ـ حين يصبح ميزان القوة مائلاً نحو كفة المحصّنين من العقاب بفضل نفوذهم أو ثروتهم أو عِرقهم أو دينهم أو جنسهم، يكون الحفاظ على الذاكرة الوسيلة الوحيدة المتاحة للمظلومين. سيبقى هذا المعنى معك طويلاً، بعد أن تشاهد فيلم «سترونغ آيلاند» الذي تم ترشيحه لجائزة أوسكار أحسن فيلم وثائقي، وأخرجته وأنتجته الأمريكية يانسي فورد، لتحكي فيه قصة قتل شقيقها ويليام عام 1992، قبل أيام من حصوله على الوظيفة التي كان يحلم بها، وصام من أجلها 32 يوماً، لينقص وزنه ويصبح لائقاً لمعايير الوظيفة. قُتل ويليام برصاصة في قلبه، لأنه رد على الإهانة التي وجهها لأمه ميكانيكي سيارات أبيض، ولأن ويليام كان أسود البشرة وضخم الجثة، فقد مالت هيئة المحلفين الكبرى المكونة من 23 مواطنا أبيض اللون، إلى اعتبار الواقعة دفاعاً مشروعاً عن النفس، وخرج القاتل من القضية بكل بساطة، في أعقاب محاكمة هزلية سريعة، كان أكثر ما أوجع قلب والدة القتيل فيها أن المحلفين كانوا طيلة الوقت يستمعون إلى الوقائع دون اهتمام، كان بعضهم يقرأ مجلة وآخر يحل الكلمات المتقاطعة وثالث ينظر إلى السقف دون تركيز، وظل ذلك الشعور بالاستهانة بدم ابنها، يرافقها ويوجعها حتى لحظات إصابتها بالغيبوبة بعد أكثر من عقدين ونصف على رحيل ابنها، ذلك الرحيل الذي أصاب الأب بالشلل بعدها مباشرة، وكان موتاً فعلياً للأسرة بأكملها.
قررت يانسي أن تخلد حياة شقيقها التي أنهاها الغدر وتواطأت عليها العنصرية، فصنعت ذلك الفيلم الشخصي المهم، لتعيد التذكير ببطولة أخيها الذي ساهم قبل سنوات من قتله في إنقاذ حياة أحد المدعين العامين بنيويورك بعد أن تعرض للطعن من أحد اللصوص، في نفس الوقت الذي قدمت أخيها كإنسان له عيوبه، وخلدت أحلامه العريضة التي كان يكتبها في دفتر يومياته ببساطة آسرة. على الشاشة نرى يانسي وهي تحاول الاتصال بالذين ساهموا في ظلم أخيها وإفلات قاتله من العقوبة، لكنها تصطدم بقلوب منعدمة الضمير، فتمنح لوالدتها الثكلى مساحة لم تجدها في مكان آخر، لتحكي رحلتها مع الحياة في مجتمع يخفي عنصريته خلف ستار الإجراءات القضائية المزينة بالنصوص القانونية المصقولة.
بعد فترة وجيزة من رواية شهادتها دخلت الأم في غيبوبة، لينتهي الفيلم دون مفاجآت سعيدة يظل المشاهد يتوقعها حتى آخر لحظة، مقدماً للمشاهد صوراً للدنيا وهي مقلوبة رأساً على عقب، تعقبها سطور توجهها يانسي إلى أخيها في رقدته الأخيرة على أسفلت بارد، وقد استقرت رصاصة في قلبه المفعم بالحب لأمه وأبيه وشقيقتيه، ولعله كان يتساءل كيف ستتحمل عائلته ما جرى له، دون أن يعرف أن قاتله مارك رايلي سيظهره بمظهر الوحش، وأنه لن تكون هناك محاكمة عادلة، لأن القاتل قد نجا بفعلته، بعد أن أصبح خوفه كرجل أبيض مبرراً للقتل دون تحقيق ولا محاكمة، لتنضم قصته إلى آلاف القصص التي نجا فيها القتلة من العقاب، لكن أهالي الضحايا لم يستسلموا للصمت، ولم يجعلوا مهمة النسيان سهلة، دون أن يكترثوا ما إذا كان ذلك بداية لتحقيق العدالة، أو مجرد صرخة في وجه الظلم، المهم أنهم حاربوا بالسلاح الوحيد الذي يملكونه، سلاح الذاكرة.
ـ على صعيد آخر يخص الذاكرة، قرأت في مجلة «هاربر» الأمريكية العريقة إشارة إلى متحف فريد من نوعه تحتضنه العاصمة الكرواتية زغرب، يحمل عنوان «متحف القلوب المحطمة»، أو هكذا أحببت أن أترجم اسمه الذي يشير إلى اختصاص المتحف في توثيق العلاقات التي حطمها الانفصال بكافة أشكاله، وقد تم مؤخراً نشر كتالوج لمجموعة من أهم مقتنياته، التي أودعها أصحابها فيه مرفقة بذكريات ترتبط بها وبأصحاب العلاقة التي انفصمت عراها، أحدهم أودع في المتحف ساعة أثرية وكتب: «كانت تحب الأنتيكات، تحب أي شيء قديم خصوصاً لو كان معطلاً، وهذا بالتحديد السر في أننا لسنا معاً الآن». أودع آخر نظارة مكبرة وكتب: «أعطتها لي كتذكار قبل أن أرحل، لم أفهم أبداً لماذا أعطتني نظارة مكبرة بالذات كهدية، وهي لم تشرح لي السر، لكنها قالت لي من قبل أنها تشعر بالضآلة حين تكون بصحبتي». أودعت أخرى قطعة من حبل باراشوت وكتبت «قابلته في أول قفزة لي بالباراشوت، كنت خائفة، لكن هذا الرجل الوسيم الذي كان مدربي على القفز المتزامن بالباراشوت أنقذني، ولاحقاً علمني القفز المفرد بالباراشوت، وأحببنا بعضنا، لكنه لاحقاً مات في حادث قفز بالباراشوت». شخص آخر أودع جهازاً لتحميص الخبز وكتب أو كتبت «حين خرجت من الشقة، أخذت معي التوستر، لأتذكر كيف يمكن لكل شيء أن يحترق».
