زمان كان الشاعر يبقى وفيا لشعره حتى الرمق الأخير، ولا داعي لذكر الأمثلة. فتاريخنا الشعري طويل والأسماء البرّاقة عليه لا نهاية لها.
ثم حدثت التغيرات التي جعلت الشعر يفقد سلطته والشاعر يفقد بريقه، حين زحفت الرواية على السبل التي كانت تؤدي به للنور، ورمت خلفها الشعر والشعراء ليتخبطوا في الظل لسنوات، ثم فجأة بدأ الشعراء يطرقون باب الرواية ويتخلصون من أثقال نصوصهم الشعرية التي لم تعد تعبر القلوب.
بعض الشعراء كما قلت سابقا نصبت لهم المقاصل بسبب شعرهم، ويبدو أن الخيارات بين الشعر والحياة تجعل الكفة دائما تميل صوب الحياة. قذف هؤلاء بشعرهم من أقرب نافذة وكتبوا أشياء لا تهز «مشاعر» أنظمتهم… كتبوا السخافات التي تحميهم ليواصلوا الحياة. صمتوا لأن الصمت في الغالب الدرع الواقي لهم من رصاص من لا يتحمّلون إيقاع الشعر.
لكن لنكن واقعيين إن كانت هذه ظروف تحيط الشعر منذ الأزل فما الذي تغير اليوم؟ هل نحر الشعراء قصائدهم وقدموها قربانا لأرباب «الأمر والنهي»؟ أم أن ما حدث يتعلق بالشعراء أنفسهم؟
يعرّف شاعر ألماني قرأته صدفة ونسيت اسمه الشعر على أنه «مسألة قلب» وهذا أبلغ تعريف قرأته للشعر على مدى حياتي كلها، يقول إنها مسألة قلب أولا يلزمها نشاط فكري ينبغي أن يصاغ لسبب يجهله.
أين قلوبنا اليوم من هذا التعريف المخيف؟ هل أصابها العطب؟ أم أصابها الملل من كثرة الشعر الذي يتكرر في وصف الفواجع؟
منذ سنوات والشعراء لا يخرجون من دوائرهم الضيقة. وأعتقد أن قلوبهم إن لم يصبها التّلف بسبب ظروفنا الحياتية الصعبة في العالم العربي فقد أصابها نوع من العطب حال بينها وبين عشق الحياة.
هو نبض الحب الذي ينجب الشعر، فجأة ومثل نجمة هاربة يُحدِث الحب معجزته الأبدية في صدر العاشق ثم تنبلج الرؤيا عن جملة صغيرة تجر خلفها مئات الجمل الجميلة المغزولة بالمعاني.
يشكو شعراء اليوم من فقدانهم لتلك الجملة الصغيرة التي تصوغ البداية وتجر خلفها الكثير من الكلام. يشكون أيضا من اختفاء ذلك الهمس السحري الذي يأتيهم في حالات استثنائية تشبه رائحة الماء والتراب معا حين تسبق هطول المطر بعد موسم من القحط. هذا الذي نسميه الإلهام يأتي هكذا من دون تفسير منطقي، حتى أننا في الغالب نطلق عليه أسماء مختلفة مثل شيطان الشعر، أو جنية الشعر، أو الحالة الشعرية أو غيرها من التسميات وكلها تصب في منبع واحد. وقد قيل إن المرأة هي الملهمة الأولى للشعراء، ثم بعدها تأتي المدن، وبعدها القضايا الوطنية..
فإن كانت كذلك فما بال المرأة انكفأت على نفسها؟ وما بال المدن فقدت بريقها؟ وما بال هذه الأوطان لا تحرّك النخوة لتخليصها مما حلّ بها من سلب ونهب لحلتها الجميلة؟ كل شيء في ظل هذه الحقبة العصيبة من تاريخنا فقد سحره التحريضي للحياة.
يقول جمهور الزمن الجميل إن المرأة كانت تتزين للرجل لتجعل حياته جميلة وتتأنق لتسعد بنفسها. تخرج للشارع وكأنها وردة، تدخل المحلات للتسوق وكأنها فراشة ربيعية، تتنقل بين الأماكن وتنشر سحرها فتفرح القلوب وتنتعش النفوس فينبثق الشعر لا من قلوب الرجال فقط بل من شقوق الحجر.
كان للحياة إيقاع آخر غير الذي نعيشه اليوم، حيث أصبحت المرأة تغطي جمالها بعد حملة الفتاوى التي حرّمت كل أشكال الأناقة على المرأة حتى انكسرت كل رغبة جمالية في نفسها، فترى الواحدة منهن ترتدي قطع ملابسها من دون أي تناسق، وإن لم تتستر من قمة رأسها إلى أخمص قدميها فهي تغطي جسدها بما تعتقده لباسا محتشما، وقد تساءلت دوما ألا يمكن للحشمة أن تتجانس مع الأناقة؟ وللأسف يبدو أن المرأة دخلت في نفق طويل من الاستهتار بنفسها، بعد المبالغة في مراقبتها وعقابها وإذلالها بسبب أنوثتها.
جرّ التعبُ التعبَ، وجرّ الإحباط الإحباط…وهلم جرّا…
وها نحن اليوم أمام شعوب بأكملها تمشي وهي تتأفف من صعوبة الحياة ومرارتها، هذا غير الحروب الأخيرة التي كشفت الستار عن مخطط الكراهية الذي بدأ بكره المرأة وانتهى بكره كل أشكال الحياة. هل بقيت هناك مدن تشعل شرارة الإلهام في قلوب الشعراء والكتاب؟
ربما اتسعت رقعة الدموع التي سالت من أجل مدن انتهت نهايات بشعة… وقد كانت في قرون مضت سيدات المدن. الخراب أخرس ألسنة الشعراء… هم الذين كانوا يعتقدون ربما أن الحرب ليست بهذه القسوة وهذه الإبادات. تراه «حسبها غلط؟» أم أن مرحلة الصمت هذه قد تليها مرحلة جديدة يغرّد فيها الطير الجريح ما فقده؟ حسب اعتقادي ما عادت هناك قضايا بعد أن أصبح الأعداء منا وإلينا. ماذا سيقول الشاعر في وطن يحتضر بسبب طعنات أبنائه؟
مأزق الشعر كبير. وهروب الشعراء إلى الرواية ليس سوى الورقة التي تبقيهم في الواجهة كطريقة تضمن لهم الرواج على أنهم أحياء يرزقون. وانتقادهم على هذا الأساس ليس من حق أحد ربما، لكن لنطرح سؤالا غير بريء وننتظر الإجابة من الذين مشوا مع موجة الرواية فقط لكسب شريحة قراء جديدة ماذا قدموا للشعر حتى يحافظ على مكانته؟
صحيح أن مأزق الشعر عالمي، ولكن حدة هذا المأزق نعانيها نحن أكثر من غيرنا.
خلال الحرب العالمية الثانية انتعش الشعر الذي تحوّل إلى أداة لمقاومة الحرب والموت. وقد صدرت مئات الكتب النابضة شعرا خلال الحرب وبعدها. نصوص حملت في طياتها نزاع النفس مع جنون القتال. فتحوّل الشعر إلى لوحات جميلة رغم كم الحزن المحمول بكلماته. لم تخلُ الحروب من قصص الحب البارعة الجمال، ولم تخل من فوانيس مضيئة زينت الزوايا المظلمة وسط الخراب لكنّها تحتاج لأقلام تخرجها من هناك.
لقد مضى الإنسان بابتكاراته المختلفة والكثيرة بعيدا عن الجوهر المستقر للحياة، لكن من حسن حظه أن كل مشاريعه المستقبلية، تكنولوجية كانت أو خلاف ذلك، فهي مبنية على «كلمة». تلك الكلمة التي تنزل من مكان مجهول وتجر معها باقي الكلام، وكلام على كلام فتُغزل الأفكار، وأفكار على أفكار فتبنى الحضارات.
نعيش اليوم عصر الطائرة التي قطعت الأطلنطي بالطاقة الشمسية وعصر التلصص على المريخ وباقي الكواكب، لكن هذا لا يعني أننا لسنا بحاجة للقصيدة. ولا يعني أن الزمن لم يعد زمنا للشعر لأنه زمن الرواية. التسميات كلها لا معنى لها إن عرفنا أن الحالمين بتغيير وجه العالم كتبوا قصائد خرافية لحبيباتهم، ومنها استلهم العلماء اختراعاتهم. كان العشق بخير، والقلوب كانت ترى الجمال في منابعه فيقطفه الشعر بكل مثيراته الممكنة، فهل من تفسير لهذا الموت الذي يحيط بنا من كل الجوانب؟
إن كان الشعر حقا مسألة قلب فما الذي أصاب قلوبنا؟
رجاء عودوا للشعر إن كنتم شعراء حقيقيين ، تصالحوا مع قلوبكم، واكتبوا خيالات الحب التي تجول في رؤوسكم، أكتبوا الرواية إن شئتم بجنون الشعر لكن لا تخذلوا الشعر لأن الجمهور «عايز كده»…!
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين
بروين حبيب