يقول الروائي الفرنسي أندريه جيد «الرواية تاريخ كان يمكن أن يقع، والتاريخ رواية وقعت فعلاً»، وانطلاقا من مقولة جيد هذه ندرك أنه حين يعيد الروائي كتابة التاريخ فإنه يصوغه ليس بما يتناسب والتاريخ الرسمي الذي في الغالب يكتبه المنتصر، فهو لا يقدم عملا ينطوي على حكايات تاريخية على ضوء ما عرفه من خلال التاريخ الرسمي، وإنما يخلخل هذا التاريخ ويبحث فيه من أجل إمكانية تقديم سيناريو جديد له. فالتاريخ المكتوب في الغالب تكتبه القوى المنتصرة التي تنحاز لنفسها، أما الغائب ستظل روايته غير موجودة، لذا على الكاتب النبش في التاريخ والإتيان بشخصيات من الهامش ليس لها وجود مرئي لكنها حقيقية، كما ذكر بما معناه الكاتب السوري عبد الله مكسور في مقابلة أجريت معه حول روايته «2003»؟ هذه الرواية التي فيما يبدو أنها صوت المهمش، ذلك الذي يدير ظهره لكل شيء لأن الحياة لربما أدارت له ظهرها، كما عبر عنها الغلاف، أو لربما صورة الغلاف تجسيد للأمل الذي يبحث عنه كل خارج من الحرب، أو تصوير لمن ما زال يتخبط في أوحالها لكنه يبحث عن منفذ.
لكن بالعودة إلى العنوان «2003» الذي يحمل أكثر من رمزية، من بينها سقوط بغداد على يد الاحتلال الأمريكي، وفي الوقت ذاته الرقم رمز لنهاية قرن من الدم، وهنا أراد عبد الله مكسور القول من خلال اختيار العنوان أن روايته هذه هي خلاصة 100 سنة من الأحداث المفصلية التي مر بها العالم بشكل عام، والبلاد العربية بشكل خاص بداية من العام 1900 إلى غاية 2003.
ولكي يكون التاريخ مسرودا بطريقة منطقية خلال قرن من الزمن فقد اختار شخصيتين رئيسيتين تمسكان بزمام السرد، وهما الجد والحفيد، أو لنقل بعبارة أكثر وضوحا كل يحكي تجربته الممتدة في الفترة الزمنية التي عاشها. فالجد يرويها من العام 1907 حتى نهاية الأربعينيات، في حين يستلم الحفيد الحكاية بداية من العام 1982 إلى نهاية 2005. تقول الرواية: «لم يترك الجد الأول خلفه سوى بعض الحكايات التي تناقلها الأبناء في العائلة من جيل إلى جيل.»
وعن ذاكرة الجد التي وثقت للفترة التي عاشها تقول الرواية: «وجد أبو الكرم بعض الأوراق الصفراء التي كتب عليها الجدّ بقلم رصاص كلمات بأحرف كبيرة في آخر أيامه ببغداد، أرادها الجد حبلاً سرياً يصله بهناك، رغم يقينه أنه سيموت وسيُدفَنُ هنا في بغداد. ذاكرةً يُفرغها الرجل بكثير من الحرص».
لكن البطل في هذه الرواية من وجهة نظري ليس الجد ولا الحفيد، وإنما البطل الحقيقي هو الحكاية التي يسردانها، تلك التي لا تنطبق على العراق وحده، بل على الأمة العربية كاملة، فهو لم يضيق أفق الحكاية كي تتسع وتسع الرواية قضايا الإنسان.
قد يتبادر إلى الأذهان السؤال التالي: ما الفائدة من تناوب الحكي بين الجد والحفيد وهل بالإمكان أن تروى من وجهة نظر واحدة؟ تقول الرواية: «نحن جيل الهزائم على كل الجبهات، مهووسون نحنُ بالتاريخ، نريد مكاناً فيه بدلاً من التدخل في صنعه! رصاصاتنا كلها تشبه تلك الرصاصة التي تنطلق في بداية كل سباق نكون فيه – بطبيعة الحال ـ خارج المضمار. نكتفي دوماً بمشاهدة أي سباق من المدرجات.»
إذن «2003» ترتكز على تاريخ بلادنا العربية، هذا التاريخ المتشظية أطرافه هنا وهناك، تاريخ يستحيل القبض عليه من زاوية واحدة، فما يريد الكاتب الوصول إليه هو تمرير فكرة أن لا شيء تغير، لذا قدم نقدا واضحا لكل الأمور التي بقيت على حالها، إذ نلحظ أن كلا من الجد والحفيد ارتكبا الأخطاء نفسها، ووقعا في الأخطاء ذاتها، وخلصا في النهاية إلى نفس الخيارات، بل وتعرضا إلى نفس الآلام، وهذا ما جعلهما يخلصان بالأخير إلى نتائج متشابهة كما ذكر الكاتب.
فالرواية تقف على حقيقة الخير والشر عند الإنسان، خاصة إذا كان محاطا بظروف قد تؤثر على خياراته الإنسانية، وقد تجعله لربما أكثر تمسكا بها، وهذا برأيي ما ارتكزت عليه، أي الجانب الأخلاقي والسلوكي للبشر.
هناك مقولة للكاتبة النيجيرية شيماماندا أديشي تقول فيها: «التاريخ يخبرك ماذا حدث، لكن الرواية الجيدة تخبرك كيف شعر الناس بما حدث»، وفي رواية «2003» تشعر أن كل شيء يحدثك عن أحوال الناس في تلك الفترة، يقول: «الزمن يطول أكثر من المعتاد هكذا تغدو الدقائق في مدينة يسكنها الموت من الأرض والسماء يهاجمها ويخترق أبوابها دون استئذان.»
وعن بغداد يقول: «كانت بغداد في عينيّ لا تشبه ذاتها، لا تشبه ذاكرتي عنها ولا ذاكرتها عني مدينةً لبست قناعاً آخر استعارته من زمن بعيد أو استجلبته من مستقبل لا يقل قسوةً عن تاريخها، وكأن الوجوه عندها جاهزة للاستبدال في أي لحظة.»
ومرة أخرى يقول: «شجن عراقي ينطلق من المذياع فيعيد تكوين المدينة أمامي.»
استوقفتني في الرواية كيف وصف عبد الله مكسور نفسية من يدخل السجن، ذلك الذي يأخذ السجن من عمره، بل يصبح العمر مع الوقت داخل الزنزانة مجرد لقطة تكرر نفسها، لقطة بالسوء والألم نفسه، لقطة تنتزع منك حتى ألم الشعور بالألم الذي يأتيك خارج السجن في خضم تجارب الحياة المختلفة، الحزين منها والسعيد، فداخل السجن لا طعم لشيء غير مرارة الألم الذي يعيد تدوير نفسه يوما بعد يوم حتى يزداد ضخامة. يقول: «الزنزانة قاتلة للعمر، مساحة للحزن، الرفقة فيها تعني أنَّ هناك متسعاً لحديث يكتمل مع النفس ونقيضها، تصاحب ظلك المختبئ في الظلام بكلام عن بغداد وضواحيها، عن الحلم الذي لم يكتمل، عن طيف بلاد تطارد السجين ولا ترحل، لا سبيل ولا طريق إلى الحبيبة الغائبة…»
وفي فقرة أخرى متحدثا عن الكرامة التي يستشعرها الإنسان حين تتوفر لديه شروط الحياة، لكن حين تسلبنا الحياة حق العيش الكريم، يصبح همنا أن نموت بكرامة، يقول: «في كل ضفّة يهيم الناس على وجوههم وهم يرددون: سنموت بكرامة. أمّا فكرة الحياة بكرامة والموت بدونها فغير مطروحة في هذه البلاد بالمطلق. يقول الجميع: نريد أن نموت هنا ولا يأتي على بالهم أبداً أنّ فكرة الحياة هنا – برغم السواد – ممكنة، أو ربما تكون ممكنة بحدها الأدنى.»
وعن تلك الحياة يقول مجددا: «صارت البلاد على شكل مقبرة مفتوحة على كل الاتجاهات، والحياة على هامشها صارت تشكل عبئاً على من يسعى للموت في كلّ نفس.»
وفي إشارة أخرى إلى الموت وتقلب الأحوال أتى الكاتب على ذكر صدام حسين الذي جاء للحفيد في عيادته باعتبار أنه طبيب أسنان، ومن نافذة عيادة الطبيب نقل لنا الكاتب روائيا مشهد صدام وهو يرى تمثاله مهدما ، لربما هي إشارة إلى آخر أيامه بالحياة التي شهد فيها ما لم يتوقع بالمرة أن يشاهده في حياته، فحتى من كان يمثل لهم صدام الشيء الكثير إيجابيا أو سلبيا لم يعد سوى مصدر رعب، وهذا ما نلحظه في القصاصة التي كتب فيها أنه سيكرم الطبيب الذي عالجه، هذه القصاصة تحولت من نعمة إلى نقمة، إذ انتهى بالطبيب مسجونا ومقتولا في نهاية الأمر.
ويبدو أن للموت دائماً القدرة ذاتها على تكرار نفسه بالقسوة ذاتها، تقول الرواية: «الموت حصد أغلبنا تحت جسر الشعب، حيث احتمينا، تناثرت الجثث في كل اتجاه، كنتُ واحداً من أولئك الذين حلموا دوماً برصاصة تحيلهم إلى قداسة الشهيد.»
سيتتبع القارئ روائيا من خلال تشابه مصائر أبطال الرواية الكثير من الأحداث السياسية، والاجتماعية، والتاريخية التي وصمت تلك الفترة، إذ اعتمد الكاتب على تقنية الاسترجاع، أي بدأ بالنهاية وانتهى بالبداية وفقا لحكاية الرواية ليقول إن مصائر الناس لم تتغير وإن تحرك الزمن.
كما أنه طرح مسألة الهوية من نحن؟ ومن نكون؟ وكيف يمكن إنتاج هوية مضادة تحفظ للإنسان إنسانيته؟ تقول الرواية: «نعم أعرف أنك جندي من قوات المارينز ضمن جيش التحالف… أقصد من أنت إنسانياً؟».
إذن سؤال الرواية هو من أنت إنسانيا؟
عبد الله مكسور: «2003»
هاشيت أنطوان/ نوفل، بيروت 2021
193صفحة.