أطرف ذكرى على الإطلاق في كتالوج المتحف كانت زجاجة من الماء المقدس تم صنعها على شكل السيدة مريم العذراء، وقد كتبت من أودعتها هذه السطور: «في صيف 1981 قابلت حبيباً عابراً في مدينتي أمستردام. كان قد توقف فيها خلال رحلته لاستكشاف أوروبا بالقطار، كان من بيرو، تقابلنا في ديسكو بوذا وافترقنا، لم يطل الوقت حتى التقينا ببعض بالصدفة في الشارع، ذهب معي إلى البيت وظل مقيماً معي لمدة شهرين، ثم اختفى فجأة، وجدت رسالة وداع وهذه الزجاجة الصغيرة، التي كتب أنه أحضرها خصيصاً من بيرو لكي يهديها لحبه الجديد، وما لم يكن يعرفه أنني كنت قد فتحت حقيبته قبل ذلك، ووجدت كيساً مملوءاً بالكامل بتلك الزجاجات، على أية حال لم أره بعد ذلك».
ـ أخيراً وفي إطار تنشيط الذاكرة بمهازل الديكتاتورية، قامت مدونة صينية بالتزامن مع انعقاد المؤتمر التسعين للحزب الشيوعي الصيني، بإعادة نشر توصيف للتعليمات التي كان يتلقاها الجمهور الذي يحضر خطب الديكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو، والتي كانت تقسم أنواع التصفيق التي يتم تدريب الجمهور عليها سلفاً إلى الأنواع الآتية: «تصفيق عادي ـ تصفيق طويل ـ تصفيق حاد ـ تصفيق مبتهج ـ تصفيق دافئ ـ تصفيق دافئ ممتد ـ تصفيق دافئ مبتهج ـ تصفيق دافئ مع وقوف الجمهور في حالة ابتهاج ـ تصفيق دافئ مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس ـ تصفيق دافئ ممتد مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس ـ تصفيق دافئ ممتد مع وقوف الجمهور الذي يصحبه هتاف متحمس بابتهاج ـ كل فرد من الحضور يقف ويظهر عليه الحيوية والبهجة لوقت طويل ـ تصفيق حاد وقوي ومتحمس لوقت طويل مع الوقوف والهتاف لعدة دقائق في جو دافئ وغير موحد ـ تصفيق دافئ وهتافات يقف فيها كل فرد من الحضور ويبتهج لفترة طويلة من الوقت في مناخ مليء بالدفء».
إذا كنت من جيل الآيباد، فلعلك لن تصدق أنه كانت توجد بالفعل فروق واضحة وشاسعة بين كل تعليمة تصفيق والثانية، ربما يساعدك اليوتيوب على رؤية كيف كانت تعليمات كهذه تنفذ بشكل دقيق في المؤتمرات الحاشدة التي يخطب فيها زعماء مولعون بالخطابة من عينة هتلر وتشاوشيسكو وصدام حسين، حيث كان الالتزام الصارم بتلك التعليمات يضفي على الأجواء كآبة مقبضة، لم تكن لتراها في الطبعة المصرية من الخطابات الرئاسية الحاشدة منذ ما بعد يوليو 52، حيث كان يُسمح دائماً بقدر من الإرتجال في النفاق للرئيس أثناء خطابه، وكان يُترك التجاوب مع تلك اللمسات النفاقية المرتجلة لمزاج الرئيس لحظة إلقاء الخطاب. فإذا كان رائقاً قام بتشجيع المرتجل بالكلام أو الضحك، وإذا كان متعكر المزاج أشار إليه بغضب أن يسكت ليكمل خطابه، وإذا كان غير مكترث بما يقوله المرتجل، قام بالإشارة القولية أو الحركية التي تفيد بأنه يعرف أن المرتجل منافق تافه، فيضحك الجميع من إشارة الرئيس، بمن فيهم المنافق المرتجل نفسه، ويسود المكان بأسره جو تلقائي حميم من الانحطاط، يصيب من يشاهده ومن يشارك فيه بالخدر اللذيذ.
كان ذلك قبل أن يصل إلى سدّة الحكم ويسدّها، قاتل محترف مثل عبد الفتاح السيسي، اعتاد أن يتحدث وهو يعطي أنصاره وشركاءه ومنافقيه قفاه، تعبيراً عن عدم اكتراثه باستطلاع رأيهم فيما يقوله، لأنه إذا أراد أن يتأكد من أكثر ما يهمه، فسيلتفت مباشرة إلى يساره حيث يستقر وزير الدفاع الذي سيضحي بحياته وحياة الجيش من أجله، وإذا أراد أن يرى استحساناً لما يقوله، ربما التفت نصف التفاتة إلى اليمين أو الشمال، لكن ذلك الاحتقار لن يؤثر في همة محاسيبه و«ألاضيشه»، ولن يقلل من تصفيقهم الدافئ الممتد أو الدافئ المبتهج، الذي يكفيهم أن تسجله الكاميرات، ليفتخروا أنهم أسهموا بكل ما أسعفتهم أيديهم، في تشجيع ومساندة القائد الهمام، في إنقاذه لمصر من الابتلاء بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
بلال فضل