بيروت ـ «القدس العربي»: في الحوار مع رائدة طه جاذبان مزدوجان لا يُقاومان، هما فلسطين والقدس. وفي نسيجهما معاً تتغلغل روح والدها الشهيد علي طه، وكل من وهب روحه للقضية. ليس هذا وحسب، فرائدة طه عملت لحوالي ثماني سنوات، منسقة صحافية للراحل ياسر عرفات، وتملك ناصية الكلام. وتحسن التعبير عن مشاعرها، وعن قدسها، التي صممت العيش فيها، لأجل «علي»، وفلسطين. وهي في عامها الأول على دروب الخمسين حققت حلمها. رغبت في بداياتها التخصص في التمثيل، إنما كيف؟ عيب؟ ابنة الشهيد. نعم أنا ممثلة تقول في تعريف ذاتها. مع البطلة المطلقة لمسرحية «ألاقي زيك فين يا علي» التي وجدت نجاحاً ساحقاً في بيروت. مع رائدة طه كان هذا الحوار:
○ هل رمم العرض المسرحي الذي قدمته الكسور بداخلك؟ وهل طهّر البوح نفسك كما يقول علم النفس؟
• من الطبيعي جداً أن تساعد عملية البوح على تهدئة النفس. سبق لي وخضت تجربة الكتابة، في كتاب عاطفي، وجداني وتوثيقي. بمجرد الانتهاء منه شعرت بالراحة. فهو شكل في حياتي عملية بوح من نوع آخر. عندما وقفت على المسرح لأتحدث، مع شعور رافقني بأني لست خاضعة للرقابة ـ رغم إخضاع نصي للرقابة الذاتية بحدود ـ لهذا شعرت بامتلاكي للمدى في التعبير عن تجربتي، بتفاصيلها دون حذف أو إضافة. هذا ساعدني لأقول ما بداخلي. أشعرني بموقعي الحالي، الذي أصفه بأنه أنضج. وأخيراً إن لم أكن قد شفيت أو تطهرت، فأنا في الطريق. ساعدني في ذلك تفاعل المتلقي معي، وتعاطفه. مع هؤلاء المتلقين الذين شاهدوني حتى الآن، لم أعد أشعر بالوحدة.
○ هل يشكل هذا العرض المسرحي محاكمة لمرحلة محددة من تاريخ الثورة الفلسطينية؟
• ليس لي هدف إسقاطي. حكيت تجربتي، وعلى المتلقي الحكم. في تلك المرحلة كان هناك أسر شهداء، ومدرسة لأبناء الشهداء، وكذلك مشاكل. فليس للثورات أن تكون كاملة متكاملة. لست أدافع. فثمة خطوط عريضة، وأهداف كبيرة للثورة، يَنظر إليها الناس بشكلها العام، ولا ينظرون مطلقاً إلى التفاصيل. تلك الشعارات كانت حقيقية في وقتها انطلاقاً من تعبيرها عن حركة تحرر. وخلفها ثمة قصص كثيرة، إنسانية الطابع، حقيقية الصفة. فلماذا لا تُحكى؟ الثمن غال. المسيرة طويلة وعمرها 68 سنة، فلماذا نستمر في عملية التقديس؟ كسرت الهالة عن والدي علي طه. وهو قبل أن يكون شهيداً وفدائياً، هو والدي. لماذا لا أحكي عن كامل تجربتي، ووالدي كان أعزّ ما لدي؟
○ هل وقفت في مرحلة ما عاجزة أمام سؤال الشهادة من أجل الوطن؟
• نعم. عندما تعرضت لمحاولة اغتصاب من أحدهم. نعم في تلك اللحظة، وفي ذلك العمر شعرت بالحاجة إلى الدعم. حتى أني سألت: هل تراب القدس أهم مني؟ ولمن الأولوية؟ تساؤلاتي ترافقت مع عمري الصغير. فأنا نشأت في ظل الشعارات، الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير. فرصتي كانت كبيرة بالتواجد مع القادة. وسافرت كثيراً لتمثيل فلسطين. صحيح هذا حدث، إنما مشاعري الداخلية، كانت طفلة. تكون عندي سيل من الاسئلة. وفي ذاك الوقت كنت احتاج فقط إلى أبي. غيره، لم يكن يهمني.
