراق، كان للنقشبندية فيها مؤسسة او اثنتان لا أكثر، لكن النفوذ المجتمعي هو الاهم، حيث العصبيات التي تحمي الدول ومن دونها تسقط. ومن يعــــرف احـــمد ابن عزت الدوري، يعرف كيف انشأ الاب اولاده، لانه سيـــجده شــابا متدينا طيب الخلق، اسلامي الانتماء اكثر منه بعثي العقيدة، اما البعثيون الشيعة فمن بقى منهم بالجنوب التجأوا الى عشائرهم وحسينياتهم، حيث اولاد عمومتهم واقرباؤهم السادة يمنحون صكوك الغفران من «البعث الكافر».
تكية وحسينية، كنيسة وجامع، كم حارب فكر البعث هذه الرموز وحاول تهميش دورها لصالح مجتمع علماني، لكن قادة البعث لم يجدوا الحماية الا في ظلالها.
مجتمعاتنا ظلت بدائية الروابط، قبلية طائفية، وفشلت كل الافكار السياسية الحديثة في الحلول والإبدال.. ربما لان النسخة العربية من هذه الافكار القومية واليسارية وحتى الليبرالية كانت مبتورة الصلة بالتاريخ وعلى عداء مفرط مع الهوية الدينية العميقة لشعوبنا. قد ينظر البعض الى فكرة البعث كتجربة تعايش حاولت جمع العرب المشرقيين باختلاف انتماءاتهم العقائدية، لكن البعض استخدمه كقناع ليس اكثر لإخفاء «نوازع الهوية الكامنة»، ولتحييد عصبيات فرعية من دون جدوى،، فلم يتخلصوا منها، وظلت تسكنهم الى ان عادت للظهور لتفشل التجربة ويسقط القناع ويسقط معه مئات الاف من القتلى في سوريا والعراق.
٭ كاتب فلسطيني
وائل عصام