جاء الهجوم الإرهابي في لندن ليؤكد من جديد على أن الإرهاب ليس له علاقة بالدين الإسلامي ولا بتعاليمه، فأدولف هتلر كان إرهابياً رغم أنه مسيحي، وكذا الحال بالنسبة لطياري «الكاميكاز» اليابانيين الذين لا علاقة لهم بالإسلام، فضلاً عن أن فكرة استخدام الإرهاب في السياسة، نشأت على يد الفوضويين في روسيا الذين كانوا يرفضون فكرة وجود الدولة من حيث المبدأ، على اعتبار أنها كيان مقيد للبشر ولحرياتهم.
الهجوم الذي استهدف مدينة لندن وأدى إلى سقوط أربعة قتلى، إضافة إلى المنفذ يتضمن جملة من الدلالات المهمة التي يتوجب التوقف عندها وعدم تجاهلها:
أولاً: منفذ الهجوم خالد مسعود مجرم ذو سوابق عديدة، وكان أول حكم قضائي صدر ضده في عام 1983 لارتكابه جريمة جنائية، وذلك قبل نحو 20 عاماً من اعتناقه الاسلام، وهو ما يعني أن الرجل البالغ من العمر 52 عاماً كان مجرماً سلفاً ولم يجنح نحو العنف بسبب اعتناقه الاسلام.
ثانياً: خالد مسعود مواطن بريطاني مولود داخل البلاد، وكان اسمه حتى بداية العقد الماضي (أدريان إيلمز)، ولد وتربى وترعرع داخل بريطانيا، وهذا ينسف بشكل كامل النظريات التي تزعم بأن المهاجرين القادمين من الدول الاسلامية يشكلون تهديداً للدول الغربية، وهي النظرية التي يتبناها اليمين المتطرف في أوروبا، ويتبناها ويُروج لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذه نظرية ثبت أنها مجرد هُراء، حيث أن أدريان إيلمز (أو خالد مسعود) إرهابي بريطاني أدانه كل المهاجرين في البلاد، وقبله كان الأمريكي آدم غدن، الذي يحمل اسم (عزام الأمريكي)، وكذلك ريتشارد ريد صاحب الحذاء المفخخ.. وليس من كل هؤلاء أي مهاجر ولا عربي.
ثالثاً: يتساءل الكثيرون عن سر تطرف المتحولين الى الإسلام وجنوحهم نحو العنف والإرهاب والتطرف، والجواب على ذلك بسيط، حيث يجد غير المسلمين من المجرمين أو المتطرفين في أدبيات تنظيم «داعش» وتنظيم «القاعدة» ما يمكن من خلاله أن «يُشرعن» ما يقومون به، فخالد مسعود نموذج على رجل حمل سكيناً في عام 2003 وقطع بها أنف عامل بناء مسكين وضعيف، ودخل السجن وخرج منه على أنه مجرم، لكنه وجد في أدبيات «القاعدة» و»داعش» والنصوص التي يستندون إليها فرصة التحول من «المجرم المنبوذ» إلى «الإرهابي المحارب»، فلم يتردد في ذلك، وحمل السكين ذاتها ليقتص من المجتمع الذي ينظر إليه على أنه «مجرم ذو سوابق».
رابعاً: ترجيحات الشرطة البريطانية تشير الى أنَّ خالد مسعود لم يكن سوى «ذئب منفرد» ولا يوجد أي علاقة تنظيمية تربطه بتنظيم «داعش»، كما أن التنظيم لم يكشف عن اسم المنفذ عند إعلانه تبني العملية، وهو ما يرجح فرضية أن التنظيم لم يكن يعرف المنفذ أصلاً، وإنما جاء التبني انطلاقاً من شكل العملية الذي يشبه تماماً هجوم «الكريسمس» في برلين، وهجوم نيس في فرنسا، وكل هذه الهجمات بالدهس، إنما هي استجابة لنداء كان أبو محمد العدناني قد وجهه لأنصار تنظيم «داعش» في عام 2014، ويبدو أن التنظيم يقوم بتبني هذه العمليات على أساس أنها من متعاطفين مع التنظيم وليس نتيجة ترتيبه المسبق لها.
خامساً: هجوم لندن لا يُشكل أي اختراق أمني في بريطانيا، إذ لم يتم استخدام السلاح ولا المتفجرات ولا التسلل إلى أماكن حساسة، كما أن المنفذ لا يبدو – حتى الان على الأقل- أنه أجرى أي اتصالات مع مجموعات تنظيمية، وهو ما يعني في النهاية أننا أمام سيارة يستطيع شخص أن يقودها، قامت باستهداف مدنيين أبرياء يقفون في الشارع لالتقاط الصور التذكارية، ويستطيع أيضاً أي شخص أن يقوم باستهدافهم، أو ارتكاب جريمة بحقهم.
خلاصة القول، إن الهجوم الارهابي في لندن يؤكد مجدداً أن الإرهاب لا علاقة له بالاسلام ولا الأديان، وأن أغلب الارهابيين لديهم جنوح مسبق نحو العنف والتطرف، فضلاً عن أن بعض المجرمين يجدون ضالتهم في الأدبيات والنصوص التي يقدمها تنظيم «داعش» وتنظيم «القاعدة» فيلجأون اليها ويتمترسون خلفها. كما أن هذا الهجوم يؤكد على أن خطر الارهاب لا يأتي من المهاجرين ولا اللاجئين، وإنما هو أزمة عالمية لا علاقة لها بالأديان والأجناس والأعراق. أضف الى ذلك أن أغلب ضحايا الارهاب هم من المسلمين، وليس من أبناء الاديان الأخرى، ما يعني أن أغلب الارهابيين من المسلمين وهذا صحيح، لكن أغلب الضحايا أيضاً من المسلمين.
كاتب فلسطيني
محمد عايش