لا يُعد التحرر التدريجي للفن البصري عبر تاريخه الطويل من السلطان الكنسي والبلاطي، إنجازا معتبرا يحسب لصالح الفنان خصوصا، والعالم عموما، ما دام محتوى العمل وشأنه متعلقان بالتوقف عند الإطار، خاليان من التأمل والتدبير الذهني السليم، كونهما رهن الطبيعة والكون الشاسع بآلياته وجمالياته وهندسته الفتانة.
هكذ ارتبطت القراءة في النشاط البصري بالمشهدية حصريا، حتى نهاية الفترة الانطباعية أواخر القرن التاسع عشر. كما زاد الإفراط المتزايد في الإقبال على مرافق الحياة واستعادة الفُرَش لمظاهر الاستهلاك عبر الوسائل والوسائط الفنية المتعددة في تشريد الشخصية الإنسانية وإذلالها. تم ذلك سواء بتثمين الحضور الجسدي الإباحي، واستثمار المادة الشبقية في التمثيلات والتقديمات – كأطباق شهية وشهوانية متنوعة- أو بزيادة مستويات تصوير الرفاهية والمتعة، وتجويد مستوى الضوء في الألوان لتضمين المعاني الواقعية الجديدة المرتبطة بالتمدن (الالتحام مع الطبيعة، العائلة، المدينة، الترفيه، الاستجمام، الرحلة، القطار، المركب) من أجل التقاط «كليشيهات» تنقل وضعيات النمط الليبرالي اليومي لعدد من العائلات البورجوازية والصاعدة في أوروبا الغربية. إلا أن إحساس الحاجة الداخلية الذي يحدثه التناغم اللوني في الذات البشرية مثل، الثورة الحقيقية التي حملها بعض الطلائعيين في خضم التغييرات الكونية المتسارعة.
من بين هؤلاء السباقين، نجد الروسي الأصل فاسيلي كاندينسكي، الذي يعد أب التجريد بحق، رغم بداياته المتأخرة نسبيا في المجال التشكيلي، حيث منحته تجربته وبحثه المعمق في الخامة اللونية – بعد انغماس مطول في المد التأثيري والتعبيري – سبقا وجرأة في ترك العنصر الطبيعي خارج دائرة اهتمامه، سبيلا لتأسيس نظرية الطريقة الروحية، عبر استنطاق اللون بكل أصنافه وتدرجاته وملامسة مكامن الطمأنينة والنشوة الروحية والسعادة الداخلية للإنسان، سواء كان متقبلا أو فاعلا. فسُميَ بفنان «الحاجة الداخلية» من طرف معاصريه. ورد ذلك بالخصوص في مُؤلفه «من الروحانية في الفن، وفي الرسم بالخصوص» الذي صدر لأول مرة سنة 1911، كعمل تأملي يختصر جانبا من أصوله المحافظة والإيمانية، كشف فيه الفنان عن فكرة « الفن من أجل الفن»، التي تصطدم وتتقاطع كليا مع التوظيفات النفعية، وتذهب عكس الفهم المادي، إذ النتاج الفني لا يعد مجرد جسم متروك في زاوية، أو معلق على جدار، كما تتجاوز تأويلاته الوقوف البسيط عند مقدرات الخامة والشكل والحجم. وهي معطيات نجدها بالخصوص في سلسلة التشكيلات العشر ذات المرجعيات الدينية التي أنجزت بداية من 1910، طبقا لمجال نظره وبحثه وقناعاته المرتبطة بضرورة تحرير الخامات، والبحث عن التركيبة المناسبة، باعتماد نظرية المثلث الهرمي كمفهوم حركي تصاعدي لا يخلو من إشارات تكعيبية، إلى جانب الغوص في النظرية والفعل و»اللغة اللونية» المناسبة حسب تعبيره.

من ذلك نجد عمل «تشكيلة 7» العملاق ( 2×3 م) الذي تعد تركيبته التشكيلية مزدحمة بالتفاعلات والحركة حتى لا نكاد نفرق فيها بين اللون والجسم والخط والشكل والشخصية والخلفية. ذلك أن التشكيلات تقدم سلسلة محتويات تقنية وجمالية تنقل الفهم والإدراك البصري من الموضوع والإطار الزمكاني، إلى لحظة السعادة عبر سلم تصاعدي يمر بالأحاسيس والدلالات والسؤال (كيف، ماذا؟) وهي سلسلة تتضمن عددا من العناصر الكونية المرتبطة بسفر الرؤيا، ومسار الخلق بداية ونهاية، نظرا لما تسببه من تفاعل خارجي يؤدي لا محالة إلى السؤال والتقييم والتأمل الداخلي الصافي، الذي لا ينحاز لطبيعة ولا يتجه لمصلحة تحيد عن المرامي الفنية الخالصة. فيما سلكت «تشكيلة 5» بفراغاتها المنفتحة على الفرد وخطوطها المحلقة في أفق اللوحة البعيد، على شاكلة السور المعلق طريقة الإخبار عن صعود الرسالة، حاملة لمعاني الخلاص والخلود طبقا لتكامل المرجعين التوراتي واليسوعي. بينما يوحي تدفق اللون الأزرق المائل إلى التركي بجميع تدرجاته والتشابك المرتجل للأعمدة السوداء المتناثرة كالمجاذيف في «تشكيلة 5» إلى علامة كونية فارقة ترتبط بالطوفان، يمثل فيها التحول من الأحمر إلى الأبيض طريقا وطوقا إلى السكينة واستقرار الكون.

وهذا نزر من رسائل عبر عنها كاندينسكي في أكثر من ثلاثمئة عمل تميزت بالتصوير والتأويل في حالا، والارتجال والتركيب في حالات أخرى تجاوزت ما بعد الانطباع، ووظفت المعنى الموسيقي بتدرج الألوان وتجديد الخامة وخلق نوتات شكلية متصاعدة. هذا ما خلد نقلته التشكيلية التاريخية التي توقفت فيها مسيرته عند التجريد، لكن الألماني هوفمان أكمل المسيرة، وصولا إلى إدماج المنحى التعبيري المجرد الذي يعتمد في مجمله على الأداء والتفرد واللمسة والخامة المعتمدة والعفوية والشخصية.
بقي من المهم الإشارة إلى أن المفهوم الباستورالي، يختلف زمنيا ومضمونا عما يطرحه كاندنسكي. غير أن التجاور الوحيد بين المفهومين ينحصر أساسا في تأمل العظمة؛ عظمة الوجدان (الرعي، القرية، الصمت) في الباستورالية، مقابل عظمة الشخصية الفنية (الإبداع، الروح، الطمأنينة، الفن) في المعنى الروحاني بمنظار كاندينسكي الذي يبقى مقياسا ومرجعا لكل تحول. ولعلنا نبتعد كثيرا عن المرامي المتطلبة في هذا التناول، خاصة لما نعتقد أن المقاربة النفسية التي طرحها أب السريالية المنظر والكاتب الفرنسي أندري بريتون، تتماهى مع المحاور الروحانية. ورغم التجاور الزمني بين النظرتين، إلا أن البعد النفسي يتجه قدما إلى التخلى عن العقل واعتماد الخيال واللاوعي والإلهام الشعري والأدبي لتحقيق الإبداع. فيما تذهب الروح إلى تنقية المفاهيم الفنية عبر أبعاد العمق اللوني الحركي والموسيقي.
تخطيط مفهوم الحركة داخل المثلث الهرمي الكاندينسكي( الفن للفن).
كاتب تونسي