«امرأة جميلة»: بين الرومانسية الهوليوودية والواقع الغائب

يعد فيلم «امرأة جميلة» Pretty Woman، الذي أنتج عام 1990، أحد أشهر أفلام السينما الأمريكية على الإطلاق، لاسيما في مجال الكوميديا الرومانسية. وما تزال الصحافة العامة تخصه بمديح غير عادي، لاسيما نجمته جوليا روبرتس، التي أصبحت بسببه إحدى أشهر الممثلات في العالم. ولكن نجاحه في الوقت نفسه يولد تساؤلات عن أسباب تلك الشعبية غير العادية، كان على النقاد دراستها.
الفيلم عن شاب من كبار الأثرياء الأمريكيين (ريتشارد غير) يتيه أثناء قيادته سيارته في شوارع مدينة لوس أنجليس الأمريكية ليلا، فيتوقف في أحد شوارع المدينة، كي يسأل عن كيفية الوصول إلى وجهته. ولذلك، يسأل شابة سرعان ما تجيبه موضحة له أنها عاهرة، ويتفقان على أن تبقى معه كي تريه لوس أنجليس تلك الليلة، وأن ترافقه لأسبوع كامل مقابل ثلاثة آلاف دولار، ما يعني أن تسكن معه في أحد أفخم الفنادق في لوس أنجليس. وسرعان ما يكتشف المشاهد أن هذا الثري يعاني من عقد نفسية حادة، تعيق تعامله مع الآخرين لاسيما النساء وتجعله قاسيا بسبب مشاكل في طفولته، لاسيما مع والده. وإذ بهذه العاهرة تغير شخصيته وتجعله رجل أعمال مستقيما ومحبوبا وسعيدا في حياته، ويعلن حبه لها في نهاية المطاف.
كانت القصة الأصلية للفيلم عن عاهرة بائسة مدمنة على المخدرات، تموت في نهاية الفيلم بجرعة كبيرة منها، ما يجعل الفيلم واقعيا. وكان عنوان الفيلم 3000، إشارة إلى مبلغ الثلاثة آلاف دولار، الذي تتفق مع الثري عليه. ولكن الشركة المنتجة قررت تغيير القصة بشكل جذري لتحويله إلى فيلم كوميدي ورومانسي.
كان أداء جميع الممثلين مسليا للغاية، ولكن على الرغم من أن ريتشارد غير وجوليا روبرتس كانا جذابين وممتعين، فقد كان من الواضح أن جوليا روبرتس ليست عاهرة، وأن ريتشارد غير، غير مصاب بأي عقدة نفسية، بل كان ذا جاذبية غير عادية وواثقا بنفسه، أي أنه بدا وكأنه زير نساء متمرس. وقد يعني هذا أن أداء الممثلين كان سيئا، ولكن هدف الفيلم كان تقديم عرض ممتع على حساب الدقة الواقعية. وقد اختير رتشارد غير لأنه كان الممثل الأكثر جاذبية في أوساط الجمهور النسائي، وقد أصبح أشهر ممثل على الإطلاق في تلك الفترة، حيث كان توم كروز وجوني ديب ما يزالان في فترة صعودهما. ووجوده في الفيلم خير دعاية للفيلم، وأدى الدور ببراعة. وأما الوجه الجديد نسبيا جوليا روبرتس، فكانت المرأة المتوسطة الجمال، التي تمثل أغلب النساء في العالم الغربي. ويستحق المخرج غاري مارشال كل الثناء لتحويله قصة سخيفة إلى فيلم ممتع، مهما كان بعده عن الواقع، لاسيما في طريقته في الحفاظ على الجانب المرح في أغلب مشاهد الفيلم بشكل انسيابي واستعمال الموسيقى بشكل ماهر.


الفيلم في الحقيقة نسخة محورة من فيلم «سيدتي الجميلة» الشهير الذي مثله ريكس هاريسن وأودري هيبورن وعرض عام 1960، والتشابه بين أسمي الفيلم واضح. ولكن قصة الفيلم غُيرَت ببراعة، فلم يشعر الجمهور بالتغيير في نمط وهدف الفيلم، ففي فيلم «سيدتي الجميلة» نجد الأرستقراطي المثقف يحاول أن يعلم فتاة بالغة الفقر، كيف تتصرف وتتكلم كفتاة أرستقراطية. ولكنهما يجدان نفسيهما في حالة حب تجبر كل منهما على التنازل للتوصل إلى تسوية للبقاء معا. أما في فيلم «امرأة جميلة»، لا تتنازل الفتاة على الإطلاق حيث يقتصر ذلك على الرجل الذي يفي بجميع طلباتها مهما كانت، أي أن العاهرة تعثر على شاب بمنتهى الوسامة والثراء، وعلى أتم الاستعداد لخدمتها، دون حدود. ولم يكن هذا التغيير عفويا، بل مقصودا جدا لإرضاء الجمهور النسائي. ويعني هذا أن الفيلم كان يرضي أمنية لدى المرأة العادية للارتباط برجل وسيم ولطيف وذي ثراء فاحش وكريم للغاية. وقد نجحت هذه الخدعة التسويقية بشكل ربما فاق توقعات الشركة المنتجة نفسها، بسبب النجاح غير العادي للفيلم. وإذا ظن المشاهد أن التدريب الذي تلقته الفتاة في «سيدتي الجميلة» مفقود في فيلم «امرأة جميلة»، فهو على خطأ، لأن مدير الفندق أدى هذه الخدمة للعاهرة، دون أن نعرف السبب سوى أنه رجل طيب جدا، على الرغم من أن وجود هذه العاهرة الواضح قد يضر بسمعة الفندق، وكان اختيار الممثل هيكتر أليزوندور لأداء دور مدير الفندق في محله. ولكن جوليا روبرتس ليست أودري هيبورن، فلم تظهر برقتها ورقيها في نهاية الفيلم، كي تندمج مع مجتمعها الجديد، بل بقيت كما هي وكانت مشيتها الغريبة تقلل من جاذبية مظهرها. وكان مشهد غضبها عندما عرف محامي الثري أنها عاهرة، مفتعلا حيث كانت محاولة من المؤلف لإظهار انتقالها إلى الطبقة العليا من المجتمع وتخليها عن ماضيها. وكانت مظاهر الثراء في الفيلم وطريقة حياة الطبقة الغنية من المجتمع الأمريكي من عوامل انجذاب المشاهدين إلى الفيلم، حيث أغلب الناس يرغبون في أن يعيشوا مثل هذه الأجواء.
من الخدع الساذجة التي استعملها القائمون على الفيلم كان، تحسين صورة العاهرة التي مثلتها جوليا روبرتس، فهي لا تستخدم المخدرات وجديدة في مهنة الدعارة، وليس لها قواد، أي أنها ما تزال ملاكا طاهرا نسبيا. وأما شريكتها في السكن والمهنة، فهي امرأة حكيمة، لا تبخل في تقديم النصح لها. ومن المضحك أن أغلب الشخصيات في الفيلم، ومنها تلك في عالم الدعارة، بمنتهى اللطافة. وكان ذلك أحد أسباب ابتعاد الفيلم عن الواقع. وكل هذا جعل الفيلم يبدو وكأنه قصة سندريللا الشهيرة. ويعطي الفيلم الانطباع للمشاهد بأن في الحياة إمكانية حصول المرء على فرصة تغير حياته إلى الأفضل بشكل جذري.
من الغريب في الأمر أن مشهد لقاء الثري بالعاهرة واجه مشكلة مضحكة حول اختيار السيارة المناسبة، فبما أن الرجل (ريتشارد غير) بالغ الثراء، فيجب أن يقود سيارة فخمة، ولذلك اختار المخرج سيارتي فيراري وبورش، إلا أن الشركتين رفضتا ذلك بحجة أن علاقة سيارتيهما بعالم الدعارة لن تكون جيدة لهما، فاختار المخرج سيارة اللوتس، حيث وافقت الشركة الصانعة. وكانت موافقة الشركة قرارا تجاريا صائبا. ولم يتذكر المشاهدون ريتشارد غير، طويلا بعد مشاهدة الفيلم بسبب تركيز الإعلام على جوليا روبرتس، حيث تحولت بسرعة خاطفة إلى إحدى نجمات الصف الأول، بسبب هذا الفيلم على الرغم من سهولة الدور وكونه رابع فيلم لها. على الرغم من المظهر الرومانسي لشخصيتي الفيلم، فإن المال كان الموضوع الرئيسي في الفيلم، إذ كل منهما غارق في مأساته بسبب المال، ولكن كل منهما على طريقته الخاصة، ولذلك كانت علاقة الحب ضمن إطار مالي بحت.
هل قصة الفيلم عادية؟ نعم حيث سبق أن تناولت صناعة السينما في الولايات المتحدة الأمريكية ومصر قصصا مشابهة عدة مرات. وأحد الأسباب محاولة صناع السينما تناول نقيض طبقي كبير بين حبيبين، ما يخلق توترا تلقائيا في القصة مهما كانت عديمة الواقعية، وصعود الشخص من المستوى المنخفض إلى أعلى طبقات المجتمع. وتمثل العاهرة هنا المثال الأقصى للطبقة الدنيا من المجتمع. وقد يكون هنالك سبب آخر، وهو محاولة صناع السينما إضفاء نوع من الاحترام لمهنة العاهرة في المجتمع. والأمثلة كثيرة ومنها فيلم عايدة Ada (1961) الذي مثله دين مارتن وسوزان هيوورد، حيث يتزوج سياسي من عاهرة وتصبح شخصية سياسية كبيرة ورمزا للاستقامة والكفاءة. وفيلم «فطور في محل تيفاني» Breakfast at Tiffany’s (1961) الذي مثلته أودري هيبورن، و»نوتنغ هيل» Notting Hill الذي مثلته جوليا روبرتس أيضا. وهناك الأفلام التي أظهرت عالم الدعارة بشكل رومانسي مثل «ليالي في كابيرياط Nights of Cabiria (1957) للمخرج فدريكو فيليني و»جميلة اليوم» Belle de Jour (1967)، الذي مثلته النجمة الفرنسية كاترين دي نيف، و»الطاحونة الحمراء» Moulin Rouge (2001)، الذي مثلته نيكول كيدمان، و»اللص والكلاب» الذي مثله شكري سرحان وشادية.
قد يظن البعض أن قصة الفيلم خيالية تماما. ولكن هذا غير صحيح، حيث إنها تحدث أحيانا في الواقع وجميع البلدان، ولكن ليس بالشكل المرح الذي ظهر في الفيلم. وقد يكون أشهر مثال في التاريخ الإمبراطور البيزنطي جستنيان الذي تزوج امرأة من هذا النوع وجعلها امبراطورة شهيرة.

باحث ومؤرخ من العراق

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية