5 كيلومترات تعذيباً ونهباً وإهانة.. إسرائيل: سنعلمهم ما معنى فتح المعبر والعودة إلى غزة 

حجم الخط
0

بعد فترة طويلة من الإغلاق، أعيد فتح معبر رفح في الأسبوع الماضي أمام حركة مرور محدودة في الاتجاهين، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب. وحتى الأحد، عبر 284 شخصاً في معبر رفح، نصفهم ذهبوا إلى مصر والنصف الثاني دخلوا القطاع، هذا حسب بيان صادر عن قوة المراقبة الأوروبية الموجودة في المعبر. 

الآن بعد أسبوع على بدء تشغيل المعبر، تتيح لنا شهادات سكان غزة وأفلام الفيديو وصور الأقمار الصناعية فهم آلية دخول قطاع غزة، وتشارك في الآلية ست جهات على الأقل، هي: مصر والسلطة الفلسطينية وممثلون عن الاتحاد الأوروبي ومليشيا أبو شباب التي تعمل برعاية ودعم إسرائيل وجنود الجيش الإسرائيلي والأمم المتحدة. 

يمتد المسار كله مسافة 15 كم، التي يخضع فيها الغزيون العائدون إلى القطاع للتفتيش في نقاط مختلفة. المسار يبدأ من معبر رفح وينتهي عند مستشفى ناصر في خان يونس. ورغم إمكانية إكمالها نظرياً في وقت قصير، فإنها في الواقع رحلة متعبة تستغرق -حسب الشهادات- تقريبا 24 ساعة وأحياناً أكثر من ذلك. وأفاد الغزيون الذين عادوا إلى القطاع أنهم واجهوا تحقيقاً وتأخيراً وتهديداً وإهانة وقيوداً على إدخال الأموال والأغراض خلال هذه الرحلة. 

فلسطينيون عادوا إلى القطاع قالوا لوسائل الإعلام بأن السفارة الفلسطينية في القاهرة اتصلت معهم ليلاً من أجل التوجه إلى مدينة العريش الساحلية المصرية قرب رفح، ومن هناك إلى معبر رفح، وخضعوا لإجراءات التفتيش الأمني، وانتظروا فترة طويلة قبل دخول القطاع. وقالت صباح الرقب (41 سنة) لصحيفة “فلسطين”: “حزمنا أمتعتنا في الثانية فجر الإثنين، وانطلقت الحافلة نحو المعبر في الساعة الثالثة فجراً، ووصلنا إلى المحطة المصرية في السادسة صباحاً. فتشونا، وانتظرنا حتى غروب الشمس ليفتح الطرف الفلسطيني المعبر من أجل ختم جوازات السفر”. 

بعد إتمام الإجراءات المصرية وعبور الحدود، يمر العائدون إلى القطاع في نقطة تفتيش في الطرف الفلسطيني في المعبر. وتجري عملية إعداد المعبر لإعادة فتحه، وتفصل أسوار معدنية مع أسلاك شائكة بين مسارات الدخول والخروج. يدير قوات السلطة الفلسطينية تحت رقابة قوة تابعة للاتحاد الأوروبي باسم “ايو بام رفح”. وليس هناك تواجد للجيش الإسرائيلي في المعبر. ومن بين الإجراءات المتبعة، فحص واستخدام التعرف على الوجه، ويسمح للعائدين بحمل حقيبة واحدة تحتوي على ملابس ووثائق وهاتف محمول واحد وتقريبا 2000 شيكل، ويحظر إدخال السوائل. 

بعد إنهاء التفتيش وعند خروجهم من المعبر، يجد الغزيون العائدون أنفسهم في الأراضي التي تخضع لسيطرة إسرائيل. يركبون الحافلات نحو نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي، التي تبعد 5 كم عن شارع صلاح الدين، لكنهم لا يصلون إلى نقطة التفتيش مباشرة، بل يتم توقيفهم في البداية من قبل أعضاء مليشيا أبو شباب، وهي قوة فلسطينية محلية تعمل برعاية إسرائيل. وقد أثار التعاون بين الجيش الإسرائيلي وهذه المليشيا في السابق انتقادات شديدة، حتى من قبل قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم. وفي الأسبوع الماضي، أكد مصدر أمني للصحيفة بأن أعضاء المليشيا يرافقون الغزيين الداخلين إلى القطاع. 

حسب شهادات وأفلام فيديو، فإن أعضاء المليشيا يرافقون الغزيين إلى نقطة التفتيش التي أقامها الجيش الإسرائيلي على مفترق صلاح الدين – موراغ، وهي الطريق التي اقتحمها الجيش الإسرائيلي أثناء الحرب. وقد جمع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أدلة تفيد بأن المسلحين كبلوا أيدي بعض الغزيين العائدين للقطاع وعصبوا عيونهم وهددوهم. إضافة إلى ذلك، جاء أن أعضاء المليشيا قاموا بتفتيش أمتعة العائدين وسرقوا ممتلكاتهم الشخصية وأموالهم. 

قائد مليشيا أبو شباب، غسان الدهيني، أصدر بياناً طالب فيه العائدين إلى القطاع بالانضمام لصفوفه في القطاع الخاضع لسيطرة إسرائيل، وقال: “إلى كل من يعود إلى غزة، الذين يعارضون الإرهاب ويرغبون في الانضمام إلينا والعيش في رفح، يرجى منهم التوجه إلى حاجز القوات الشعبية في منطقة معبر رفح”. 

بعد ذلك، يقوم أعضاء أبو شباب بتسليم العائدين إلى غزة للجيش الإسرائيلي في نقطة تفتيش تم إنشاؤها حديثاً على الشارع الرئيسي ويسميها الجيش “نكاز رغافيم”. وفي هذه النقطة منذ فترة طويلة قاعدة عسكرية إسرائيلية كبيرة نسبياً. ويستغرق المرور في نقطة التفتيش الإسرائيلية بضع ساعات، هذا حسب شهادات غزيين نشرت في وسائل الإعلام العربية. 

“خفت كثيرا. بقينا ثلاث ساعات في منطقة التحقيق. لم أستطع المشي أو الحركة لأنني أعاني من ارتفاع في ضغط الدم ومشكلة في القلب”، قالت عصمت صافي (48 سنة). “تركوني مع ابنتي وأحفادي في منطقة محاطة بالكاميرات والأسلاك الشائكة. بعد ذلك، نادوني وسألوني عن اسمي وعن أحفادي ومكان سكني. سمعت امرأة أخرى تبكي في غرفة تحقيق مجاورة. كان هناك أيضاً رجل مسن معنا، كبلوا يديه وعصبوا عيونه وحققوا معه بقسوة”.

هذا يتوافق مع الشهادات التي جمعتها الأمم المتحدة بشأن ما حدث عند نقطة تفتيش الجيش الإسرائيلي. وحسب المكتب، “تحدث العائدون عن نمط من العنف والتحقيق المهين والتفتيش الجسدي المهين، وفي بعض الحالات كانت عيونهم معصوبة وأيديهم مكبلة. وأفادوا أيضاً بأن الجنود منعوهم من الحصول على العلاج عند حاجتهم إلى ذلك ومن استخدام المراحيض”. وجاء أيضاً أن بعض العائدين قالوا إنهم سئلوا إذا كانوا سيوافقون على أخذ الأموال للعودة إلى مصر مع عائلاتهم وعدم العودة إلى القطاع. وشهد آخرون بأنه تم عرض الأموال عليهم كي يصبحوا متعاونين مع الجيش الإسرائيلي. 

بعد عملية التفتيش في هذه المحطة، يركب العائدون الحافلات بمرافقة أعضاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. الحافلات تجتاز الخط الأصفر – خط الفصل بين القوات – وتدخل إلى المناطق التي تخضع لسيطرة حماس، ومن هناك إلى مستشفى ناصر في خان يونس. وعند النزول من الحافلات في خان يونس، تم توثيق بضع نساء من غزة وهن يناشدن الحشود بـ “عدم المغادرة وعدم الهجرة من غزة”. 

إضافة إلى الراغبين في العودة إلى غزة، هناك عدد كبير من سكان غزة يعملون على مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج. وحسب منظمة الصحة العالمية، فإنه ينتظر 18.500 شخص، بينهم 4 آلاف طفل، المغادرة. وفي الأسبوع الذي مر منذ فتح المعبر لم يغادر إلا أقل من 150 شخصاً، وهو نفس عدد الذين دخلوا إلى القطاع. 

والأحد، طلبت جمعية “غيشاه” وجمعية “عدالة” الإسرائيليتان من وزير الدفاع يسرائيل كاتس والمدعي العام العسكري والمستشارة القانونية للحكومة إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوقف عن إساءة معاملة الراغبين في العودة إلى قطاع غزة. 

في الرسالة، قال المحامي محمد عوض والمحامية منى حداد، إن هدف إساءة معاملة العائدين هو منع المزيد من الفلسطينيين من العودة إلى القطاع. ويبدو أن السكان العائدين أُخذتهم قسراً مليشيات مسلحة تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتعرضت حياتهم وسلامتهم للخطر، وخضعوا لتحقيقات أمنية مطولة كشرط لعبورهم. وتشير الشهادات وسلوك الجيش إلى أن هذه الإجراءات لم تهدف فقط إلى إهانة السكان العائدين، بل أيضاً تخويف الذين يريدون العودة إلى قطاع غزة. 

حسب أقوال المحاميين، فإن هذا السلوك مخالف لالتزام إسرائيل بالقانون الدولي. وينص الإعلان الدولي لحقوق الإنسان على أن “كل شخص له الحق في مغادرة أي دولة، بما في ذلك دولته، والعودة إليها. هذا الحق مكفول بعدة معاهدات وقعت عليها إسرائيل، بما في ذلك التعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة واتفاق جنيف واتفاق مناهضة جريمة الفصل العنصري وميثاق روما”. 

أحد الغزيين الذي عاد إلى القطاع، قال لوكالة “وفا”: “الآلاف يعيشون على أمل العودة. هناك قصص مأساوية لعائلات مشتتة، وأزواج وزوجات في أماكن متفرقة وآباء لم يروا أولادهم الذي ولدوا. افتحوا المعبر حقاً، بالفعل المعبر لم يفتح بعد”. 

بعد نشر المقال، رد الجيش الإسرائيلي على أسئلة “هآرتس”، وقال: “خلافاً للادعاءات، لم يتم تسجيل أي أحداث عن سوء المعاملة أو تجاوز من قبل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أثناء التفتيش في نقطة العبور الإسرائيلية في معبر رفح لسكان غزة القادمين من مصر إلى قطاع غزة. قوات الأمن في معبر رفح تقوم بالتحقق من بطاقات هوية الداخلين حسب قوائم معتمدة من وزارة الدفاع. ويتم إجراء تفتيش دقيق للأمتعة. وتجدر الإشارة إلى أن سياسة إدخال الأمتعة في معبر رفح والإجراءات الأمنية المختلفة تم الإبلاغ عنها ونشرت مسبقاً لكل الأطراف”. الجيش الإسرائيلي لم يتطرق لشهادات الفلسطينيين حول استخدام مليشيا أبو شباب كجزء من آلية العودة إلى قطاع غزة.

ردين ميخائيلي، روان سليمان ونير حسون

هآرتس 11/2/2026

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية