صناعة المقاومة لا اقتباس الجلاد

حجم الخط
9

 

مضت، اليوم، عشر سنوات على واحدة من الوقائع الأشدّ تمثيلاً للانحطاط الهمجي، النازي في الجوهر، الذي ينحدر إليه جيش الاحتلال الإسرائيلي: قرار قيادة هذا الجيش بتبرئة أحد الضباط الإسرائيليين من تهمة ارتكاب «عمل لا أخلاقي»؛ وذلك رغم أنّ جنوده أنفسهم سردوا فعلته تلك للتلفزة الإسرائيلية، على النحو التالي: سقطت الطفلة الفلسطينية إيمان الهمص (13 سنة) أرضاً بعد أن تعرّضت لإطلاق من نقطة مراقبة عسكرية إسرائيلية. لكنها كانت قد جُرحت فقط، حين تقدّم منها الضابط الإسرائيلي، قائد الفصيل، وأطلق طلقتين على رأسها من مدى قريب؛ ثمّ عاد من جديد إلى الطفلة، وغيّر سلاحه إلى وضعية التلقيم الآلي، وتجاهل اعتراضات زملائه التي تواصلت عبر جهاز الاتصال، وأفرغ كامل الذخيرة في جسدها!
قد يقول قائل إنّ هذا السلوك تجوز معه أشكال المقاومة كافة، وهذا صحيح، بالطبع؛ ما خلا أنّ مفهوم «المقاومة» ليس نطاقاً دلالياً مفتوحاً ومسلّماً بكلّ ما ينطوي عليه من أشكال وأنماط وأنساق. على سبيل المثال، فإنّ خطف المدنيين الإسرائيليين، حتى إذا كانوا من المستوطنين، أو التلامذة الدارسين في معاهد تلمودية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ ليس صيغة مقاومة متفقاً عليها، بل هي على النقيض في نظر الكثيرين: أسلوب بالغ الأذى ومحدود النفع، فضلاً عن انتمائه إلى زمن مضى وانقضى. ومن حيث المبدأ، الأخلاقي قبل السياسي، ليس صائباً أن تتشبه الضحية بالجلاد أو تقتبس ممارساته، وخاصة تلك التي تطال المدنيين، أياً كانت أسباب إدانة هؤلاء.
وفي كتابه الشهير «رصاص مطاطي: القوّة والضمير في إسرائيل الحديثة»، أحصى الكاتب الإسرائيلي يارون إزراحي الأثمان الباهظة لذلك الانتقال العجيب الذي ينخرط فيه الكيان الصهيوني: من المعجزة بحدّ السيف، إلى ما بعد الملحمة بالرصاص المطاطي. وقد اعتبر أنّ استخدام هذه الذخيرة في قمع الانتفاضة كان نقلة نوعية في السردية الصهيونية الكلاسيكية، الأسطورية والملحمية والتربوية؛ وكان عتبة تدشّن انقطاع خيط الرواية الكبرى التي لمّت شمل أسرته اليهودية طيلة خمسة أجيال، منذ أواخر القرن التاسع عشر حين غادر أجداده أوكرانيا إلى فلسطين، وحتى أواخر القرن العشرين حين أدرك أنه يصارع قراراً مؤلماً بتجنيب ابنه آلام حلم صهيوني فادح الأثمان.
ويكتب إزراحي: «في تلك الليلة من شهر كانون الثاني (يناير) عام 1988، حين شاهدت على شاشة التلفزة جندياً اسرائيلياً شاباً يجثو على ركبة واحدة ليسدد بندقيته إلى طفل فلسطيني لا يحمل سوى الحجارة، انتابني إحساس حادّ لا سابق له بالصدوع العميقة التي أخذت تتشكل داخل ملحمة عودتنا وتحريرنا في هذه الأرض، ولقد شعرت بفداحة الخسران، وبالتناقص الشديد في قوّة الرواية التي أدامت الحلم الصهيوني». ولسوف تنتاب إزراحي احاسيس أكثر حدّة، من طراز مختلف بالطبع، حين أبصر قائد فصيل إسرائيلياً برتبة نقيب، لا يتورع عن إفراغ المزيد من الرصاص الحيّ في جسد طفلة فلسطينية قُتلت لتوّها، لكي تُقتل مرّة بعد مرّة بعد مرّة…
فليتشوّه جندي الاحتلال الإسرائيلي، إذاً، ومعه السلطات والأحزاب والجماعات المدنية الإسرائيلية التي تصطفّ خلفه اصطفافاً أعمى؛ ودورة الزمان ليست طويلة بين عشرينيات القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بالنسبة إلى كيان عنصري استعماري قام على الاغتصاب، وتماهى مع الفاشية منذ البدء، ويرتدّ إلى أقصى أنماط ذلك التماهي اليوم، وكلّ يوم. وفي المقابل لدى الفلسطيني ما يصنعه على أرضه، كما ذكّرنا محمود درويش، وتلك صناعة مقاومة، نبيلة وتاريخية، لا تجيز اقتباس أفعال الجلاد.

صبحي حديدي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية