مراجعات لا تراجعات!

حجم الخط
7

لا أعتقد أن هناك تعبيراً قد راج في الفترة الأخيرة مثلما راج وانتشر «ورطرط» تعبير (النقد الذاتي)، لم تعد تدخل أو تحضر مناقشة بين المهتمين بالشأن العام، إلا ووجدت من يتحدث عن ضرورة النقد الذاتي الذي يجب أن تتم ممارسته على الفور وقبل فعل أي شيء آخر، يفضل البعض أحياناً استخدام كلمة (المراجعات)، والمضحك المبكي أنك في أغلب الأحيان ستجد أن من يتحدث بإفراط عن أهمية النقد الذاتي أو المراجعات، لا يمارس ذلك على شخصه ومواقفه، بقدر ما ينتظره أولاً من خصومه أو مخالفيه في الرأي.
مبدئياً تعال نتفق على اعتماد تعبير (المراجعات) واستبعاد تعبير (النقد الذاتي) الذي أجد مشكلة في تقبله فيما له علاقة بالسياسة، لأن العمل في السياسة ولو بإبداء الرأي، لا تنطبق عليه أحكام الصواب والخطأ القاطعة، بل هو مرتبط باختيارات لها علاقة بما هو أفضل أو أقل سوءاً أو بما هو متاح وممكن أو أقل تعذراً، وأظن وليس كل الظن إثماً أن (النقد الذاتي) بغض النظر عن رشادته أو رغبته في جلد الذات، يحيل إلى رفاهية قد لا يمتلكها المشتبكون في معارك لا تنتهي مع الاستبداد والتطرف والقهر بكافة أشكاله، وربما كان يليق أكثر بمجتمعات استقرت بها أشكال العمل السياسي وممارساته، على عكس (المراجعات) التي ترتبط بتغيرات الواقع ومحاولة فهمها لتطوير التعامل معها. لا أدعي أنني أقدم الآن تصوراً ضافياً أفرق فيه بين تعبيرَي (النقد الذاتي) و(المراجعات)، لكنني أدعي الشعور بأن مصطلح (المراجعات) أكثر عملية وواقعية، وسأحيلك هنا إلى ما كتبه المفكر والمؤرخ اللبناني فواز طرابلسي عن استخدام فصائل اليسار لفكرة النقد الذاتي الذي أصبح أشبه «بعُصاب ديني قائم على شعور عميق بالذنب»، وصارت «ترجمته العملية إما مهمة نقد ذاتي مؤجلة دائماً أو مطروحة دائماً على الآخر، وإما الجلد الذاتي العدمي».
أعتقد أن إمعان النظر في ممارسات وتصريحات كثيرة لمن شاركوا في ثورة يناير، سيستدعي لديك وجاهة كلام أستاذنا فواز طرابلسي، الذي أضيف إليه ملاحظتي أن الكثيرين ممن يعلنون نقدهم لأنفسهم ومواقفهم، يتصورون أن مهمتهم تنتهي عند إعلان خطأ المواقف التي اتخذوها خلال مراحل الثورة المختلفة، والتي كان يجب استبدالها بمواقف مختلفة، دون أن يصحب ذلك القيام بتحليل لأسباب اتخاذ المواقف التي اعتبروها خطأ، ومدى ارتباطها بظروف الوقت الذي تم اتخاذها فيه، وبطبيعة علاقات القوة المحيطة وقتها، لأن الحرص على تقديم هذا التحليل، يجعلنا نتجاوز الهوس بفكرة تسجيل المواقف والصوابية السياسية التي أصبحت موضة عصرنا، بكل ما يرتبط بالموضات من عناصر إيجابية محرضة على التغيير، وعناصر سلبية قاتلة للتغيير الفعلي، وهو ما لا يمكن فصله أيضاً عن ممارسات النقاء والتطهر الثوري، التي من أكبر لعناتها أنها تسود في حالة المد الثوري الذي يرى فيه الكثيرون الأشياء من حولهم أكبر من مقاييسها الحقيقية، وتسود أيضاً في حالة الجزر الثوري الذي يميل فيه الكثيرون إلى عدم الرغبة في رؤية أي شيء على الإطلاق.
العتب على النظر، ولذلك أتحدث في حدود ما تابعته، وأدعوك إن وجدتني مخطئاً إلى المشاركة في نشر ما ترى أنه يقدم مراجعات لا تُعنى بإصدار أحكام بالخطأ والصواب، بقدر ما تسعى لفهم المواقف وتحليلها. ولكي أشرح وجهة نظري أكثر، سأحكي لك عن شهادة نشرت بعد أشهر من وقوع مذبحة رابعة، بعد أن اشتدت الهجمة على كل ما له علاقة بثورة يناير، قرر صاحبها الذي أثق في إخلاصه وإيمانه بالحرية والعدالة الاجتماعية، أن يعلن شهادته الخاصة على سنوات الثورة، فقال إن أبرز خطأ وقع فيه أنصار الثورة هو موافقتهم على أن يتم الاحتكام إلى قوانين ثورية، بل إلى قوانين وضعتها الأنظمة السابقة للثورة، وهو قول لا ينفرد به صاحبه، بل يشيع بين الكثيرين، وأظن أنه قول لا علاقة له بالواقع الفعلي، سوى أنه يعطي قائله شعوراً بالراحة لأنه وضع يده على مربط الفرس، لكنه لو عاد إلى الوراء، وتأمل بهدوء تفاصيل الأحوال السائدة وقت قيام الثورة، وطبيعة من اشتركوا فيها، وتفاصيل حسمها السريع للإطاحة بشخص حسني مبارك، واختلاف علاقات القوى بين أطراف المشهد السياسي، لأدرك أنه أخطأ في افتراضه إمكان غير الممكن.
