.. وماذا عن كركوك؟

حجم الخط
5

 

يجوز للتقديرات أن تتباين، في قليل أو كثير، حول خفايا ما يجري في العراق اليوم؛ وما إذا كان الحراك العسكري يقتصر على «داعش»، أم هذه ضمن تحالفات أخرى محلية، عشائرية ونقشبندية، سنّية غالباً؛ أم أنّ الجوهر يشير إلى انتفاضة شعبية واسعة النطاق، متعددة القوى والمطالب؛ أم، أخيراً، أنها جزء من تخطيط خبيث يستهدف، في نهاية المطاف، خدمة نوري المالكي، وإلهاء العراقيين عن تحالفاته السياسية الهشة، وعن حكومته الغارقة في الأزمات.
ما لا يجوز، ولا يبيحه المنطق البسيط، هو تجاهل الحقائق الصلبة على الأرض، وخاصة تلك التي لا تقتضي إبداء هذا التقدير أو ذاك، بقدر ما تفرض تفحّص المعطيات ذاتها، بأناة وتدقيق، وضمن حدود كافية من القراءة الموضوعية. كركوك ـ في هذا الشرط العسكري والسياسي المتفجر، والآن إذْ تقترب الاعمال العسكرية من تخومها، بل تتوغل في ضواحيها وأطرافها ـ هي بين أبرز تلك الحقائق. فهذه المدينة تعتبر «أورشليم الأكراد»، لأنهم استوطنوها منذ آلاف السنين، وشهدت الكثير من فصول تاريخهم القديم والوسيط والحديث، والعاصمة (شبه الحتمية، بحكم الجغرافيا والتاريخ والثروات…) لأية دولة كردية مستقلة قادمة.
إلى هذا أو ذاك من الأسباب، تُضاف حقيقة اقتصادية كبرى: أنّ منطقة كركوك هي أقدم مواقع استخراج النفط العراقي، وأغزرها؛ ويعلم الجميع اليوم أنّ احتياطيها يبلغ 10 مليارات برميل، على الأقل. وليس مستبعداً، بالتالي، أن ينخرط الأكراد أنفسهم في اقتتال داخلي من أجل السيطرة على المدينة وثرواتها النفطية الهائلة. ومن المعروف أنّ أيّ طور من الوئام بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، «الحزب الديمقراطي الكردستاني» و»الاتحاد الوطني الكردستاني»، يخفي خلافات حادّة وجوهرية دفعتهما في الماضي إلى مواجهات مسلحة دامية، أسفرت عن الكثير من الخسائر البشرية والخراب المادي.
غير أنّ ملفّ كركوك لا ينتهي هنا في الواقع، لأنّ تركيا طامعة بدورها في ثروات المنطقة، خاصة وأنها تعتبرها أبرز الخطوط الحمر التي لا تسمح للأكراد بتجاوزها. والأتراك لهم ذرائعهم التاريخية والثقافية التي تجعلهم يبررون أطماعهم في المنطقة، لأنّ كركوك تضمّ أكثر من 350 ألف تركماني (أنقرة تتحدّث عن مليون!)، يعودون في أصولهم إلى الأرومة التركية ذاتها، بل ويعتبرون كركوك عاصمتهم التاريخية أيضاً! وفي كلّ حال، إذا كانت تركيا لا توافق أبداً على مبدأ قيام دولة كردية مستقلة في شمال العراق، فإنها بالتأكيد لن تسمح للكيان الكردي الحالي بحيازة أرض تحتوي على ثروات خرافية تجعل من الأكراد قوّة اقتصادية عظمى على صعيد إقليمي. كما أنها، من باب أولى، لن تسمح بوقوع المدينة تحت سيطرة تحالف يضمّ «داعش» أو سواها من التنظيمات الجهادية المتشددة.
والتاريخ يسجّل أنه، منذ سنوات، وحتى قبل سقوط نظام صدّام حسين، لم يكفّ زلماي خليل زاد (المندوب الأمريكي إلى مؤتمرات المعارضة العراقية، والذي سيصبح سفيراً لواشنطن في بغداد، بعد الاحتلال) عن التشديد، خاصة في حواراته مع الأكراد، على أنّ واشنطن لن تسمح للقوّات الكردية بأيّ تحرّك عسكري خارج مناطق السيطرة الحالية. ومن جانب ثانٍ، تمنى خليل زاد ألا يعرقل الأكراد الخطط العسكرية التي تتمّ بتنسيق أمريكي ـ تركي داخل الأراضي العراقية.
ونعرف ـ من تجارب الحروب كافّة، ومن حروب الولايات المتحدة خصوصاً وتحديداً ـ أنّ كسب الحرب لا يعني البتة كسب السلام: السلام بمعناه الأعرض المركّب، الذي يتجاوز وقف إطلاق النار وانتهاء الأعمال العسكرية، والذي لا يعني ما هو أقلّ من استثمار نتائج الحرب لصالح القوّة الظافرة، في المستويات الجيو ـ سياسية والاقتصادية في البدء، ثمّ في المستويات الأخرى التالية، المباشرة وغير المباشرة. وهكذا، على صعيد النفط والديموغرافيا والجيو ـ سياسة، فضلاً عن اعتبارات أخرى كثيرة، محلية وإقليمية؛ ليس غريباً أن تبدو كركوك، اليوم، بمثابة نقطة الأوج، في تشييع كامل مشروع الاحتلال الأمريكي للعراق، إلى… مزبلة التاريخ!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية