60 يوماً جديداً لإيران وغزة وبينهما لبنان: ماذا في اليوم الـ61؟

رلى موفّق
حجم الخط
0

 كثيرة هي القراءات لما سترسو عليه المنطقة لمئة سنة مقبلة بعد التحولات الجيو-سياسية التي يعيشها الشرق الأوسط منذ عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 التي قامت بها حركة «حماس» ضد إسرائيل وصولاً إلى عملية «الأسد الصاعد» التي نفذتها إسرائيل ضد إيران في 13 حزيران/يونيو الماضي واستمرت 12 يوماً قبل إعلان الولايات المتحدة عن وقف لإطلاق النار بين الطرفين.
تأخذ الملفات المتداخلة والمتشابكة والمتعارضة وقتاً وجهداً لترتيبها، وتحتاج على الدوام لإنجازها حروباً ومفاوضات، دماء ودموعاً ودماراً، يأساً وأملاً. ما يجري راهناً أشبه بالمخاض الصعب لولادة قيصرية تنتظرها الدول المنخرطة في الصراع وتلك المعنية به. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا مثيل له بين أسلافه الذين سكنوا «البيت الأبيض»، مستعد للذهاب إلى «اللامعقول» في السياسة من أجل تحقيق أهدافه التي يخوضها تحت عنوان «المصلحة الأمريكية أولاً وجعل بلاده عظيمة من جديد وإرساء السلام من منظاره».
وتعامل يد «البيت الأبيض» مع رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع خير دليل على قدرة ترامب في تحويل الأسود إلى أبيض، ما دامت تلك الخطوة تخدم استراتيجيته ومشروعه في نهاية المطاف. وهو لن يتوانى في أن تحطَّ طائرته في طهران للقاء المرشد الأعلى علي خامنئي إذا كان ذلك يفضي إلى اتفاق شامل مع إيران حول برنامجها النووي وملحقاته من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات والأذرع مقابل عودتها إلى النظام العالمي وتحوُّلها إلى «دولة عظيمة». وما يريد ترامب أن يراه سريعاً هو إنهاء «حرب غزة» التي يمكنها أن تفتح الباب لترتيبات نهائية في شأنها، واستطراداً في وضع سكة حل النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، بغية تمهيد الطريق أمام هدفه في توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، والتي من شأنها أن تُغيِّر المنطقة برمتها إذا ما تحقق السلام العربي – الإسرائيلي، ومعها ينتزع جائزة نوبل للسلام ولقب «رجل السلام» يراه إرثاً قيِّماً له.

معركة ترتيب الشرق الأوسط

علّة الرئيس الأمريكي، وربما ميزته، أنه رجل ينفد صبره بسرعة ولا يتمتع بنفَس طويل. وبالتالي، قد يكون من الخطأ الرهان على تقطيع الوقت معه وتمييعه بانتظار تبدلات قد يحملها المستقبل. قوة ترامب أنه يخوض معركة ترتيب الشرق الأوسط وهو في بداية ولايته، فثلاث سنوات ونصف تعتبر فترة زمنية طويلة، سيكون من الصعب على الأطراف المقابلة تمريرها، حتى ولو امتلكت سياسة «الصبر الاستراتيجي». فإيران ما زالت في عين العاصفة، وتواجه – كما أذرعها – مرحلة مصيرية.
فرغم سياسة الصمت والتحفظ على مخرجات زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، وزيارة المبعوث الأمريكي توماس برَّاك إلى لبنان ومضمون الرد اللبناني الذي تسلمه على الورقة الأمريكية، فإن قراءة ما بين سطور الكلمات التي قالها كل من نتنياهو وبرَّاك تسهم في تحديد اتجاه المسارات المنتظرة والاستحقاقات الآتية.
ما أشار إليه نتنياهو، في ختام زيارته لواشنطن، هو أن لقاءه وترامب أسفر عن تفاهمات وصفها بـ«التاريخية»، تتعلق بغزة والمنطقة، و«تتجاوزها»، وأن تفاصيلها ستُكشف لاحقاً. فالعنوان الذي طفى على سطح النقاشات الأمريكية – الإسرائيلية هو حرب غزة ومصير الرهائن وسبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فيما تأتي الزيارة بعد الحرب على إيران وتداعيات ضرب البنى العسكرية القيادية في النظام والحرس الثوري وتدمير المنشآت النووية الرئيسية: نظنز، وأصفهان، وفوردو.

اتفاق حول حل دائم

ستبقى تلك التفاهمات طي الكتمان إلى حين. يقول مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي طوم حرب «إن زيارة نتنياهو إلى واشنطن تُعطي الصورة الكاملة، وما صرّح به نتنياهو هو أن هناك مهلة ستين يوماً جديدة للمفاوضات بين إسرائيل وحركة «حماس» وللمفاوضات بين أمريكا وإيران. وسيتحدد الاتجاه حينها بحسب نتائج تلك المفاوضات. بالنسبة إلى غزة، فإن المطلوب التوصل إلى اتفاق حول حل دائم. وهذا الحل – وفق ما نسمعه من دوائر القرار الأمريكية – يقضي بضرورة تشكيل قوة، وعلى الأغلب أن تكون عربية، من أجل الدخول إلى غزة. فنتنياهو جازم بأنَّ التوصل إلى وقف دائم للأعمال العسكرية مشروط بتجريد «حماس» من السلاح، ونزع الطابع العسكري عن غزة، وإنهاء أي قدرات حكومية أو عسكرية لها. وإذا تحقق ذلك عبر التفاوض، فهذا جيد، وإن لم يتحقق، فسيتم إنجازه بوسائل أخرى».
هذا الأمر ينطبق على إيران، فمهلة الـ60 يوماً الجديدة التي يبدو أن ترامب حددها مرة ثانية هي من أجل التفاوض للتوصل إلى توقيع اتفاق على النووي الإيراني يُزيل كل إمكانية أمام نظام الملالي لتحويل «النووي السلمي» إلى «نووي عسكري»، إضافة إلى ضبط البرنامج الصاروخي وحل الأذرع. ويُشير طوم حرب إلى أن «عدم التوصل إلى اتفاق في هذه المهلة يعني إطلاق يد نتنياهو للعودة إلى معركة عسكرية مجدداً كما الذهاب إلى خيارات أخرى. فالإسرائيلي يعمل جدياً على خيار إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وهو أمر تتخوَّف منه بشكل كبير القيادة الإيرانية الحالية. وإذا حصل هذا الأمر، سيقول عندها ترامب: لقد نصحتهم بالتفاوض، ولو استفادوا من الوقت لما كان حصل ذلك».
في المعطيات المتوافرة، أن توافقاً جدياً قد جرى بين نتنياهو وترامب حول الجداول الزمنية. حتى لو تعثّر وقف إطلاق النار المؤقت في غزة، فإنه سيحصل عاجلاً أم آجلاً، وخطوات الحل الدائم أو وقف إطلاق النار الدائم واضحة المعالم ولو تأخرت. وفي غضون ذلك، تسير المحادثات خلف الستارة بين تل أبيب ودمشق حول كيفية ضمان الحدود في أقل تقدير وإمكان تعبيد الطريق أمام التطبيع بين الدولتين. المبعوث الأمريكي إلى بيروت، حضَّ المسؤولين اللبنانيين على عدم التخلف عن الركب. في الواقع، لن يعود لبنان قادراً على المناورة و«حزب الله» على المكابرة في حال سارت سوريا وإسرائيل نحو السلام، عندها سيصبح لبنان مطوّقاً، وهذه حقيقة يعرفها جيداً أركان السلطة، بحيث لا يعد بإمكانه عندها رفض السلام.
اعتبر برَّاك في مقابلة مع محطة «ال. بي. سي.» اللبنانية، خلال زيارته إلى بيروت، أن الثقافة السياسية اللبنانية قائمة على الإنكار والالتفاف والتجنّب. وهو في معرض إشارته إلى رضاه عن الرد اللبناني الذي مثل كلاً من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، بما يعكس موقف الطوائف الكبرى في لبنان (المسيحيون، والسُّنة، والشيعة)، قدَّم مقارنة بدلالاتها السياسية بين أداء السلطة وأدائه ممثلاً رئيسه: «أنا ذكيّ كفاية لأعرف أنّهم يلعبون طاولة الزهر، فيما أنا ألعب الشطرنج». فلعبة الزهر في الترجمة السياسية تعتمد على الرهان على الحظ والصدفة والمجازفة، فيما لعبة الشطرنج تعتمد على العقل والمنطق والتخطيط المبسق، ولا وجود للحظ. وبالتالي، فإن اللاعب الأقوى استراتيجياً هو الذي سينتصر.
فما يقوم به لبنان الرسمي يعتمد على الارتجال والمفاجآت والظروف الخارجية. هو في حقيقة الأمر، في موقع المنتظر لما سيحصل في المواجهة المباشرة وغير المباشرة بين إيران وإسرائيل. فـ»حزب الله» لن يُسلّم سلاحه قبل أن تتضح معالم المواجهة وتصل إلى نهائياتها. إيران – بشقها العسكري – تعمل على تحضير العدة والتجهيز من أجل معركة قد تأتي أو تراها آتية حكماً، ويعمل «الحرس الثوري» على التمسك بما تبقّى لديه من قوة أذرعه في المنطقة، ولا سيما في اليمن، حيث يبدو الحوثي الأقدر على التحرّك بين الأذرع الأخرى، بعدما دُمِّرت حركة «حماس»، ومني «حزب الله» بخسارة مدوية، ويعرف «الحشد الشعبي» في العراق الثمن المرتفع الذي سيدفعه في حال انخراطه بقوة.
من هنا، تترسَّخ القناعة اللبنانية لدى أركان السلطة بأن طهران لن تسمح راهناً بأن يُسلّم «حزب الله» سلاحه، ولا سيما سلاح الصواريخ التي ما زالت بعهدته وهو أساساً بيدها، وتريد أن تستخدمه وتستفيد من سلاح «الحزب» المتبقي على طاولة المفاوضات.
على أن لدى إسرائيل رخصة دولية في مواصلة ضرب البنى العسكرية لـ«حزب الله» في لبنان وترساناته من الأسلحة والصواريخ حيث تصل إليها يدها. تُكثّف عملياتها وتُبطّئها حين تريد، وسوف لن تقبل بأقل من إنهاء الخطر العسكري الآتي من لبنان نظراً إلى أن الأمر يتعلق بأمن حدودها وأمنها القومي، ما يعني أن مناورة لبنان الرسمي على وقْع موقف «حزب الله» لن يكسبه وقتاً بقدر ما يهدر على لبنان فرصة أن يتعافى، وأن يعود دولة طبيعية، وينهض باقتصاده ويحجز له مكاناً في مشروع المنطقة، ويسير في طريق التغيير.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية