جمر الشعر وبراءة الشاعر

حجم الخط
0

 

الشعر همّ، وحين يصبح قضية لدى المشتغل به، يحسن له أن ينصت طويلاً وعميقاً إلى نفسه، وصوته، وما نبدعه في زحمة المشاغل والاهتمام الوقتي لا يمنحنا دائماً فرصة الاستماع إلى صوتنا الحقيقي الذي يعبر عن همّنا.
الشعر إشارة، ما نرمز إليه بالعالم المفقود، الفردوس، البراءة الأولى، لا يعدو أن يكون تلك المعرفة اليقينية غير المعقدة المتفردة، التي تربطنا من جديد بالعناصر التي منحت الكائن البشري الإنساني وجوده الكوني في زمن وحيز مكاني يتحددان.
الشعر وجدٌ وتوجّد، ولذا فالغنائية فيه مشروعة. حين صارت اللغة العربية علماً، كان أحد المراجع الأساسية لها بعد القرآن والحديث هو أقوال العرب؛ وكانت أطرف تلك الأقوال وأروعها صوتاً وحركة وعبارة ونغمة وتصويراً هي الأشعار.
وقد تفردت رؤوس الشعر العربي الأولى بصدورها عن أفراد أحسنوا الإصغاء إلى ذواتهم العامرة بأصداء الحلم الممكن والواقع المتأصل، والقدرة على الإدراك الشجاع السخي، والرؤية النازعة لتتويج ممكنات الحلم واقعاً ذات لحظة في التاريخ فاعلة.
ثم جاء زمان لم يصغ الشعراء كثيراً إلى دفين أصواتهم، بل شدهم صوت رنين الحكمة المؤقتة والمجد الزائل وسقوط السيف وقرع أكواب التنادم. وفعلوا شعراً مكروراً كرره آخرون، ونذر المعري مزاجه ولزومياته ورسائله للسخرية والتندر على جلبة الأصوات التي لم ترتد عن قرار يختزن الماضي الحلم، والمستقبل الواقع في الحاضر الغائب، لأنه كان يدرك أن الوصف لا يُقصد لذاته، ولا الحكمة دفينة ما تبشر به، ولا المدح مقصود على رسم تمثال لمن يدفع سخياً لنحته فيه، وما الرثاء للفرد الذي زال بقدر ما هو تأكيد للقيم التي ينبغي الإصرار عليها حين ينضجها الموت.
لقد عرف أبو العلاء الشعر الجمر وضرورة التقية. كان دارساً ومدرساً وخارجاً على زمان قيم تنكر الأصالة والتفرد، تنكر الإصغاء الصافي لأعماق الإنسان التي تختزن التاريخ والأبدية وتفصح عن مستقبل غائب الحضور.
تتميز لحظات الشعر العربي الخلاقة بأن من حققوها وعشقوا وماتوا في سبيل إنشاد ما شهدوا به، كانوا أفراداً فذة شخصياتهم وحيواتهم، بهم جسارة على الخروج، وحب متوقد لحقائق الوجود الأمثل للأشياء والناس، وإحساس بعبثية الأقدار وجدارة الإنسان بتحييدها وصنعها وتنويعها. كانوا فرساناً. ثمّ لآخرين أن يفتتوا قممهم ليطرفوا بفيء ما ابتناه أولئك.
لقد كان الجيل الأول من متلقي الحضارة الغربية رائعاً في تشبعه بأدواتها ومناحيها في التفكير والتقدير، وقاصراً عن تفهم القدرة العربية المبدعة ومعطيات الحضارة الإنسانية التي بلورها انفتاح العوالم القديمة على الإسلام، وتمثل تلك العوالم لقيمه وإبداعها لذواتها على هديه. كما أن احتدام الخصومة بين المتجلببين المعممين ومن حاجهم من جيل الموفدين الأوائل قد أفسد على من انتووا الاستفادة من نظرة الابتعاد إلى واقعهم وما وراءه فرصة العمل، فاضطروا إلى المناكفة التي لم تجلب إلا مزيداً من الهرولة الفكرية العقائدية المبددة لجهود الجميع.
لقد دعانا أكثر من مبشر عائد من حضارات اليوم أن ننظر إلى التراث لنفيد من أشكاله فقط، أن ننظر في القصيدة العربية القديمة مثلاً، طارحين المضمون، ناظرين في الكيفية التي صاغه الشاعر بها.
آية من الإفك القائم على الجهل.. هذه النظرة!
إن المهم ليس هو النظر في شكليات البناء الشعري القديم، وإنما إلى منعطفات خلقه ونشوئه، والمواقف التي يدل عليها في النهاية. وليس لنا في حياة أبي الطيب وما مدح به من مدح، وهجاء، وكل الجماليات التي أقامها وهدمها وجددها، غير تلك البشارة المستشهدة التي أكدت أن نبوءة الشعر بما ينتظرنا ونعانده ممكنة وواجبة، وأن القيم العليا لا تتصل على الدوام بممدوح واحد بل تصنعها الظروف مكاناً وزماناً، وأن أرجاء المعمورة المسلمة والعربية هي المجال الذي نبشر به بما نحمل من صلف واستبسال توجه زماننا لغاياته العليا في الحياة.
صلب المتن هو المهم، لا الحواشي المطهمة!
كان السموأل يهودياً وشاعراً وفارساً، نذكره رجلاً جواداً وشاعراً، وليس المهم جوده، بل الأهم جوده بولده افتداء لموقف اتخذه دون إملاء، فالموقف هو حقيقة الشعر.
ولأنّ الشعر همّ، وإصغاء مرهف وعميق لمكنونات الذات، فإنّ الفاجعة تقترن به في منابعه البكر، كما البراءة. لقد كانت براءة السموأل هي استحالة النكوص عن التزام ارتضاه، فتمت فاجعة ذبح ابنه، ولم ينظرها كفاجعة، بل كفداء. وكانت براءة طرفة بن العبد البكري أن حمل المكتوب الذي يكلف مستلمه قتل طرفة حين يبلغه به، فلم ينصت إلى قول ناصحه بفض الرسالة والإنصات لصوت التوجس. أكان موقفاً أمام ما يمليه القدر وتنفذه أياديه، أم موقفاً للأمانة، أم رجولة تدرك أن لا فرار من موت سيكون؟
إنه الشاعر، يموت ليؤكد للبراءة مجالاً.

مجلة «الدوحة»، تموز (يوليو) 1980

ربيب الغابة والصحراء

كان الشاعر السوداني النور عثمان أبكر مولعاً بالتفلسف حول الشعر، كما يشهد نصّه في مكان آخر من الصفحة؛ ليس من منطلق التأمل الصرف أو السفسطة الذهنية، بل من رغبة جارفة في تعميق السجال بصدد القضايا الساخنة التي أحاطت بتيارات تجديد الشعر العربي، خاصة موضوعاته وأشكاله. أسانيد هذا الولع، وميادينه أيضاً في الواقع، كانت تواصل الانبثاق من ثلاثة محاور: النزوع الغنائي الطاغي في قصيدة عثمان أبكر، وإيمانه بأنها روح الشعر؛ ومعركة التفعيلة، الشكل الذي استقرّ عليه الشاعر؛ ومدرسة «الغابة والصحراء» التي كان أحد مؤسسيها وصاحب إطلاق التسمية، وبين أبرز منظريها، صحبة محمد المكي إبراهيم ومحمد عبد الحي.
وهذه المدرسة تنطلق من مقولة تبدو بسيطة تماماً، للوهلة الأولى على الأقلّ: أنّ الثقافة السودانية، والإبداع الشعري تحديداً، نتاج امتزاج العنصر الأفريقي، أو «الأفريقاني» كما تمثّله الغابة؛ والعنصر العربي، والبعض استخدم تعبير «العروبي»، كما تعكسه الصحراء. لكن قبول المدرسة بدا أكثر صعوبة لدى شعراء آخرين في السودان، بينهم الراحل صلاح أحمد إبراهيم، انحازوا للعروبة وحدها؛ وشعراء آخرين، كانوا في صفّ اليسار غالباً، ودرسوا في الاتحاد السوفييتي، واجتذبهم المفهوم الطبقي والمادي التاريخي للشعر، على شاكلة الشاعر الراحل جيلي عبد الرحمن وتاج السرّ حسن؛ وشعراء من طراز ثالث، مثل محمد الفيتوري ومحي الدين فارس، كانوا في عداد الرواد، وكانت أفريقيا حاضرة بقوّة في شعرهم، وكذلك العروبة، ولكن دون إلحاح على أيّ مزج، أو فصل أيضاً، بينهما.
وساعة رحيله، في العاصمة القطرية الدوحة، بعيداً عن بلده وأهله، كان عثمان أبكر قد ترك تجربة شعرية مميزة تماماً في السودان، سواء لجهة قاموسه الحارّ ذي المجاز العالي، أو موضوعاته التي حفلت بأساطير ورموز شتى تعكس ثراء السودان الروحي والشعائري، أو اشتغاله على تطوير إيقاعات تفعيلية تستلهم الكثير من الموسيقى الأفريقية. وقد نشر أربع مجموعات شعرية: «صحو الكلمات المنسية»، «غناء للعشب والزهرة»، «أتعلم وجهك»، و»النهر ليس كالسحب»؛ ومن أجواء المجموعة الأخيرة، هذه السطور: «النهرُ ليس كالسحُبْ/ تُشِعُّ ، تغتدي / تفيض لمحةً / تضيعْ/ النهر ليس كالشجرْ/ ولا يعود القهقرى لنبعهِ/ النهر دفقة الحياةِ/سِرُّها القصيُّ/ لؤمُها/ أمام سطوة الأنواء والرياحْ/ للنهر ساعِدٌ وحافرٌ مُضاءْ/ هديّتي إليكِ نفحةٌ من المطرْ/ وباقةٌ من الضياء زفّها النَّهرْ/ وحزمتان من جبينيَ العرَّافْ/ وخاطرة/ عن النهَرْ»؛ حيث لا تخفى تأثيرات بدر شاكر السياب، وخاصة في قصيدته «أنشودة المطر».
كذلك نشر عثمان أبكر كتاباً نقدياً بعنوان «دراسات في أدب الشباب»، وآخر بعنوان «الرواية السودانية»، وأنجز ترجمات عديدة عن الإنكليزية والألمانية.

نصّ: النور عثمان أبكر

إشترك في قائمتنا البريدية