كان تصوري أن أكتب في إطار عام يتعلق بنشر الكراهية من الحرية والديمقراطية، وما تحول إليه الواقع في مصر من مزاد يقيس تعريف المواطنة وفقا للعلاقة بالسلطة والدفاع عنها، ويخرج من يشاء منها ويدخله في أهل الشر والأعداء المدافعين عن إسقاط الدولة، وكيف توسع هذا الخطاب من أحاديث السلطة للإعلام لغيرها من الصفحات والتعليقات على الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.
حديث طرحه سهولة ترويج هذا الخطاب، استفادة من خوف الناس من المجهول، خاصة بعد ثورة 25 يناير وجهود الربط بين السلبيات ويناير، بدلا من التركيز على حقيقة استهداف يناير، وعدم تحقق أهدافها وغيرها من التفاصيل التي تسقط عمدا.حديث لم ير النور قبل أن نصطدم مره أخرى بالعنف والإرهاب والدماء، ونتوقف أمام صور الموت ومظاهر الحزن والوجع، ونعيش مع الوطن مشاعر الحزن والغضب والخوف.
جاء الحادث الإرهابي في مسجد الروضة في سيناء يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017 صادما ومخيفا ومحزنا لاعتبارات مفهومة ومنطقية. حزن يصعب وصفه، ومصاب مهما كانت العبارات المستخدمة للتعامل معه، يظل لمن فقد عميقا وأشد من كلمات المواساة المقدمة، بعد أن استشهد أكثر من ثلاثمئة فرد، وأصيب أكثر من مئة آخرين، من قرية يتجاوز عدد سكانها الألفين بقليل، ليصبح الفقد والحزن جزءا أساسيا من حياة الجميع فيها.
الحزن في مواجهة صور من رحل، وبقايا ما كان من تفاصيل اللحظات الأخيرة، بقايا أحلام وتعليقات ساخرة وصور مبتسمة على صفحات من رحل، على الفيسبوك تواجه الجميع بالتساؤل عما حدث ويحدث، وعن الحقيقة الغائبة رغم تكرار حالات الفقد والألم المعاناة.
حزن يختلط بالخوف والغضب أو تنويعات من خوف من واقع، وخوف من مجهول مقبل في أعين الأحياء، وانتظار أهالي المصابين، وأعين أطفال حائرة لا يمكنها أن تستوعب بشاعة الحدث، ولا أن تفهم كل ما يحيط بها من تنظيرات وعبارات، لا تعيد لهم لحظة اطمئنان حقيقية ولا تقدم ما يمكن فهمه عن الأسباب، لأن ما حدث لا يمكن قبوله أو استيعابه بعيدا عن السياسة وصراعاتها المعلنة والخفية، التي لا تهتم بقيمة البشر أو قيمة المكان أو التوقيت، ولا ترى في كل ما سبق إلا وسائل لبث رسائل خوف وتهديد.
وبعيدا عن مشاهد الحياة التي كانت، والأحياء الذين عليهم التعايش مع واقع ما بعد الكارثة، تحضر مخاوف أن يكون الألم والغضب عابرا كما حدث في كوارث أخرى، قبل أن تتوارى قصص البشر خلف تفاصيل الحياة وتتجدد في صور وكوارث أخرى.
بالإضافة إلى ما سبق، ومن أجل تعميق السلطة وتقييد غيرها، تطل علينا وبسرعة أصوات المزايدة في الكراهية ضد الصوت المختلف، ومطالب إغلاق بقايا المجال العام، بما فيها مطالبة البعض بتجريم السخرية بوصفها محاولة لإسقاط الدولة، عبر تشويه مؤسساتها، إلى جانب تحويل قانون تقييد وسائل التواصل الاجتماعي أو ضبطها – كما يقال- إلى أولوية برلمانية ليصبح لسان حال البعض كيف يمكن توظيف كل كارثة من أجل بناء المزيد من الأسوار المادية والمعنوية، وإيجاد وسائل لوضع عدد أكبر خلف الأسوار المادية، إن لم يقنعهم التهديد ببناء أسوار معنوية – ذاتية.
تعيد تلك الأصوات مطالبات متكررة بغلق الدولة، والمزيد من إطلاق يد السلطة بدون أن تقول كيف تحدث الكوارث الجديدة، رغم كل ما سبقها من قيود ومن إطلاق يد السلطة ومؤسساتها، ومن إنفاق على السلاح باسم الأمن وتوفيره؟ لا تقول كيف تأتي سيارات الجماعات الإرهابية وترحل بدون أن تواجهها قوات الأمن، أو تضبطها في وقت قريب من وقوع الحدث؟ ولا تشرح لماذا يسارع نشر البيانات التي تؤكد معرفة مصادر العناصر الإرهابية – حتى وإن لم تعلن عن نفسها- وتتحدث عن استهداف سيارات بدون تقديم أدلة واضحة عن علاقة من استهدف بالعمل الإرهابي المقصود؟ وما هي أسباب ومخاطر الحديث عن السماح بتسليح جماعات مدنية في سيناء، رغم أن الدولة هي وحدها التي تملك الحق في احتكار القوة واستخدامها وفقا لأصل الأشياء.
محاولات كثيره تبذل من أجل تكرار خطاب السلطة وتأكيد مسؤولية أطراف بعينها عن الحدث، والخروج منه بمظهر المنتصر، لدرجة تأكيد الخطاب الرسمي ومن يؤيده، على أن العملية الإرهابية جاءت للرد على الإنجازات، في محاولة تلميع السلطة على حساب الكارثة، بدون السؤال عن دور تلك الإنجازات في توفير الأمن أو القبض على المسؤولين ومعرفه من وراءهم، بعيدا عن الأحاديث الإعلامية المرسلة التي تزيد من حالة التخبط وتساعد في تغييب الحقيقة.
يبدأ مزاد الكراهية ومعه مسلسل تقديم صكوك المواطنة أو نزعها من قبل خطاب الصوت الواحد، الذي لا يرى الا ما تراه السلطة، ويدافع عما يخدم وجودها وتحسين وجهها. خطاب سهل البناء، وسهل الانتشار لأنه يقوم على الصوت المرتفع والتكرار، ووضع مجموعة من السلبيات في قائمة عداء جاهزة، تطلق على كل من ينتقد ويطالب بإصلاحات، ويرى أن الديمقراطية هي الحل، وأن تمتين الداخل لا يتم عبر القهر وإغلاق المجال العام، ولكن عبر حرية التعبير عن الرأي. فيقال إن من يدافع عن الحرية يطالب بحرية التعري والمثلية الجنسية، وإن من ينتقد السلطة حزين من إنجازاتها، وإن من يطرح أسئلة وسط كارثة ويتحدث عن أداء مؤسسات الدولة وأوجه القصور في التعامل مع الكوارث، إنما يساهم في إضعاف الروح المعنوية للمؤسسات ويعمل على إسقاط الدولة وليس العكس.
هكذا ببساطة يتم التعليق على من ينتقد، ويتم نشر بخار كثيف على الصورة حتى تضيع معالمها، وتنشر الكثير من العصافير في ساعات البث الممتدة من أجل إلهاء الجماهير، خاصة وسط حالة الحزن التي تتبع الكارثة. وسيلة سهلة تظهر في صورة تعليقات على صفحات التواصل والصحف، كما حدث مؤخراً مع كاتب تلك السطور. ما أسهل أن تدخل وتكيل اتهامات عامة تربط كل ما هو سلبي في ذهن الجماهير، وبالمخالفة للحقيقة، بكل ما يتم الدعوه له من أجل وطن حر وديمقراطي. ومع إضافة تفاصيل الخلطة القمعية للنقد عبر التخوين والتشكيك، تضاف عبارات خارج منطق الحوار واحترام الكلمة مع عبارات عامة تؤكد أن من كتب التعليق لا يتابع الكتابة، ولكن قد يكون هذا هو حال من يقرأ التعليق أيضا ويصدق، أن النقد كرها رغم أن النقد ملازم للحب والخوف على ما نحب، وما أكثر أهمية من حب الوطن والخوف عليه وتمييزه عن الكراسي ومن يجلس عليها.
المستهدف في النهاية أن من يرى التعليق، أو غيره من وسائل نشر كراهية الحرية والنقد والديمقراطية، يقتنع بأنه الحقيقة، ويربط بين الديمقراطية والسلبيات، كما تم الربط بين 25 يناير والشرور. هذا الإلهاء والتخوين القائم على تمرير خطاب الإنجازات، والربط بين النقد وأهل الشر، يساهم في تهميش القضايا الأساسية وبشكل غير مباشر في تكرار الكوارث، لأن المواجهة الحقيقية لا تحدث، وتمتين الجبهة الداخلية لا يتم ومحاسبة المسؤول تضيع وسط أصوات التخوين والكراهية واتهامات أهل الشر وقوائم الوطنية المستحدثة.
أحرص على متابعة التعليقات بصفة عامة، بدون التقاطع معها بشكل مباشر إلا عندما تفرض نفسها علي المشهد وتضيف للصورة، سواء اتفقت أو اختلفت مع ما كتبت. ولكن بعض التعليقات، كما ظهر مؤخراً، تمثل جزءا من آلة التخوين ومزاد كراهية الحرية القائم، وتشويه مطالب الديمقراطية والإصلاح، وتقديمها بوصفها دفاعا عن كل ما يخالف الدين والقيم. وسيلة لإبقاء سلطة أعلن رئيسها أنه لم يحقق تعليما أو صحة أو سكنا أو عملا جيدا، ويؤكد الواقع أنه لم يحقق أمانا أو استقلالا أو يحمي سيادة، بعد أن شهد حكمه تنازلا عن جزر وتمليك أراض في سيناء لأجانب، والسماح ببيع الجنسية وأصول الوطن في ظل انخفاض العملة الوطنية، وتقييد الوطن والعمل على الاستمرار في الحكم باسم الخوف وفوبيا إسقاط الدولة.
أبرز ألم الموت في سيناء، بكل ما أحيط به من مزاد كراهية ودعم للقمع باسم الأمن، خطورة تكرار خطاب بث الكراهية من الحقوق والحريات والديمقراطية، وكيف يتم التركيز على تقديم صور مكروهة لها من أجل ترسيخ السلطة، تماماً كما حدث مع ثورة 25 يناير. وإن كان ألم الموت يرتفع على ما سواه، واحترام الحزن مقدما دوما، فإن تمتين الوطن ضد الكوارث يتطلب مواجهة خطاب الكراهية والتخويف من الحرية والديمقراطية، وهو أمر أكبر من تعليق وبحجم وطن ومعركة مفتوحة من أجل الحرية والديمقراطية، ومن أجل كرامة الإنسان وحقه في حياة تستحق أن تكون حياة بلا تخوين وبلا قيود سلطة وعنف إرهاب.
يقول الشاعر أحمد مطر: «لقد شيعت فاتنة، تسمى في بلاد العرب تخريبا، وإرهابا، وطعنا في القوانين الإلهية، ولكن اسمها والله، لكن اسمها في الأصل حرية». ومن أجل تلك الحرية الضرورية للوطن نكتب، وفي ظل الإيمان بالديمقراطية نقبل الكلمة ونتحاور مع الرسائل التي تحملها، ونفكك أبعاد الخطاب عندما يتجاوز المنطق ويتجاوز حدود دور السلطة، أو يعمد إلى تبرير القمع والدفاع عنه. ومن أجل الوقوف في مواجهة الفقد والألم نؤكد مع محمود درويش أننا «سنكتب من أجل أن لا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا» في أن يكون لدينا وطن أكثر حرية وعدلا وتسامحا، وأكثر ديمقراطية ومكاشفة ومحاسبة حتى لا تضيع دماء الأبرياء وسط العنف والقمع، وتتوه الحقيقة وسط آليات الإلهاء، ويدفع الجميع الثمن من سيادة الوطن وحياة البشر.
كاتبة مصرية
عبير ياسين