○ هل عايشتك تلك التساؤلات طويلاً؟
• تستغرق المسامحة وقتاً، وهي مرتبطة بالنضج. يمكن للإنسان أن يكون ذكياً، متفوقاً، ومتبوئاً لمركز رفيع في عمر الـ25 سنة. إنما ليس له امتلاك تجربة حقيقية وواعية، إنسانياً وعاطفياً. إذاً تستقر الأمور في مكانها الصحيح مع الوقت. خاصة في حال المواجهة والصراحة مع الذات. وكذلك في حال الصدق مع الذات، والآخرين. ليس للإنسان في مثل واقعي أن يستسلم مقنعاً ذاته «معليش ضحينا ومش مشكلة». لا، لن أقول هذا. أريد أن أفهم لماذا؟ عندما وقعت كتابي في رام الله والذي حمل عنوان «علي»، تمّ بحفل كبير. فإذا بأحدهم من القيادة، أحبه وأحترمه يقول لي: «ولو يا رائدة تعاتبين ابوكي بدل أن تقولي له بكل فخر حنكمل المشوار»؟ كان ردي مباشراً وسريعاً: «جيب ولادك من أمريكا يكملو المشوار. أنا تعبت. لماذا تزايد عليَّ»؟
○ بعد معايشتك لتجربتك الشخصية هل تجدين الشهادة من أجل الوطن ضرورة؟
• يحتاج الوطن لكافة أشكال النضال. تحرير الوطن لا يكون فقط بالشهادة. استشهد غسان كنفاني لأنه مقاوم بالكلمة. إذاً أشكال المقاومة من أجل التحرير كثيرة، وإن كان من بينها الشهادة، فليكن. وليس الموت من أجل الموت. عندما يكون أحدهم في منزله في حي سلوان في القدس، ويأتي مستوطنون لطرده، وانتزاع البيت منه، أو لهدمه، ويقف دفاعاً عن حقه، ويستشهد من أجله، فهو مقاوم. أنا مع كافة أشكال النضال المتاحة.
○ التفاصيل التي صنعت نصك المسرحي مدهشة وتحديداً مسح الطلاء الأحمر بالقوة عن أظافر فتحية ـ زوجة علي ـ يوم استشهاده. هل هي ذاكرة الطفلة ابنة السبع سنوات؟ أم سرديات فتحية؟
• بل هذه الواقعة بالتحديد لا تزال ماثلة أمامي. مشهد شبيه بالاغتصاب. سيدتان تتمسك كل منهما بيد لوالدتي لمسح اللون عن أظافرها، وهي ترجوهن وتستحلفهن أن يتركنه، لأن علي يحبه. لا يغيب عن بالي أن والدتي حينها كانت في حالة هستيرية. برأي هو مشهد يفسر حال كافة نساء الشهداء. وهو الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. لبست والدتي ثوب زوجة الشهيد، انتقلت فجأة إلى أم نضال. هو الاسم الحركي لوالدي، وحتى اللحظة تُعرف به، وليس بيننا نضال نحن الفتيات الأربع. كانت والدتي شديدة الاعتماد على والدي، وبهذا القدر أصيبت بـ»تروما» رحيله. استغرقت وقتاً طويلاً حتى استعادت قوتها، وقفت على قدميها، وضمتنا لجناحيها. والدتي كانت محاطة. وكما كان في حياتنا «عموات سيئين»، كان هناك عموات لا انساهم». (عموات جمع عمو).
○ لماذا «عمو غازي» ابن عبد القادر الحسيني كان وحده السند؟
• لأنه ابن شهيد، بيننا لغة مشتركة. هذا بخلاف كونه «آدميا» وإنسانيا. حياله شعرت بأمان كبير. وفي لقاءاتنا نحن الاخوات الأربع نتناول سيرته.
○ لماذا لم يكن في النص رجل بصورة قوية؟ بدأت بالـ»حقير» المغتصب وتالياً الرجال الفاقدين بنظر سهيلة. هل نموذج الرجل محطم لديك؟
• مطلقاً. لست أحمل عقداً من نموذج الرجل. من يكون والدها بطل، فماذا سترى من نماذج الرجال الآخرين؟ أمضيت عمراً بحثاً عن بطل. تلك المقارنة صعبة وقاسية. أنا وأخواتي الثلاث لم تبارحنا صورة البطل.
○ تكرر في المسرحية التشكيك بفعالية الرجل. على سبيل المثال عمك الذي انزل سهيلة قرب الفندق الذي نزل فيه كيسنجر وانسحب فيه الكثير من الدلالات؟
• كان عمي يُسمع عمتي وهي تناضل لإخراج والدي من الثلاجة: «سوف يعطونك الميت ويسجنون الطيبين». وحين كان ممنوعاً لف الشهيد بعلم فلسطين، سهيلة اصرت فخبأت العلم في حقيبتها داخل زجاجة عطر. لم يكن الخوف يراودها. ولم تصغ لخائف. كان الحق رائدها.
○ في أي عمر كنت لدى زيارتك القدس لأول مرة بعد احتلالها؟ وكم من القوة منحتك سهيلة؟
• كنت في عمر الـ13 سنة. لست قادرة على وصف أو تحديد القوة التي امدتني بها سهيلة. امرأة ساحرة. تمتاز بحضن فضفاض واسع، وقلب كبير للغاية. محبة الآخرين الربانية بداخلها دون حدود لها. لا تعرف التنميق في الحب ولا المجاملة. حبها بفعلها. امرأة ذات حكمة. تمتاز بخفة دم، وبموهبة تقليد، وتحسن الرقص والدبكة.
○ يبدو أنك تؤكدين المثل الشعبي «خذوا البنات من صدور العمات»؟
• نعم أشبهها، ليس بعظمتها وقوتها، بل أسمح لنفسي بالقول أني أشبهها بظلها الخفيف. كذلك اذكر عمتي عبلة البطلة، التي هرّبت حقيبة متفجرات عبر جسر الاردن. سُجنت، عُذبت، فقدت عينها، اُطفئت السجائر في صدرها. أجبروها على المشي عارية هي وزوجها أمام الجنود الصهاينة. رغم كل العذاب حافظت على حملها. بعد خمسة اشهر خرجت من السجن بمساعدة المحامية فنيسيا لانغر وكافة المنظمات الدولية التي دافعت عنها. واُبعدت إلى الأردن.
○ حفل العرض بسخرية مرّة. فماذا يعني لك؟
• تعبير عن واقع الحياة. من شأنه تخفيف الألم. هذا النوع من التعبير هو جزء من شخصيتي. دائماً أجد أمراً مضحكاً في المأساة. كافة مشاهد السخرية في النص حقيقة واقعة حدثت أمامي.
○ هل توقعت هذا الاقبال على عرضك المسرحي في بيروت؟
• منذ سنتين وأنا أوثق لنص هذه المسرحية. وكلما كانت القصص تتراكم، كانت المخرجة لينا أبيض تزداد دهشة. في الواقع، ومنذ تعارفنا وأن أحكي لها قصص عمتي ووالدتي. زارتنا في عمان، وحكاياتي تتواصل، من منطلق الحكي فقط. وفي بالي «تشتغل» الرغبة بتقديم عرض مسرحي. وقد سبق وكتبت نصاً أطلعت عليه الشاعر محمود درويش.
○ كيف تعرّفت إلى لينا أبيض؟
• أحب لينا كثيراً. فهي حققت حلمي القديم بأن أكون على المسرح. منعتني والدتي لأني ابنة شهيد ولا يجب أن أكون في وسط فني، ولأن بيروت حينها كانت تعيش حروباً. في رحلة لي إلى بيروت مع شقيقتي بعد وفاة زوجي، وكنت محطمة نفسياً، أخبرتني ليلى (ابنة غسان كنفاني) أن مشروعاً قائماً لتنفيذ عرض مسرحي لـ»عائد إلى حيفا». وقالت: ليس سواك قادر على دور صفية. وجمعتني بلينا أبيض. بوصولي إلى المسرح تحقق حُلُم حياتي. وحققت المسرحية النجاح الكبير. وكذلك نجحت مسرحية «80 درجة» مع عليا الخالدي. «ألاقي زيك فين يا علي» مشروع استنفد الكثير من الحوار. ومن ثم قررت المكوث في بيروت، والتفرغ له.
○ وهل فتحية راضية عنك الآن؟
• جاءت إلى بيروت وشاهدت العرض. فتحية امرأة منفتحة وبراغماتية. أن تتعلم بناتها أحسن علم، كان من أولوياتها، وأن تحافظ علينا كعائلة. تعترف الآن بأنها أثقلت طفولتي، لأنها ارادتني كبكر قدوة لأخواتي. لا تعترضني، وتراني بعمر يسمح بالقرار. وعند حسن ظنها.
○ الختام مسك رغم تحطيم الهالات علي رمز لفلسطين، لماذا قلت «علي بيموت لما أنا موت». فهل ستموت فلسطين؟
• طبعاً لا. فلسطين لن تموت ولا علي كذلك. في زيارتي الأولى للبلد القديمة في القدس سألت الناس هل تعرفون علي طه؟ كانوا يتحمسون وينفعلون مؤكدين «طبعاً». قلت لهم أني ابنته. ولم يسألوني اسمي.
○ وهل ستُــعرض المســـرحية فـــي رام الله؟
• هذا ما سنجتهد لتحقيقه. وفي غير رام الله كذلك. وبعد بيروت سنكون في تونس.
○ رائدة طه هل انت فنانة؟ أم ماذا؟
• نعم أنا ممثلة. أمتلك قدرات الممثلة وبكل تواضع. جعبتي مليئة بالمشاريع.
○ نظراً لقربك من أبو عمّار هل ستكون حياته عرضاً مسرحياً؟ وهل سيسمح لك قادة فتح بذلك؟
• هو ليس ملكهم. إنه كما أبي أحبه واحترمه. عملية التقديس تلزمها اعادة نظر. أبو عمّار إنسان يشبهنا. زمن الإنسان الكامل ولّى. سقطت عملية التقديس والتأليه.
○ إنما علي لا يزال بطلاً؟
• في رأيي أن بطولة علي في قراره. ذهب إلى مطار اللد ليعود، تماماً كما نفّذ عملية مطار الثورة في الاردن سنة 1970 بالتعاون مع وديع حداد.
زهرة مرعي