شعر الديارات

حجم الخط
1

 

لا أظن أن احداً ينكر ما للديارات النصرانية من فضل على الأدب واللغة عامة، وعلى الشعر خاصة، في كافة العصور، لا سيما العصر العباسي. فلقد كانت ملاذا ومنتجعا لكثير من أعلام اللغة والأدب ومطرحا لكثير من الشعراء، أولئك الذين كانوا يهربون إليها طلباً لراحة البال وهدوء النفس وصفاء الفكر، أو يقصدونها للشرب والقصف واللهو بعيدا عن التزمت والفضول، مع المنادمة الرفيعة التي لا تخلو من علم وأدب وطُرف وحكايات.
ولقد كان أولئك الشعراء يستوحون من أيامهم التي يقضونها في الديارات أرق الشعر وأحسنه وأعذبه، حتى لقد حقّ لدارس الأدب العربي أن يسمي هذا الشعر بشعر الديارات، لما تميز به من جميل وصف ورشاقة لفظ ورقة معنى وطرافة نكتة.
وإنه لجدير بالشباب المعني بشعر العربية أن يطلع على هذا الضرب من الشعر ليعرف أن الشعر العربي لم يكن وقفا على وصف الجمل والناقة والطلل الدارس والمفازة والذئب، وإنما كان وما يزال شعر الحياة بكافة مناحيها وبجميع حاجاتها ومتطلباتها، وإنه إذا خَشُن وضاقت دائرة أوصافه، فالذنب ليس ذنبه، والتبعة لا تلقى عليه، وإنما هي دائرة الحياة التي ارتضاها الشاعر لنفسه. فليس من المنطق في شيء أن نلوم آلة التصوير لالتقاطها صورة دمنة من الدمن أو جبل منيف أجرد، في وقت نحن ننشد فيه صورة رائعة لحديقة عامرة بالقرنفل والآس والأقحوان والورد المنثور.
حين وجّه علي بن الجهم خياله لمحيطه الذي ألف، قال للخليفة: «أنت كالكلب في حفاظك للودّ/ وكالتيس في قراع الخطوب». ولم يكن إلا مادحاً بكل ما وصل إليه خياله من أوصاف المديح، وبعد إقامته ببغداد، حاضرة الخلافة، وقف أمام الخليفة ليقول قصيدته الرائعة المشهورة: «عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري».
فخيال الشاعر مرتبط بالبيئة، والشعر يجيء كما تريد له بيئة الشاعر، وحياة الناس في العصور العباسية تختلف عما كانت عليه حياتهم في العصر الأموي، وحياتهم في العصر الحاضر غيرها في العصور التي سلفت دون جدال.
وشعر الديارات بالإضافة إلى كونه في جملته شعرا عباسيا، فهو شعر حياة خاصة، فالشاعر الذي يقصد الدير لقضاء يوم أو بضعة أيام، يعيش حياة متحررة من كثير من القيود، فهو يناظر ويجادل كما يحلو له أن يناظر ويجادل، وهو يقصف ويطارح كما يحلو له أن يقصف ويطارح، وهو بعد ذلك يقول من الشعر ما يشاء، وكما يطيب له أن يقول.
ثم من منا لم يطرب لأبيات ابن المعتز في دير عبدون، وهي مما يُغنى به، وفي ظني أن الكثيرين يرددون هذه الأبيات كلما طربت نفوسهم إلى هذا الضرب من الشعر الرقيق: «سقى المطيرة ذات الظلّ والشجر/ ودير عبدون هطال من المطر/ يا طالما نبهتني للصبوح به/ في ظلمة الليل والعصفور لم يطر/ أصوات رهبانِ ديرٍ في صلاتهم/ سود المدارع نعارين في السحر»، إلى آخر الأبيات الرقيقة الناعمة.
وقد عُرف ابن المعتز بكثرة تردده على الأديرة واختلاطه برهبانها، ومن أجواء الديارات ومن خلواته فيها استوحى الرقيق الأرق من شعره المضمخ بأطياب الحب والصبابة واللهفة. وما موشحه الذائع في دنيا الغناء والطرب إلا بعض ما جادت به تلك الخلوات، وحسب القارىء هذه المقاطع: «أيها الساقي إليك المشتكى/ قد دعوناك وإن لم تسمع/ ونديم همت في غرّته/ وبشرب الراح من راحته/ كلما استيقظ من سكرته/ جذب الزقّ إليه واتكى/ وسقاني أربعاً في أربع».
وهذا أبو العيناء يتحسس اللذاذات في دير باشهرا ويصف ببراعة وخفة روح ـ رغم فقدانه البصر ـ كرم قسيس وحسن ضيافته وجميل فعله، ويقول إنه طاب له المقام في الدير فرابط فيه عشر ليال قضاها في الشرب واللهو والقصف: «نزلنا دير باشهرا/ على قسيسه ظهرا/ فأولى من جميل الفعل/ ما يستعبد الحرّا/ وسقّانا وروّانا/ من الصافية العذرا/ فطاب الوقت في الدير/ ورابطنا به عشرا».
وهذه قطعة ملتهبة، تتأجج صبابة وهوى وحرقة وتفجعاً، والبين مخيف لا يقوى على احتماله إلا من أمده الله بالصبر الجميل والتجلد الأجمل، وقد أنشدها أحدهم وهو أسير دير مران: «لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم/ ورحّلوا فتنادت بالهوى الإبل/ وأبرزت من خلال السجف ناظرها/ يرنو إليّ ودمع العين منهمل/ فودّعتْ ببنان حَمْلُه عَنَمٌ/ فقلت لا حملت رجلاك يا جمل/ إني على العهد لم أنقض مودّتهم/ فليت شعري لطول العهد ما فعلوا».
وإذا كان لا بد من خاتمة لهذه النماذج الحلوة، فلتكن الخاتمة أبياتا حلوة أيضا لشاعر مغربي يُعرف بابن الحداد قيل أنه ألقى عصا السفر بصعيد مصر وهو في طريقه إلى مكة للحج بعد أن فتن بديرانية جميلة اسمها نويرة، فرابط قرب الدير أياما وأياما، حتى لفت نظرها، وباح لها بما يعاني من تباريح الحب ولواعج الغرام، فأعرضت عنه، وتأبت عليه، فزاد تعلقه بها وهيامه فيها، وفي أحد الأعياد اعترض سبيلها وهي في سرب من أترابها وقال: «عساك بحقّ عيساكِ/ مريحة قلبي الشاكي/ فإنّ الحسن قد ولّاك/ إحيائي وإهلاكي/ وأولعني بصلبان/ ورهبان ونسّاك/ ولم آت الكنائس عن/ هوى فيهنّ لولاك».
مجلة «العربي»، أيار (مايو) 1966

