ماذا بقي من الوطنية الجزائرية؟

حجم الخط
13

احتفل الجزائريون، بداية هذا الشهر، بالذكرى 63 لثورتهم الوطنية التي قادتها جبهة التحرير الوطني. إنجاز الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، كانا على رأس النجاحات المنجزة من قبل هذه الثورة، التي مثلت هبًة وطنية فعلية للجزائريين، عادوا من ورائها إلى التاريخ، الذي غيبوا عنه لمدة طويلة.
فماذا تعني الوطنية الآن بالنسبة للجزائريات والجزائريين؟ وهل هم راضون عما حققوه من إنجازات على مستوى أكثر من صعيد؟ وهل ما زالت الوطنية مُجندة، كما كانت بالنسبة للأجيال الصغيرة من الجزائريين، الذين لم يعرفوها عندما كانت في حالة صعود؟ وكيف تطور محتوى الوطنية الفكري والسياسي مع الوقت؟ وما هو مصيرها كفكرة سياسية وعقيدة؟
مساري الشخصي، أنا الذي ولدت سنة واحدة بعد الإعلان عن الثورة، قد يكون إحدى الوسائل المتاحة للإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة على كل الجزائريين والجزائريات. سأتطوع إذن للإجابة عن هذه الأسئلة في مكان الكثير من الجزائريين، من جيلي على الأقل. قراءة جيلية تبقى مهمة ومفسرة، كما يمكن ملاحظة ذلك.
ولدت في قرية صغيرة في السفوح الجنوبية لجبال الأوراس، الذي عرف اندلاع ثورة التحرير في 54. لم اتعرف جيدا على والدي الذي استشهد في آخر سنوات حرب التحرير في العاصمة. لتتكفل بتربيتي والدتي أنا مع إخوتي الاثنين، بعد أن ترملت صغيرة، في عمر الواحد والعشرين سنة فقط. فقد كان اليتم والترمل من نتائج حرب التحرير المباشرة. التي كان يجب التصدي لها بعد الاستقلال مباشرة، من قبل الدولة الوطنية التي قامت بدور الأب. علًمت وطببت وشغّلت وأعطت منحا للدراسة في الخارج.
دخلت العاصمة صغيرا، كما فعل الكثير من العائلات الجزائرية، بغرض التعليم أساسا، الذي لم يكن منتشرا في الريف في السنوات الأولى من الاستقلال، فكان على الجزائريين التوجه للمدن للاستفادة المبكرة منه. ليكون المفسر الأكبر للهجرة الريفية خلال هذه المرحلة. تعلمت في العاصمة وتخرجت من الجامعة، لأنهي تعليمي في فرنسا والجزائر. تعرفت في هذه المدينة الكبيرة وجامعاتها على الكثير من الجزائريين، من مناطق بعيدة عن قريتي، التي لم اقطع معها كل الصلات، فقد سكنت في حي شعبي، جزء مهم من سكانه، هم أبناء قريتي ذاتها، ما جعلني لا ابتعد عن لهجتي وعاداتي، بما فيها الأكل، مثل الكثير من الجزائريين الذين دخلوا المدينة عنوة وبشكل جماعي، كنتيجة مباشرة للاستقلال. لتستمر علاقاتهم بالمدينة متوترة وغير ودية في الغالب. كما تبينه قضية حضور المرأة في الفضاء العام، أكثر من نصف قرن من الاستقلال.
كونت عائلة صغيرة، كما ساد عند أبناء الفئات الوسطى المتعلمة، بعد الاستقلال. وأنجبت الطويل والسمين من الأبناء، بعد ان تحسنت تغذية الجزائريين وزاد طولهم وعمرهم الافتراضي. تزوجت من خارج قريتي، كما ستتزوج ابنتي من خارج الجزائر. في شبه قطيعة مع الانتماءات التقليدية التي استمرت قوية عند الكثير من الجزائريين، التي يمكن أن ينتكسوا إليها في حالة استفحال أزمة الوطنية التي جعلتهم يتجاوزون انتماءاتهم المحلية وهي في حالة صعود. لم أغادر وعاء الوطنية فكريا، رغم نزعة يسارية واضحة، كما كان حال الكثير من أبناء جيلي، الذين ابتعدوا عن طقوس التدين الذي استمر قويا على المستوى الشعبي، بل زاد مع الوقت، في وقت أصبحت فيه هذه الوطنية التي كانت دائما ذات طابع انتقائي فكريا، منذ نشأتها، أكثر محافظة، بعد أن ضعف المنهل اليساري والعصري الذي كانت تنهل منه جزئيا في بداية ظهورها. وطنية استمرت مجندة سياسيا على مستوى ما قبل جيلي وحتى جيلي جزئيا، لتفقد بريقها، عند الأجيال الأصغر من الجزائريين الذين ظن بعضهم، لوقت قصير أن الإسلام هو الحل.
فقد رفضت عدة فرص للبقاء والإقامة خارج الجزائر، مثل الكثير من أبناء جيلي المتفائل، الذي كان مُصرا على تحقيق حلمه في الجزائر، وهو ما لا يفهمه أبنائي الآن، كممثلي جيل صغير قلّ تفاؤله، يحضرون أنفسهم كالكثير من أبناء الفئات الوسطى، لمغادرة الجزائر في أول فرصة تتاح لهم. فلم تعد الوطنية تغري هذه الأجيال الصغيرة التي ترفضها ولا تحاول تحسينها أو الحوار معها، كما فعل جيلي وهو يهتم بالعمل السياسي، بنكهته اليسارية او الإسلامية، لاحقا، عند البعض.
بسرعة ظهر الكثير من علامات الإعياء على العقيدة الوطنية، رغم تحقيقها لبعض النجاحات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية. فلم تنجح هذه الوطنية التي تكلست أفكارها وأصبحت أكثر محافظة، في إقناع حتى بعض أبناء جيلي، من إنجاز أحلامهم في الجزائر، هم الذين آمنوا بها ذات يوم. وهو ما يمكن التأكد منه بسهولة ونحن نشاهد موجات هجرتهم وهم في سن التقاعد.
لم تنتكس الوطنية داخل البلد الواحد فقط، بل فشلت كذلك الوطنية الجزائرية على غرار الوطنيات المغاربية الأخرى، في تونس والمغرب، في تحقيق البناء المغاربي، كما كان يحلم به جيل الإباء المؤسسين للحركة الوطنية، فقد وقفت هذه الوطنيات الضيقة والشوفينية، سدا منيعا في وجه البناء المغاربي، بحجج واهية وغير مقبولة، لم تخدم إلا مصالح ضيقة واستراتيجيات فئات محدودة، صادرت لصالحها وحدها، مكاسب الاستقلال وبناء الدولة الوطنية في البلدان الثلاثة.
لنكون في بعض الحالات أمام إمكانيات فعلية لانتكاسة إلى ما قبل الوطني، كما هو ظاهر في الفضاء المغاربي في السنوات الأخيرة، كما يدل عليه رمزيا على الأقل، إيقاف الدولة الوطنية، بعد الاستقلال في البلدان الثلاثة، للقطار الذي كان يربط بين تونس والرباط مرورا بالجزائر، المنجز خلال الفترة الاستعمارية! توقف القطار المغاربي في وقت كان المأمول فيه أن تكون الفكرة المغاربية تجاوزا إيجابيا للعقيدة الوطنية التي ظهرت عليها الكثير من علامات الإعياء والتعثر.
فهل تحتاج الوطنية الى إثراء وتلقيح، كما كانت تقوم به كل مرة، منذ نشأتها وهي في حالة صعود، أم هي في حاجة الى تجاوز وقطيعة معها، نحو أفق جديد؟ سؤال تبقى الأجيال المغاربية الشابة هي الكفيلة وحدها بالإجابة عنه. في عالم مفتوح فكريا، على أفق أرحب من الوطنية.
كاتب جزائري

ماذا بقي من الوطنية الجزائرية؟

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية