مدن ثكلى وبلدان ممزقة

آلاف السنين هي عمــــر الإنسان على هذا الكوكب ولم تــــزل الأسئلة البسيطة والأزمات الوجودية تطرح نفسها عليه، محنة الوجود ومغزى الحياة ومعنى الموت، قسوة الموت وحضوره الطاغي، ذلك الثابت شبه الوحيد والمؤكد الذي ينتظرنا جميعاً ويتفق عليه الكل.
حروب العراق والعدوان المتكرر على غزة، وما حدث أثناء ثلاث سنوات من الحراكات العربية، عشرات بل مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعتقلين والمفقودين، وكأننا أثقلنا على ملك الموت كان الله في عونه. وفي الثلاث سنوات الأخيرة بيد أنظمتنا لا بيد عمرو، سُفكت دماء وعُذب عدد لا يحصيه إلا الله، ما بين متظاهرٍ إلى معتصمٍ إلى من لا ذنب له لمجرد تصادف وجوده قرب ساحة تظاهر أو حتى في شرفة منزله. الأسابيع الأخيرة في مصر غيب أيضاً عدد من المناضلين الأشاوس ممن وقفوا في وجه النظام كالمحامي والحقوقي المحترم أحمد سيف الإسلام عبد الفتاح، الذي توفي وولداه في سجون النظام. والأستاذ خالد السرجاني، أحد أشرف وألمع الصحافيين وأكثرهم مهنيةً وأوفرهم ثقافةً، الذي خطفه الموت من بيننا وهو يملأ الدنيا، من مجلسه على مقعدٍ في مقاهي وسط البلد في القاهرة، حديثاً عن السياسة والأفكار والناس والكتب التي عشقها وقرأ منها واقتنى ما لم يقتنه أحد (ما يفوق العشرين ألفاً على أقل تقدير) والأفلام والموسيقى، ولا تملك إلا أن تسأل: هل هذه مصادفة؟! أم أنها رمزٌ على فشل الثورة كرحيل بابلونيرودا عقب انقلاب بينوشيه الذي حطم حلمه بدولةٍ عادلة وحرة؟
سنواتٌ عصيبةٌ من الكر والفر بين المتظاهرين والثائرين وأنظمةٍ تأبى الرحيل، مخلفة وراءها دماراً كاسحاً وبحوراً من الدماء، أحلامٌ تحلق في السحاب لتهبط مرتطمةً على صخور الواقع. لن أعيد ما قاله شعراء الإغريق الغابرون عن الناس الذين يتساقطون كأوراق الخريف الذابلة، فالذين ماتوا أغلبهم شباب وكثيرون ماتوا برصاصٍ دفعوا هم وآباؤهم ثمنه، لكنني لا أملك سوى التعجب مما آل إليه حالنا بعد ما يربو على الثلاث سنواتٍ حافلة: لقد كانت الحراكات الثورية، خاصةً في مصر، حراكاتٍ شبابية بقدر ما هي شعبية، من منطلق أن أكثر من نصف السكان سنهم دون الأربعين، وبالتالي فإن الأزمة السياسية ليست مجرد صراعٍ بين فئةٍ وطبقةٍ من الأثرياء تستأثر بالسلطة، وإنما هي أيضاً صراع أجيال، وليس أدل على تعثر الحراك الثوري من تشكيلة الوزارات التي أعقبت يناير 2011، حيث متوسط العمر ربما يزيد عن الخامسة والستين!
حقيقةً، لا أملك سوى أن أضرب كفاً بكف: مناضلون كُثر، جلهم من الشباب غيبهم الموت أو الحبس، بينما النظام المصري يسعى إلى إنتاج نفسه بالانحيازات نفسها في حقيقة الأمر وأجهزته الأمنية مسعورة تطلب الانتقام واستعادة هيبتها وترميم هياكلها، بعد هزة الثورات العنيفة التي أهانتها وأحرجتها مرتين، مرة لفشلها في التنبؤ بها ووأدها ومرةً لعدم مقدرتها على التصدي لها.
ثلاث سنوات، استشهد من استشهد واعتقل من اعتقل ورحل عنا من رحل وكسر الناس حاجز الخوف وصاروا مهتمين بالسياسة ومشاركين في الجدل العام، ومازالت أجهزة الأمن المسكينة تلك تقسو على نفسها بتصور أنها كانت تملك صداً لذلك الطوفان ولم تفهم بعد أن أسباباً موضوعية دفعت الناس إلى الشوارع، وأن تلك الأجهزة بالتحديد أحد الأسباب الرئيسية في تردي الوضع وإضرام الثورة. ثلاث سنوات مرت وها هي سرادقات الزفة منصوبة للمخلص الهمام والمشاريع العملاقة وأجهزة الكفتة- وبلا مكاسب ملموسة، أو مرئية في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر والطويل، ولست آتي بالجديد إذا قلت ان الوضع أبشع في سوريا بملايين مهجريها، والعراق الذي قطع شوطاً بعيداً على طريق التحلل، وصورة مدرسة أطفالٍ في غزة بمقاعد شاغرةٍ وأوراقٍ تحمل أسامي شهداء كانوا يجلسون عليها لا تفارقني.
بعد كل هذا أجدنا نواجه جملةً من الأسئلة الجديدة (غير تلك الوجودية التي ذكرت آنفاً) التي تطرح نفسها بإلحاح: ما معنى وطن؟ أهو ذلك المكان الذي كبرنا فيه فنشتاق إليه في ليالي الغربة؟ أهو حيث يعيش أهلنا وأصدقاؤنا ومن نحب؟ أهو مجموعة من الشوارع المألوفة؟ أهو الجوالصافي والشعور بالدفء وسط الصحبة؟ كيف الحال إذن حين تتحطم شوارعنا ومدننا ويرحل من نحب؟ إلام نشتاق وإلى من نحن، والتمزق صار سمةً واضحة في كثيرٍ من الشرائح في هذه المجتمعات التي تبارك وتصفق لقتل وتشريد من تحسبهم خصوماً سياسيين وأعداء للوطن جهاراً نهاراً بالمئات، وتطالب بالمزيد من القمع والاعتقال وتقبل، بل تدافع عن قانون تظاهر يخجل منه قراقوش؟ ما قيمة المدن والبلاد بدون من نحب وما قيمة الأوطان التي تأكل صغارها؟!
إلام يهفو العراقي مثلاً؟ على الأغلب إلى بلدٍ لم يعد له وجود سوى في تلافيف الذاكرة التي تتشبث بإبقائه حياً، كما تركه منذ عقودٍ تتباعد، وكذلك السوري والليبي الخ. ليست المرة الأولى التي تعرف فيها بلداننا الحزن وتقاسي من الهزائم والانكسارات، فهي كثيرة، والحمد لله، في تاريخنا الذي تغلب عليه «البهدلة» على أيدي الطغاة والمخلصين الذين يتبين أنهم أعتى المجرمين بوعودهم وبشاراتهم الكاذبة. في مصر مثلاً أعتقد أن هزيمة 1967 هي الأعنف والأمضى، إلا أننا كشعبٍ أو كشعوبٍ عربية بالأحرى تكاتفنا وضممنا الصفوف للتصدي للعدوان، ما تغير ويزيد في هذه المرة هو الشعور بالحسرة العميقة والمرارة على ثوراتٍ محبطة قامت بها الشعوب لم تؤت أكلها، وعلى من ماتوا غيلةً في شرخ الصبا. وتيقظنا على حقيقة ان الكثير ممن نحسبهم أصدقاء وأصفياء، هم ذوو تكوين نفسي إجرامي في حقيقة الأمر، بيد أنني وصلت إلى قناعة أن ذلك التمزق واختلاف الاختيارات والانحيازات الاجتماعيـــة هو الطبيـــعي وأنها خطوةٌ تأخرت بسبب قمع الأنظمة للتطور الطبيعي للمجتمعات.
بغض النظر عن التفلسف والتحليل، لقد تغير وجه مدننا بمن رحلوا وكانوا يملأون الدنيا كلاماً وأحلاماً وغناءً، لن اقول ان المدن أقفرت، فهي ما شاء الله عامرة بالبشر الذين يتكاثرون بلا حساب كالأرانب، وإنما فقدت شيئاً كثيراً من طعمها ونفسها وأصبحت موحشة أكثر من ذي قبل.
أما صديقي الذي عرفته وتعلمت منه واستشهدت بكثيرٍ من آرائه النافذة في مقالاتي، فإنني لا أجد ما أقوله على رحيله المبكر الذي نزل على رأسي كالصاعقة وأفقدني توازني سوى أن القاهرة لن تكون المدينة نفسها بالنسبة لي بعدك، عم مساءً وإلى أن نلتقي على خيرٍ إن شاء رب العالمين.

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية