استعيدت أمس الخميس ذكرى اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي بمناسبة مرور 100 يوم على الحادثة، وقد جرت في نهر القضيّة الغريبة، منذ ذلك الحين، مياه كثيرة بحيث كشفت الكثير من تفاصيلها وأدّت، بعد إعلان عدة روايات متناقضة، إلى اعتراف المملكة بمسؤوليتها عنها، ولكنّها، في الوقت نفسه، حرفتها من كونها جريمة سياسية أشرف عليها رأس النظام، ممثلا بولي العهد محمد بن سلمان، إلى جريمة موظّفين خططوا لإعادة صحافي صريح صار صوته مزعجا لأولي الأمر الكبار وحين فشلوا لجأوا إلى قتله، كما أنها تركت العديد من الألغاز المفتوحة دون حل.
شهدت الاستعادة عالميا إدراكا لأهمّية الحدث وضرورة اعتباره رافعة مناسبة لمحاولة تخفيف ثقل الاستبداد الجاثم على صدر السعوديين، وكان مهما، في هذا السياق، مطالبة منظمة العفو الدولية بفتح تحقيق دولي حول ملابسات القتل، في ردّ على تجنب السلطات في الرياض كشف معلومات ذات مصداقية.
كما كان مؤثرا نشر مجلة «نيويوركر» الأمريكية تقريرا للورنس رايت، أحد أصدقاء خاشقجي، والصحافي الذي عمل معه وتابع مسيرته الإعلامية عبر السنين. يردّ المقال الذي يجمع بين المشاعر الإنسانية الدافقة خلال استذكار علاقة طويلة بين صديقين، والمعلومات الضرورية المهمّة التي تشكّل ردّاً على بعض كارهي خاشقجي والمتململين من عدم انطفاء نار قصته في الصحافتين العربية والعالمية.
منذ الساعات الأولى لانكشاف الحادثة ساهم طابور طويل من الكتاب والإعلاميين والناشطين العرب في الدفاع عن مرتكبي الجريمة بطرق خبيثة وغير مباشرة، مردّدين روايات عن أن الرجل كان «جهاديا» مقرباً من تنظيم «القاعدة» كما كان عضوا في جماعة الإخوان، وهي حجج خرقاء وغير إنسانية.
الرجل كان فعلاً عضواً في جماعة الإخوان وانسحب منها لاحقا، وهو أمر يشاركه فيه طيف سياسي عربيّ واسع، فالعديد من قادة حركة الضباط الأحرار المصريين كانوا أعضاء أو مقربين أو متحالفين مع الإخوان (قبل الاشتباك الدموي بين الطرفين)، كما كان أغلب قادة حركة «فتح» (بمن فيهم أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد) من خلفية إخوانية (باستثناء فاروق القدومي الذي كان بعثيا) قبل أن يؤسسوا الحركة العلمانية الطابع.
يبين رايت أن خاشقجي كان دائما مسلما ملتزما ولكنه رفض توجه الحركة الإسلامية نحو العنف، وهذا أمر قام خصوم خاشقجي بتجاهله عمدا والتلاعب فيه، مشيرا إلى صفاته الأخرى كصراحته وجرأته مقدما أمثلة كثيرة عليها ومنها المقال الذي كتبه خاشقجي بعد هجمات نيويورك عام 2003 في جريدة «أراب نيوز» والذي حمّل فيه مسؤولية الفشل الثقافي في السعودية للوهابية التي تعتبر العقيدة السائدة للمملكة، ورفض فيه «ثقافة الإنكار»، وهذه المواقف وشبيهاتها كانت من أسباب عزله من منصبه كرئيس لتحرير صحيفة «الوطن» مرتين، وإيقاف فضائية «العرب» التي كان سيديرها بعد 12 ساعة من انطلاقتها.
من الحجج الأخرى التي دافعت ضمناً عن اغتيال خاشقجي أيضاً هي التذكير بعمله مع الأمير تركي الفيصل في لندن وواشنطن، وهو ما يعني أن عمل صحافيّ مع أحد مسؤولي بلاده أمر يبرّر قتله وتقطيعه وتذويبه بالمواد الكيميائية!
مدعومة من أمثال هؤلاء المثقفين والصحافيين والناشطين، وبتغطية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاء إقليميين وعرب، تتعامل السلطات السعودية مع قضية خاشقجي كما تعاملت مع الصحافي نفسه، فهي تقوم بتقطيعها إلى أجزاء بين الإعلام والمحققين والنيابة العامّة والدبلوماسية واللوبيات، على أمل أن تصل لاحقاً إلى تذويبها واختفائها كما فعلت مع الجثة بالضبط!