ولكي لا أكرر أخطاء الآخرين في استثناء أفكاري من المراجعة، سأقول لك أنني كنت من الذين يستريحون للقول بأن أكبر خطأ وقعت فيه الثورة هي مفارقة الملايين لميدان التحرير عقب خلع مبارك، قبل أن تفرض شروطها كاملة، لكنني بعد لحظة التفويض وما أعقبها من مذابح نالت تأييداً جماهيرياً ساحقاً، لا ينكره إلا من يخدع نفسه، لم أعد أعتقد بصحة هذا القول، وأرى فيه وقوعاً في خطأ شائع هو استسهال الافتراض بقدرة موقف مختلف على تغيير الواقع، مع أن أي قراءة صادقة لطبيعة المواقف الشعبية من الثورة خلال أيام الميدان الثمانية عشر، يوحي بأن من كان سينقض على الميدان إذا ظل ممتلئاً بالثوار، سيكون كثير من الذين قامت من أجلهم الثورة، إن لم يتكرر وقتها مشهد مذبحة رابعة بتفاصيله، لا لشيء سوى أن الهدف الذي كان يحظى بأكبر قدر من التوافق الشعبي هو الإطاحة بحسني مبارك وأسرته، أما تحويل العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية إلى واقع فعلي، فقد كان وما زال وسيظل محتاجاً إلى كيانات سياسية لها رأس وعقول وأجساد، تستخدم كل التفاعلات السياسية من الصراع إلى التفاوض إلى التحالف إلى المقاطعة إلى التظاهر، ولا تعتبر التظاهر سلاحها الأول والأخير.
لذلك أعتقد أنك إذا أردت مراجعة ما قمت به من مواقف بشكل فعال، فإنه ليس من المجدي على المستوى العملي، حتى لو أجدى على المستوى الشخصي، أن تندم على أي قرار اتخذته عقب الثورة ولو كان شخصياً، دون أن تسأل نفسك قبلها لماذا اتخذت ذلك القرار، وكيف كانت رؤيتك للواقع وقتها، وكيف كانت مواقف الطرف الذي وقفت ضده؟ وكيف كان تأثيرها على قرارك؟ وهل حدث في مواقف ذلك الطرف تطورات أو تغيرات تجعلك ترى خطأ موقفك؟ ثم الأهم من ذلك كله أن تدرك حجمك الحقيقي وطبيعة دورك، لأن دور الفرد يختلف عن دور الفرد المؤثر، ودور الكاتب أو الناشط المستقل يختلف عن دور الناشط المنتظم في حركة سياسية، ودور جميع هؤلاء يختلف عن أدوار قادة الحركات السياسية والأحزاب والتنظيمات، وربما كانت من أبرز مشاكل مواقع التواصل الاجتماعي أنها أعطت للكثيرين تصورات خادعة عن أنفسهم، وجعلتهم يبنون أحكاماً غير دقيقة على أعداد اللايكات والشيرات والتعليقات، وهو أمر أظن أنه بدأ يتغير وسيزداد تغيره حين تحدث مراجعات أوسع لدور وسائل التواصل الاجتماعي في الواقع، خاصة بعد أن تلاشت كثير من الأوهام المرتبطة بقوتها ونفعها.
ليس عندي شك في أن هذه الطريقة لن تحظى بنفس الشعبية التي يحظى بها النقد الذاتي على طريقة «أنا كنت حمار لما…»، وهي طريقة محببة وعابرة للأجيال والطبقات والاختلافات السياسية، لذلك يتصور مؤيدو جماعة الإخوان أن كل شيء كان سيكون أفضل لو استمر مرسي في الحكم، دون أن يشغلوا بالهم بفهم ما الذي جعل كثيراً من الذين انتخبوا مرسي يفعلون أي شيء للإطاحة به، ولعلهم لو فعلوا لكان ذلك أفيد لهم في المستقبل من كثير مما يفعلونه الآن وهم يحلمون بنصر ساحق متوهم، وكذلك الحال مع كثير من أنصار الحكم العسكري الذين يندمون على ما سبق أن قاموا به من تأييد الإطاحة بمبارك أو السكوت على الإطاحة بمبارك، مع أنهم لو تأملوا في تفاصيل الأحوال التي دفعت الناس لطلب الإطاحة بمبارك، لفهموا أن تأييدهم الأعمى للسيسي أو أي جنرال قادر باطش سيقود البلاد إلى مصير أكثر فداحة مما ندموا عليه، مصير يشبه ما حدث في سوريا والعراق، التي يستخدم نظام السيسي أحوالهما لفرض مسار مشابه لما كان يفعله حكام سوريا والعراق طيلة العقود الماضية، وكذلك الحال مع المؤمنين بالثورة الذين ربما كان من الأفضل لهم ولما يحلمون به، أن يتوقفوا عن ترديد تصورات عامة فضفاضة تنسى حقيقة ما حدث في 11 شباط/فبراير وما قبله، وأن يحاولوا فهم التحولات التي جرت في مواقف قطاعات شعبية أيدت الثورة، بدلاً من الانشغال بإدانتها للإحساس بتفوق أخلاقي، وكذلك الحال معي حيث انتهى الحيز المتاح لكلامي الذي آمل أن أستأنفه قريباً، متوقفاً عند أول ما يستحق المراجعة، وهو ظاهرة الاستناد إلى بعض الحتميات التي يريح الكثيرين أن يبنوا مواقفهم على أساسها المتداعي.

مراجعات لا تراجعات!

بلال فضل

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية