ما أنجزته إيران في ثلاثة عقود من العمل السري، على صعيد القدرات النووية، وهو كثير، تستطيع مصر إنجازه في عقد واحد من العمل العلني.
وإذا كان اتفاق إيران والدول الخمس زائد المانيا، يقضي بوقف اندفاع إيران في برنامجها النووي، أو الشق العسكري منه على الأقل، لفترة زمنية تزيد عن عقد ونصف العقد، فإن هذا يعني أن الامة العربية، أو قل دول المشرق العربي، ما زالت داخل منطقة الأمان، وإن كانت تقترب من حدودها.
على أن إيران، وكل دولة أخرى أحرزت ما سعت إليه، لم تصل إلى ذلك بالصدفة، ولا بالتمني، أو بضربة حظ وحسن طالع، وإنما بالتخطيط والإعداد والعمل الجدي المتواصل. ومصر اليوم (وليس مصر الامس المتخلف الذي كشفته ودحرته مظاهرات الثلاثين من يونيو 2013، ولا مصر أول امس، مصر الخريف والتوريث الذي قضت عليه ملايين ميدان التحرير في 25 يناير 2011 )، قادرة على الإنجاز وتحقيق ما تضعه لنفسها من أهداف. مع التأكيد على أن ذلك مشروط بإعمال الفكر، والتعاطي مع هذا الأمر بجدية وتصميم، لبلوغ الهدف والغاية، بسرعة تستدعيها الظروف. ولتجنب معادلة التجربة والخطأ، ينبغي استيعاب تجارب الآخرين والنسج على منوالها، بما يتلاءم والظروف الذاتية للمجتمع المصري.
اعتمدت إيران الامام الخميني، فور الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي، سياسة تقوم على ركيزتين، تشكلان أساسا وقاعدة انطلاق لتلك السياسة، وهما: تحديد عدو واضح للشعب الإيراني يجب مواجهته، من جهة، وتحديد هدف سامٍ للشعب، قابل للتحقيق، وجدير بالعمل والتضحية لبلوغه، من جهة اخرى، يشحذ الهمم، ويحشد الطاقات الكامنة للشعب. كان العدو الاول للشعب الإيراني، كما حددته ثورته الفتية، هو اسرائيل التي اعتبرتها إيران «الشيطان الأصغر»، فصادرت سفارتها في طهران، وسلمتها لفلسطين التي عينت هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، اول سفير لها في طهران. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد اعتبرتها إيران «الشيطان الاكبر»، وحجزت دبلوماسييها، وتسببت في عدم التجديد لكارتر في البيت الابيض، عندما افشلت خطته/حملته لانقاذ الرهائن الأمريكيين.
على الشق الآخر، والاكثر اهمية، حدد النظام الجديد للشعب الإيراني، هدفا ساميا واضحا قابلا للتحقيق: النهوض لنقل إيران من عهود التخلف والتبعية والاعتماد في كل امور الحياة على الغير، إلى زمن الإلمام الحقيقي بعلوم العصر وتقنياته، واستيعابها وتطويرها، بالاعتماد على الذات. وكان الطريق الذي سلكته القيادة الإيرانية، هو التركيز الجدي والمتواصل لرفع سوية التعليم في البلاد من الصفوف الأولى في المدارس الابتدائية، وحتى الدراسات العليا والمتخصصة والابحاث العلمية التي رصدت لها كل الموازنات المطلوبة. وفي عام 2009 (العام الثلاثون للثورة الإيرانية)، نجحت إيران بإطلاق اول قمر صناعي من انتاج علماء ومهندسين إيرانيين، ودخلت بذلك نادي الدول المتقدمة، القادرة على حماية مصالحها بقواتها وبقواها الذاتية.
ويحضرني في هذا السياق، أن اسرائيل اصيبت بالذهول وغاية الانزعاج، عندما نشرت مؤسسة عالمية قبل بضع سنوات، ( وانا اتحدث هنا من الذاكرة عن هذا الموضوع )، نتائج اختبارات في اكثر من مئة دولة في العالم، على مدى استيعاب تلاميذ احد الصفوف الابتدائية في مادة الرياضيات. واظهرت تلك النتائج احراز تلاميذ إيران المرتبة السابعة على مستوى دول العالم، في حين احرز تلاميذ اسرائيل المرتبة الثانية والعشرين، على ما اذكر. وفي حينه حفلت الصحف الاسرائيلية، وعلى مدى ايام عديدة، بتحليل هذه النتائج المذهلة، وضرورة اعادة النظر في كل ما له علاقة بالتعليم في المدارس الاسرائيلية، بدءا من وزير التعليم وواضعي البرامج، وصولا للجهات التي تعين المدرّسين، وتحديد رواتبهم.
وما ينطبق على إيران في هذا السياق، ينطبق حرفيا على اسرائيل. فالاهداف السامية بالغة الوضوح، واما العدو فهو العربي، والبديل هو الفلسطيني، و»البحر من ورائكم، والعدو من امامكم، وليس لكم والله الّا….»، ورحم الله طارق بن زياد.
على أن إمكانية بناء قدرات نووية عربية لاغراض سلمية، قابلة للتطور في أي اتجاه تفرضه الظروف، في الدولة العربية الاكبر والاعرق، ليشكل مظلة لحماية حاضر ومستقبل الامة العربية، يستدعي دعما ماليا عربيا، ومساهمات عربية بلا حدود وبلا شروط. كما يستدعي الامر بالضرورة ألا يحول التركيز هذه الايام على إيران وقدراتها النووية، دون مواصلة التركيز على اسرائيل وقدراتها النووية.
كل ذلك لا يعني بأي حال، اننا على عتبات حرب مقبلة، بل ربما أن تطورا مطلوبا في هذا الاتجاه، يقود إلى استبعاد أي حرب مدمرة في المنطقة بسبب توازن حقيقي في ادوات واسلحة القتال غير التقليدية. ذلك ما تعلمنا اياه التجربة والنظر إلى التطورات في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قاد توازن الرعب إلى عدم اندلاع اي مواجهات عسكرية جدية، بين مالكي القدرات النووية العسكرية في الشرق والغرب، كما قلل من وتيرة المواجهات بين جيشي الهند وباكستان، إثر اضافة كل منهما السلاح النووي إلى ترسانته العسكرية. ولهذا يمكن اعتماد الاعتقاد بأن هذا السلاح غير التقليدي، هو اداة للردع فقط، لا للاستعمال، اداة لمنع العدو من التمادي المبالغ فيه في اي مواجهات عسكرية بالاسلحة التقليدية، تهدد بعضا من المصالح (التي يمكن الاستغناء عنها)، ولا تهدد الوجود ذاته.
نجحت القيادة المصرية عندما تبنت سياسة وضع شعبها امام تحدي إنجاز مشروع عملاق، هو حفر قناة السويس 2، خلال اقل من عام واحد، بتمويل وتخطيط وتنفيذ مصري صرف. وهذا دليل قاطع على أن الشعب قادرعلى تحقيق المعجزات، إذا توفرت له قيادة ملائمة.
٭ كاتب فلسطيني
عماد شقور