عبد الله صخي: أنواء عراق السبعينيات

حجم الخط
0

 

«دروب الفقدان»، رواية العراقي عبد الله صخي الجديدة، التي صدرت مؤخراً عن دار المدى للثقافة والنشر، بيروت، في 287 صفحة؛ هي التتمة الطبيعية، من حيث المناخات الاجتماعية والسياسية والمكانية، فضلاً عن خطوط السرد واللغة والخيارات الأسلوبية إجمالاً، لرواية صخي السابقة «خلف السدة»، 2008. وهذه تناولت، كما يقول المؤلف، تجربة استثنائية في حياة العراقيين، أي سنوات قدوم المهاجرين الأوائل من جنوب العراق إلى بغداد، وأثر التحولات السياسية على التجمع السكاني الذي كان يعيش خلف سدة بناها الوالي ناظم باشا سنة 1910، ثمّ قرر عبد الكريم قاسم نقل المهاجرين فيه إلى «مدينة الثورة»، أو «مدينة الصدر» الحالية.
«دروب الفقدان»، وهي أشمل وأكثر تفصيلاً في يقين المؤلف أيضاً، تتناول الحياة السياسية العراقية منذ عام 1964 وحتى 1980، وتقف خاتمتها عند اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية. وإذا كانت أحداث العراق خلال السبعينيات، بكلّ أنوائها وتقلباتها، وما حملته من تحولات، واستولدته من أنساق عنف وعنف مضاد، هي النسيج التكويني الذي يشدّ خيوط السرد؛ فإنّ الشخوص، على اختلاف شرائحهم وتعدد تمـثيلاتهم للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العراقية في تلك الحــقــبة، هم حَمَلة ذلك الاحتشاد السردي والدرامي الكثيف، وحوامله أيـضــاً: من الفتى الطالب، وما سيتمحور حوله من عوالم ثــقـافية وسياسية؛ إلى نماذج «الخوشي»، زعماء الحارات وفتواتها، على شاكلة نــايف الســاعدي وحسين كابور؛ دون إغفال العنصر النسائي في الرواية، حيث تتولى المرأة تظهير ذلك البُعد الرثائي والتراجيدي العراقي الأثير.
هنا فقرات من السطور الأولى في الرواية الجديدة: «عندما نهض من نومه كان الفجر يتسرب من نافذة الغرفة المطلة على شارع فرعي في منطقة الداخل، فيلقي أشعة شفافة نقية على أمّه مكية الحسن واخته مديحة سلمان النائمتين على الأرض قريباً من فراشه. خطا بجوار أمه فتحركت. رفعت رأسها قليلاً عن الوسادة ثم أراحته على طرفها. وبعينين نصف مغمضتين رات الضوء يملأ فضاء الدار المفتوحة على قبة السماء عبر الباب الذي فتحه ابنها في طريقه إلى الحوش. غسل وجهه وعاد إلى الغرفة ليرتدي ملابسه. خيل لها، في ظلال النعاس الرطب الناعم الذي يثقل أجفانها، أنه يستعد للذهاب إلى العمل، فهذا هو الوقت الذي يتوجه فيه عمال البناء إلى أشغالهم في مناطق مختلفة من بغداد. نبهته ألا ينسى عدة العمل كما حدث الأسبوع الماضي. قال وهو يمشط شعره الطويل أمام مرآة خزانة الملابس إنه ليس ذاهباً إلى العمل إنما لمشاهدة إعدام «الخوشي» نايف الساعدي. اقشعر جسدها. وخزها إحساس بالذنب لنسيانها حدثاً كهذا كانت تعلم به منذ البارحة».

 

كلمات مفتاحية

إشترك في قائمتنا البريدية