الناصرة – «القدس العربي»: «أطلب العلم ولو في الصين» يقول المثل لكن الناس اليوم يسافرون لما هو أبعد بحثا عن تجديد السعادة والهناء في الحياة الزوجية. هذا بعض ما يستدل من زيارة كنيسة العرس التاريخية في قرية كفركنا داخل أراضي48 التي يزورها نحو مليون زائر وحاج مسيحي من أرجاء المعمورة للقيام بما يعرف بالتقاليد النصرانية «تجديد سرّ الزواج». في كفركنا المعروفة بالإنجيل ببلدة قانا الجليل أنجز المسيح عليه السلام، وفق الرواية المسيحية، عجيبته الأولى بتحويل الماء لنبيذ بعد نفاده خلال عرس. في المكان شيدت كنيستان واحدة لاتينية والثانية أورثوذوكسية وكلاهما تحملان اسم «كنيسة العرس» وتدعيان أن فيها بالذات تمت العجيبة الأولى.
كنيسة العرس
ويتم طقس «تجديد سر الزواج» في كنيسة العرس للأزواج برفقة الأقارب والأصدقاء وخلاله يضع الكاهن راحتيه على رأس الزوج والزوجة وهما ماثلين أمامه بخشوع ويبدأ الكاهن بقراءة آيات ثم يقوم بتبخيرهما وهما يطلقان أمنياتهما.
وخلال «تجديد سر الزواج» يردد الزوجان الكلمات الأولى لاقترانهما ببعضهما البعض: يا فلانة إليك هذا الخاتم رمزا إلى محبتي وأمانتي طيلة أيام عمري.. أحبك وأكرمك في الفقر والغنى، في المرض والصحة.. طيلة أيام حياتي على الشريعة المسيحية» ويختار بعض الأزواج الشباب القيام بذلك وعقد قرانهم بثياب الزفاف وتبادل الورد الأحمر.
رباط الزوجية
يصل المكان حجاج من استراليا وحتى الإكوادور. بعضهم تزوج قبل عقدين وثلاثة بل وأربعة عقود وجاؤوا لكفركنا لمباركة زواجهم وتعميق سعادتهم، فصلوا وأنشدوا. غابي تاكوا (60) معلمة من الإكوادور متزوجة من اكتافيوس منذ 38 عاما قالت لنا بمساعدة زميلة ترجمت من الإسبانية إن فرحا عميقا يملؤها بعد هذه البركة في قانا. وتوضح أنها تشعر شعورا عميقا بالسعادة يسكنها اليوم بعدما تواصلت مع الله عقب تجديد العهد مع رفيق دربها وزوجها الحبيب فحسب.
وعن أمنياتها قالت مبتسمة «أعيش مع زوجي وأولادي الأربعة بسعادة كبيرة لكنني طلبت الإبقاء عليها وزيادتها ولم أطلب المال» وكشفت أنها في طريقها لمدينة طبريا لقضاء شهر عسل جديد مع زوجها.
عرس إثيوبي
ولا يكتفي المسيحيون من إثيوبيا بتجديد سر الزواج بل يحتفل أزواج منهم بالإقتران والزفاف داخل الكنيسة التي يصلونها ويخرجون منها بزفة يرافقها الطبل والزمر فيما تتعطل حركة السير المزدحمة أصلا بعدما تخطف المشاهد الغريبة أبصار السائقين.
والحديث يجري بالأساس عن عمال من إثيوبيا يعملون في إسرائيل بأعمال سوداء ويقيمون حياة اجتماعية في مجمعات خاصة بهم ويرعاهم مطران خاص بهم ويضاف لهم بعض «المهاجرين الجدد» ممن قدموا للبلاد كمهاجرين يهود وهم في واقع الأمر نصارى تطلعوا للامتيازات الاقتصادية هاربين من ضيق الحال في أوطانهم.
حينما يقترن شاب وشابة من هؤلاء يقوم زملاؤهم بالإنابة عن ذويهم في أثيوبيا بتنظيم حفل زفاف وعادة ما يتم ذلك في كفركنا فيحضر العشرات منهم ترافقهم فرقة موسيقية تراثية رمزها طبل ضخم وبعضهم يصطحب معه تقاليد عتيقة من إفريقيا كتزيين الرأس بالأشواك والقرون.
ويسير هؤلاء في يوم عطلتهم السبت في شارع الكنائس التاريخي داخل البلدة الجليلية وهم يرتدون الزي الفولكلوري الأبيض والذهبي اللامع. وقد احتفل بزفاف العريس سيلاش (23) والعروس أزيبا (22) وكانت زغاريد النساء المشاركات في الزفة تملأ الفضاء وقبيل مغادرة المحتفلين نحو طبريا منطقة العجائب الأخرى للمسيح اقتنى العروسان والمحتفلون التذكارات من كفركنا من دكان التذكاريات التابع لهاشم دانيال الذي أكرم الزائرين بكعكة كتب عليها «سر الزواج» إلى جانب اسمي العروسين بالإنكليزية فشكروه بها وبلغة الأم الأمهرية.
قانا فلسطين
وعن أصل التقاليد هذه يقول كاهن كنيسة العرس الأب فرنسوا ماريا السوري الأصل إنه بموجب الرواية الدينية – التاريخية قدم السيد المسيح من منطقة نهر الأردن وهو في الثلاثين من عمره فمارس كهونته في قانا الجليل (كفركنا) الفلسطينية (لا اللبنانية) لافتا لقرية في جنوب لبنان تحمل نفس الاسم(قانا) وتعتقد أوساط لبنانية أنها هي مكان العجيبة الأولى. ويتابع «تحول الماء لخمر، المسموح قليله فقط، بكلمة واحدة من السيد المسيح بناء على طلب أمه مريم: وإن كنتم لا تعلمون أو تعرفون هيئة ابني فكل ما يقوله لكم فافعلوه وأنا أضمن لكم المعجزة- الآية».
العجيبة الأولى
ومنذ تلك العجيبة الأولى قبل نحو 2000 عام يتواصل الإحتفاء بعيد العرس في قانا وينوه أن للعيد (العرس) طابعا خاصا ومحليا- في كفركنا- ولكن اسم قانا الجليل يذكر في كل حفل أكليل يتم في العالم وبمختلف اللغات ولدى كافة الجنسيات حيث يقرأ إنجيل يوحنا (الفصل الثاني):»وبعد ثلاثة أيام كان عرس في قانا الجليل ..».
ويوضح ماريا لـ «القدس العربي» أن أهالي القرية من المسيحيين أيضا يقومون بهذا الطقس كل ربيع، ويضيف مبتسما أن من يتخلف عن ذلك فيحرم نفسه وأسرته من الفرح والبهجة ويتابع «عند تجديد عهد الزواج يشارك الأبناء في زفاف الوالدين مجددا».
وديع عواودة