تصعب قراءة ما يجري حالياً في العراق على ضوء «منجزات» رئيس وزرائه المنتهية ولايته نوري المالكي وحدها، رغم طول القائمة الكارثية لهذه الأعمال وأثرها الفظيع على شعبه وعلى المنطقة ككل.
لكن التذكير بأهمها لا يضرّ وهو: جعل العراق، وهو البلد الغنيّ اقتصاداً وثقافة وحضارة، واحداً من أكثر البلدان فساداً وتخلّفا وتراجعاً على كافة الأصعدة.
لتأمين «خطف» البلد «الى الخلف» (في استعارة للمصطلح السينمائي) كان على المالكي أولاً تجميع الصلاحيات العسكرية بين يديه، وتكييف الأجهزة الأمنية لتكون طوع إشارته، وافساد وتطويع مؤسستي البرلمان والقضاء، ليستخدم كل صلاحياته الواسعة هذه في إعادة تكرير الاستبداد العراقيّ المزمن، ولكن بالانتخابات، التي نشهد الكثير منها في المنطقة العربية حالياً!
كان حلّ الجيش العراقي وتصفية الكثير من كوادره العلمية الذي يحسب للاحتلال الأمريكي والاستخبارات الإيرانية والإسرائيلية، الخطوة المنهجية الأولى لإعادة تفكيك العراق وإعادة قولبته، وجاء بعده قانون «اجتثاث البعث» ليكمل مطاردة كوادر الدولة السابقة وأيّ خصم سياسي محتمل، ومع مجيء المالكي اكتملت مركزة الاستبداد والتدمير المنهجي لأسس المواطنة بتدعيم انفصال العراقيين إلى شيعة وسنة وأكراد وتأكيد قانون الغلبة على الجميع.
لكن وزن الاضطهاد الأكبر وقع على المكوّن السنّي الذي تعرّض لإقصاء مبرمج فتح الباب واسعاً أمام التنظيمات الراديكالية السنية المتطرّفة، فأعطى بذلك دينامية كبيرة أحيت سرديّات النزاع القديمة جداً بين السنّة والشيعة، فتحوّلت الصراعات السياسية التي أدواتها الأحزاب والنضالات المدنية والنقابية والاعتصامات والتظاهرات الى خلافات دموية لا يمكن حلّها حول علي وعمر وأبو بكر وعثمان وعائشة وفاطمة، وهو ما أعطى حقنة إنعاش أيضاً لكل أشكال النزاعات في التراث الإسلامي التي مادتها صراعات السنة والشيعة والدروز والنصيريين والزيديين والأباضيين، خالقة جوّاً محموماً من التعصّب الأعمى، أججته مطامح إيران الإقليمية ودعم ميليشياتها من حوثيين وحزب الله ولواء أبو الفضل العباس وعصائب أهل الحق والحرس الثوري وغيرها، وكذلك فضائيات السلفيّة الطائفية المقابلة، فانتعشت تنظيمات «جبهة النصرة» و»داعش» و»أنصار الشريعة» و»الشباب»، وهو ما خلق مشهداً مرعباً في كل المنطقة العربية وجوارها.
جاءت الثورة السورية عام 2011 لتعطي أملاً كبيراً للعراقيين بإمكانية كسر الطوق الإيراني الممتد من طهران الى بغداد ودمشق وبيروت، وحاولت بعض المحافظات السنية استخدام طرق الاعتصام والتظاهر السلميّة، كما فعلت الشعوب العربية في غير مكان، فتضافر القمع الأمنيّ مع انعدام التعاطف الشيعي والكرديّ ليقضي على أمل سنّة العراق بإمكانيات العمل السلمي ويشككهم بالهوية الوطنية العراقية أيضاً.
وكما تأثر العراقيون بالثورة السورية، تأثر السوريون بالصيرورة العراقية، فتجادلت التحوّلات التي طرأت على بلاد الشام، من عسكرة وتطييف وتجذّر وتطرّف، مع استعارة خبرات الحركات الراديكالية في العراق، وكان اكتمال ذلك في ابتداع ما سمي «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي اعتبرها النظام السوري هديّة من السماء لضرب الأسس المدنية والديمقراطية للثورة السورية واستخدامها فزّاعة للدول الغربية تسمح بتعويمه وإعادة تأهيله عالمياً.
وفي المقابل استعار النظام العراقي تكتيكات النظام السوري فتداول الإعلام قصص هروب المئات من أفراد تنظيم «القاعدة» من السجون العراقية، وغيرها من قصص عن هروب حاميات عسكرية وأمنية (كان آخرها هروب الجيش العراقي في الموصل) لاستدراج التنظيم لاحتلال المدن السنّية، ومن ثم محاصرتها واستهداف حاضنتها الاجتماعية بالبراميل المتفجرة والقصف المدفعي وتحويلها الى كمّ اجتماعيّ بائس ومهمل يتلقّى معونات النزوح.
وبذلك تكتمل إنجازات نوري المالكي والأسد وتثبت نجاعتها، وتؤكد أهليتهما لحكم الشعبين للأبد، فالشعب العراقي الذي يعاني الأمرّين من فساد السلطة وتغوّلها وفشلها في تقديم أولويات الحياة الكريمة، من ماء وكهرباء وطرق وسكن وأمن، أعاد انتخاب رئيس وزرائه المزمن، كما فاز شريكه السوريّ في الاستبداد، بشار الأسد، أيضاً برغم مئات آلاف القتلى والرهائن والسجناء وملايين النازحين.
يجسد نموذجا المالكي والأسد في تفكيك وحدة وهويّة بلديهما للحفاظ على الكرسيّ نموذجاً متطرّفاً لكنّه لا يختلف كثيراً عن ممارسات أنظمة عربية وإقليمية، وهو أمر لا يبشّر، أبداً، بالخير لشعوب المنطقة.
يبقى أمر بسيط وحيد يجب تذكير المستبدين به: إذا لم تعامل البشر كآدميين فسيعودون إليك كوحوش، وسيلتهمونك فيما يلتهمون.
رأي القدس