الرائد الثقافي

تولى الأديب والشاعر الكويتي أحمد السقاف (1919ـ2010) ريادة ثقافية مبكرة ومتميزة في بلده؛ وذلك منذ سنة  1944، حين أقام في بيته الشخصي ندوة تُعقد مساء كلّ خميس، فتطورت، واتسع نطاق حضورها، حتى صارت النظير الأدبي والثقافي والفكري لـ»الديوانية» الكويتية التقليدية. وفي سنة 1948 أسس، مع عبد الحميد الصانع، أول مجلة أدبية ثقافية، صدرت وطُبعت في الكويت تحت اسم «كاظمة»؛ فكانت رائدة، هنا أيضاً، ليس على مستوى البلد وحده، بل على نطاق الخليج العربي بأسره. وفي سنة1957، كان سباقاً إلى طرح فكرة إنشاء مجلة ثقافية عربية، جامعة وشاملة ومصورة وتعتمد أحدث تقنيات الإخراج والطباعة؛ فولدت شهرية «العربي»، التي كان السقاف قد اختار لها الأديب المصري أحمد زكي رئيساً للتحرير. إلى هذا كان السقاف أحد كبار مؤسسي رابطة الأدباء الكويتية، وانتُخب رئيساً لها خلال الفترة 1973 حتى 1984.
وكانت دراسته في بغداد قد أتاحت له انعتاقاً في التفكير وتأصيلاً منهجياً وعقلياً، ثمّ كان انخراطه في العمل الدبلوماسي قد فتح أمامه المزيد من آفاق تلمّس الآداب العربية، وتبلورت مشاعره القومية العروبية أكثر فأكثر، وترسخ لديه انحياز أقوى للتنوير والتجديد والانفتاح، فأخذ يكتب عن التراث بروحية الكشف عن الثمين الخافي، أو المخفي عمداً، تحت أستار التزمت والتعصب. كانت الحصيلة عدداً من المؤلفات الأدبية والفكرية، بينها «المقتضب في معرفة لغة العرب» الذي صدر مطالع الخمسينيات، و»أنا عائد من جنوب الجزيرة العربية»، و»الأوراق في شعراء الديارات النصرائية»، و»حكايات من الوطن العربي الكبير»، و»تطور الوعي القومي في الكويت»، و»العنصرية الصهيونية في التوراة». وفي الشعر صدرت للسقاف مؤلفات عديدة، بينها «قطوف دانية…عشرون شاعراً جاهلياً ومخضرماً»، و»أحلى القطوف…عشرون شاعراً أموياً ومخضرما»، و»الطرف في الملح والنوادر والأخبار والأشعار»، و»أغلى القطوف…عشرون شاعراً عباسياً».
ظلت القضايا القومية جوهر موضوعات السقاف، في الشعر كما في السياسة، وفي أدب الرحلة كما في التأريخ للثورات العربية، من فلسطين إلى مصر إلى الجزائر إلى لبنان. وكان، في اهتماماته كافة، تنويرياً وحداثياً لا يهمل، في الآن ذاته، ما في التراث من كنوز يتوجب استثمارها في الحاضر.

نصّ: أحمد السقاف

كلمات مفتاحية

إشترك في قائمتنا البريدية