احتفل العالم قبل بضعة أسابيع بيوم الكلب العالمي، لم أتوقف عند تلك المناسبة، ابتسمت فقط، لأنهم جعلوا للكلب يوما عالميا، وقلت لنفسي: جميل أن يكون هناك أناس أوفياء للكلاب مثل وفاء الكلاب للناس.
مررت بيوم الكلب العالمي دون وقوف عنده، إلا أن مهاجمة كلب شابا في أحد شوارع البلدة قبل أيام أعادني إلى هذه المناسبة، فقد مزق الكلب سروال الشاب ونهش فخذه، وهرعت سيارة إسعاف إلى المكان ونقلته إلى المستشفى للعلاج؛ لتجرى له فحوصات خشية أن يكون الكلب مصابا بداء الكلَب، وهو داء خطر نادرا ما يشفى منه المصاب.
الحمد لله، فقد اتضح أن الكلب ليس مكلوبا، والإصابة احتاجت إلى بضع قطب للحم الممزق، ويبدو أنها كانت لحظة شيطانية غضِب فيها الكلب لسبب غامض، وذلك أن الشاب الضحية قال وهو مندهش بأنه لم يتعرض للكلب ولا حتى بكلمة، وهو مستغرب من عدوانه العنيف، لم تكن سوى نظرة عابرة اتجاهه، وإذا بالكلب يتّخذ وقفة وموقفا هجوميّا، وخلال لحظات قفز عليه وراح ينهشه، ولم يتراجع الكلب إلا حين راح عدد من الشبان يركلونه ليبعدوه عن الضحية.
للوهلة الأولى يبدو الكلب محترما، فهو ليس من كلاب الشوارع السائبة، فقد كان نظيفا وحول عنقه حزام جلدي بني اللون، وواضح أن هناك من يهتم به، إلا أن صاحب الكلب تنكّر له، ولم يعترف بملكيته، متهرّبا من المسؤولية. وبعد انتشار الخبر جاءت الشرطة وموظف الصحة من المجلس المحلي، ثم حضر طبيب مختص، ونُقل الكلب إلى مأوى خاص بالكلاب في إحدى المستوطنات، مقابل مبلغ معلوم من الجهة التي تحضره، في هذه الحالة تعهد المجلس المحلي بالدفع، لقد كان الكلب محظوظا لأن حضور الشرطة أنقذه من مصير قاس، ففي حالات مشابهة قد يجري إحضار استدعاء من يطلق النار عليه ويقتله بشبهة أنه مريض بالكلَب.
في كل قضية اعتداء يجري التحقيق مع المتورطين فيها، ولكن المشكلة أننا لا نستطيع التحقيق مع كلب عن سبب ما قام به لإنسان لم يؤذه!
السؤال الذي خطر في بالي هو.. ما دام أن الكلب ليس مريضا، ولم يهاجمه الشاب أو يتعرض له، فلماذا بادر وهاجم ونهش لحم الشاب دون غيره؟
في كل قضية اعتداء يجري التحقيق مع المتورطين فيها، ولكن المشكلة أننا لا نستطيع التحقيق مع كلب عن سبب ما قام به لإنسان لم يؤذه!
لو كان الكلب ناطقا ربما كان قد كذب مثل بعض البشر، وزعم بأن الشاب ركله أو استفزّه بشتيمة لأخته، ولكن هناك شهود عيان قالوا بأن الشاب لم يفعل سوى أن نظر إلى الكلب نظرة عادية جدا.
ثمة احتمال بأن الكلب رأى فيه شخصا آخر أساء إليه في الساعات أو الأيام القليلة الماضية، فالتبس عليه شكله وهاجمه، لكن هذا خطأ في التشخيص، نعم قد يحدث لنا نحن البشر، هل تشابه «البني آدمين» على الكلب؟ لم لا؟! لو كان ناطقا ربما قال بلهجة واثقة: «هذا الشاب ركلني قبل أيام في الشارع العام». وهناك احتمال أن يعترف فيقول: «أنا آسف، لقد حسبته ذلك الشخص الذي ركلني بلا سبب قبل أيام، أرجو قبول اعتذاري».
وربما قال: «في الحقيقة ظننت أنه يريد بي شرّا، لقد كانت خطواته عدائية، ونظراته نارية، على أي حال أنا آسف».
كنت سأتقبل شهادة الكلب ومنطقه، إلا أن ما يثير القلق هو تكرار حوادث نهش كلاب لأطفال يعيشون معهم في البيت نفسه، وهذا حدث أكثر من مرة، وفي إحداها أدى لوفاة طفل، وعلل خبراء نفسيون ذلك بأن الكلاب تشعر بالغيرة الشديدة عندما تكون مركز اهتمام أسرة ما، وفجأة ومع قدوم وليد جديد في الأسرة يسرق منها الاهتمام، وهذا يسبب لبعضها غيرة شديدة تماما مثلما يحدث للأطفال الذين يقومون بتصرفات غريبة للفت الانتباه إليهم، فالكلاب تقوم بحركات غريبة غير اعتيادية، ولكن غيرتها قد تجعلها تهاجم الطفل الذي سَرق منها الدلال والمداعبات وتؤذيه.
عدوان الكلاب على الناس غير مقتصر على فئة عمرية معينة، أو على جنس، ففي حادثة سابقة هاجم كلبٌ عجوزا في الشارع ونهشه، وفي حادثة أخرى في حيفا قفز كلب على رجل سبب له سكتة قلبية وموتا من شدة الخوف والانفعال، ونهش أحد الكلاب صدر صاحبته، فماذا كان يا ترى وراء نهشته تلك لصدرها؟ إنها أسرار لا يدري بها سوى رب العالمين، وأصحابها.
قلت لنفسي..ربما أن الكلاب وبعد طول علاقة مع البشر عمرها عشرات آلاف السنين صارت تحمل حقدا بسبب ما تعرفه وتراه عنهم ومنهم، وخصوصا أولئك البشر الذين يعاملونها بإذلال ويستغلونها بصورة دائمة.
قبل بضع سنوات، شكا بعض السكان في مستوطنات جنوب حيفا من اختفاء كلاب من حول بيوتهم، وتبيّن أن عمالا تايلنديين استُجلبوا للعمل في بيارات الموز بدلا من العمال الفلسطينيين هم سبب اختفاء الكلاب، فقد كان هؤلاء يستدرجونها إلى المخازن الزراعية حيث إقامتهم، ثم يقتلونها بضربة مطرقة أو فأس على الرأس، ثم يسلخونها ويعالجونها ويأكلونها. إذن، أليس جائزا بأن لهذا الكلب قريبا أو صديقا قتلوه وأكلوه، فبات حاقدا على الجنس البشري كله، ويرى بهم وحوشا دون تمييز بين تايلندي وفلسطيني ويهودي أو عربي.
شخصيا، صرت أميل إلى فرضية بأن الكلاب أصبحت مثل البشر، أكثر عنفا مما كانت عليه في الماضي، فالبشر ينقلون عنفهم وتوتّرهم الدائم إلى الكلاب، ولا يمكن للكلاب أن تحافظ على أخلاقيات رفيعة وبرود أعصاب في محيط من التوتر والعنف. المشكلة تكمن في البشر وليس في الكلاب، وأظن أن عدوانية الكلاب سوف تزداد طرديا مع ازدياد عنف البشر.
منذ وعينا على هذه الدنيا ونحن نسمع ونردد المثل «كل كلب بييجي يومه»، والمقصود يوم حساب لأولئك المعتدين والباطشين والمحتلين والمجرمين، نسمعها ردا على زعيم خان الأمة، أو على قائد من قادة الاحتلال يتبجّح بجرائمه الاحتلالية، ولكن كلما مرت السنون والعقود يبتعد هذا اليوم الذي توعدنا الكلاب بمجيئة، بل إن الكلاب هي التي باتت تهدد وتقول: «كل بني آدم بييجي يومه».