جنازة مغربية من إخراج كي مون!

حجم الخط
11

بحديثه عن «الاحتلال المغربي للصحراء الغربية»، حرّك الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مياه أزمة الصحراء الغربية الراكدة منذ عقود.
لكنه تحريكٌ في اتجاه غير مأمول وغير الذي سعى كي مون إلى تحقيقه من زيارته للمنطقة.. بل عكسه تماما.
لهذا قد ينطبق على الأمين العام للأمم المتحدة القول العربي: «جاء يكحلها عماها». ذلك أن زيارته انتهت مبتورة لأنه لم يزر المغرب، الطرف الأساسي في الأزمة، وبنتيجة غير تلك المنتظرة. فالزيارة التاريخية من حيث كونها الأولى لأمين عام للأمم المتحدة إلى المنطقة لبحث الأزمة، استفزت المغرب ولم تقنع جبهة البوليساريو ولم تًفِد الجزائر بوضوح.
والنتيجة أن الأمين العام خسر طرفًا (المغرب) ولم يكسب ودّ الطرف الآخر (البوليساريو)، ولم يفِد أو يغرِ طرفا آخر (الجزائر) بشيء. وعلى الصعيد الشخصي ورّطت الزيارة الأمين العام في معضلة غير متوقعة وغير ضرورية سيحتاج لوقت طويل وجهد كبير لترميم الضرر الناجم عنها في علاقته مع المغرب.
لكن ردات الفعل التي ترتبت عن الزيارة في المغرب بالذات، هي في الحقيقة مفيدة وستنفع الأمم المتحدة لأنها ستكون بمثابة درس لأي تحرك في المستقبل، وستنفع أمينها العام في ما تبقى له من أيام على رأس المنظمة الدولية.
الدرس الأول والأساسي بالنسبة للأمم المتحدة، هو أن المنظمة الدولية بالشكل الحالي وبالقوانين ومنظومة العمل المتاحة لها، ستفشل في حل أبسط الأزمات، دولية كانت أو إقليمية أو ثنائية، لأنها، ببساطة، لا تملك ادوات فرض حل مهما كان جميلا وعادلا ومتوازنا، لأي صراع مهما كان سهلا وبسيطا.
ونزاع الصحراء الغربية، بمقاييس سُلَّم الأزمات، نزاع بسيط قابل للحل بقليل من الإصرار والضغط والمناورة الدبلوماسية. ذلك أنه نزاع يخلو من القنابل الموقوتة مثل المخاطر العرقية والدينية والطائفية، ولا يمس بالتوازنات الدولية، الأمنية والاستراتيجية والإنسانية، ولا تأثير له على انسيابية الاقتصاد والتجارة الدوليين وتدفق الموارد من شمال العالم إلى جنوبه والعكس. ومع ذلك يبدو إخفاق الأمم المتحدة فادحا ومخيفا ويستغله كل طراف من أطراف الصراع في تغذية التوتر والابتزاز. وإخفاق الأمم المتحدة هنا يعني أنها لن تنجح في أي مكان آخر.
أما الأطراف المعنية بالأزمة، فانتظر كلٌ منها زيارة كي مون ليحقق فائدته ولو إلى حين.
المغرب كان بحاجة إلى سبب وفرصة تعيد بعث الأزمة فوق منصة المسرح الدولي أو الإقليمي، فكان له ما أراد. والبوليساريو كانت تموت شوقا لمن يأتي إلى المنطقة ويرى بأم عينيه صعوبة أوضاع اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف (أقصى جنوب غرب الجزائر) ويقول فيهم كلمة طيبة، فكان لها ما أرادت. الجزائر لا همَّ لها غير انتظار فرصة جديدة توخز بها المغرب مرة أخرى غير أخيرة، فكان لها ما أرادت.
الرباط بأجهزتها ودوائرها الرسمية بالغت في ردة فعلها واحتجاجها على تصريحات وتعبيرات بان غي مون التي، في نهاية المطاف، لم تخرج كلياً عن أدبيات الأمم المتحدة التي لا تعترف بسيادة المغرب على الصحراء المتناَزَع عليها. فهل كانت الرباط في انتظار «جنازة تشبع فيها لطم»؟
يبدو الأمر كذلك. فالمظاهرات العارمة التي شهدتها الرباط ومدن مغربية يوم الأحد، بدعوة وتأطير من الحكومة وأجهزة الدولة، أُريد لها أن تكون رسالة للعالم تجدد التأكيد على مكانة موضوع الصحراء الغربية كقضية قومية ترقى لدرجة القدسية شعبيا ورسميا، ولا تحتمل أية مساومة.
لكن تلك المظاهرات هي أيضا رسالة على حجم الصعوبة التي تنتظر الحل المأمول، والتي ستقف في طريق أي طرف، دولة أو منظمة أو شخصية، يفكر في اقتراح حل أو السعي له.
المظاهرات كانت رسالة اطمئنان داخليا، فعلاوة على كونها مناورة من منظومة الحكم للاقتراب أكثر من الشارع (قضية الصحراء هي الوحيدة التي يتفق عليها الحكم والشارع المغربيان)، هي أتاحت للأجهزة الرسمية التأكد من ان مقياس حرارة القضية هو ذاته شعبيا لم يتغيّر. لكن خارجيا كانت المظاهرات بمثابة عقدة أخرى في منشار الحل حاليا ومستقبلا، بل حتى قبل أن يولد هذا الحل.
البوليساريو في حالة شلل فكري وسياسي وعسكري. عاجزة عن الحرب وعاجزة عن السلم. وهذه حالة سياسية ونفسية تجعلها تكتفي بالقليل، بموقف من نوع ما بدر عن الأمين العام للأمم المتحدة كي تعيش به فترة أخرى من الزمن، وهي تدرك أن بان كي مون لن يجرؤ على الذهاب خطوة واحدة أبعد من ذلك التصريح.
أما الجزائر فتبدو مرتاحة في ما هي فيه بعد زيارة كي مون. استقبلته وانتزعت منه ما كانت تريد سماعه (الصحراء الغربية تحت الاحتلال). في هذا المستوى، طالما لم تتضرر البوليساريو من الزيارة، ومع إدراكها بأن المجتمع الدولي غير جاد في إيجاد حل للنزاع، تبدو السلطات الجزائرية وأذرعها الإعلامية سعيدة بالألم الذي خلفته تصريحات كي مون أكثر من سعادتها بأيّة مآلات ونتائج أخرى للزيارة.
من طالع الصحافة الجزائرية خلال الايام القليلة الماضية صادفه بالتأكيد إفراط في الشماتة في المغرب والحديث عن «الصفعة» التي سببتها له تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة. لا شيء غير هذا. عقم صغير يجسد العقم الأكبر الذي ابتُليت به المنطقة.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية