تذكرت وأنا استمع إلى إقالة وزير الخارجية الأمريكي الأسبوع الماضي، بالطريقة التي تمت بها، مناقشاتي مع صديقي الأمريكي الباحث في العلوم السياسية، الذي طلبت منه أن يحدثني عن هذا الرئيس الأمريكي الجديد، وكيف وصل إلى البيت الأبيض، بهذا الشكل وبهذه المواصفات، فقد التقيت هذا الصديق أكثر من مرة بالجزائر، بعد انتخاب الرئيس ترامب، وانطلاق المواجهات التي دشنها الرئيس ـ رجل الأعمال، مع مؤسسات الدولة العميقة بأمريكا ونخبها المركزية الليبرالية، التي لم تقبل بوصوله إلى البيت الأبيض بما يمثله من شعبوية وشوفينية.
صديقي الامريكي المقيم بالجزائر من سنوات عايش خلالها سنوات بوتفليقة الأولى في قصر الرئاسة، وما كابده خلالها من صراعات مع المؤسسة الأمنية والإعلامية الفاعلة في الجزائر، تماما كما انطلقت به عهدة ترامب الأولى. نقاط تشابه أوصلت صديقي الأمريكي إلى قناعة: ضرورة أن يزور ترامب الجزائر، لكي يتعرف عن قرب على هذا النظام السياسي، الذي يتعايش فيه رئيس مع مؤسسات معادية له لمدة أربع عهدات كاملة، وليس عهدة واحدة غير مضمونة، كما يتوقع أن يكون الحال مع ترامب. الكثير من نقاط التشابه بين النظامين والرئيسين، تكلمت فيها مع صديقي الأمريكي الذي اصرّ على أن انتخاب الرئيس ترامب جعل النظام السياسي الأمريكي يشبه كثيرا الوضع في الجزائر، في ما يتعلق بعلاقات الرئيس ترامب بمنظومة الحكم ومؤسساتها الفاعلة، التي يمكن أن تقصر من عمر عهدته الأولى وتمنعه نهائيا من الطمع في عهدة ثانية، حسب تكهنات صديقي الأمريكي الذي يرفض العودة إلى بلده، مادام ترامب في البيت الأبيض، رغم أن مثل هذه التكهنات لم تصدق في الحالة الجزائرية 2004 التي سيصل فيها الرئيس بوتفليقة، إذا اطال الله في عمره، إلى عهدته الخامسة.
أوجه شبه يمكن تعميمها لتشمل ذلك التماهي الحاصل بين العائلي والرسمي، بعد غزو آل ترامب للبيت الأبيض كمستشارين ومتنفذين، انتشرت بسرعة رائحة فسادهم، تماما كما هو حصل ويحصل في أكثر من حالة عربية، من بينها الجزائر، بالطبع التي أعادها الرئيس بوتفليقة إلى السير في الاتجاهات السائدة عربيا، في ميدان التزاوج بين العائلي والسياسي الرسمي، والتي كانت بعيدة عنه لغاية 1999، لكن ما جعلني اقتنع بالحديث أكثر عن «ترامب الجزائري» هو الطريقة التي أقال بها الرئيس الأمريكي وزير خارجيته ريكس تيلرسون، التي تمت عن طريق تغريدة تويتر الأسبوع الماضي. والرجل خارج التراب الوطني، في مهمة رسمية! فمن كان يصدق حصول هذا الأمر في نظام سياسي كان يوصف بأنه نظام المؤسسات الفعالة، وفصل السلطات والشفافية في صناعة واتخاذ القرار؟
طريقة إقالة الوزير الأمريكي التي اعادتني للمقابلات التي أجريتها مع بعض الوزراء الجزائريين، الذين تمت إقالتهم بطريقة أقل ما يقال فيها إنها مشينة، ولا تنم عن ثقافة الدولة التي بشر بها الرئيس بوتفليقة كغيره من الرؤساء الجزائريين قبله. فقد أقيل أكثر من وزير وهو في مهمة بالخارج، كما حصل مع وزير المالية في حكومة سيد احمد غزالي (1992)، في فترة اضطراب النظام السياسي الجزائري. فقد اقيل الرجل وهو يهم بالتفاوض حول مديونية الجزائر، مع مدير صندوق النقد الدولي في مانيلا بالفلبين المتواجد فيها في إطار لقاء دولي.
فقد لاحظ الرجل أن استقبال مدير الصندوق الفرنسي ميشال كمدوسيس لم يكن حارا كما توقعه، من فرنسي يعرف الجزائر والجزائريين. ليكتشف بعد خروجه من المقابلة في طريق العودة إلى الجزائر، عن طريق باريس أن المدير الفرنسي كان على علم بإقالته، ما فسر له برودة المقابلة. عندما وصلت باريس أخبرني سفيرنا هناك أنني أقلت من منصبي، وأنا في الجو، أقوم برحلتي الطويلة بين الجزائر ومانيلا، لمقابلة مدير صندوق النقد الدولي للتفاوض حول مديونية البلد كوزير للمالية. إقالات مهينة أخرى عاشها أكثر من وزير وهو في زيارة عمل، أو في اجتماع أو في لقاء رسمي، بل هناك من سمع بالإقالة على المباشر في التلفزيون وهو جالس في منزله مع عائلته. أما المحظوظ من الوزراء فقد تم الاتصال به تلفونيا، تماما كما حصل مع الوزير الأمريكي الذي استفاد من تقدم وسائط التواصل الاجتماعي، فكانت إقالته عن طريق تغريدة عبر تويتر نشرها ترامب على حسابه الخاص.
هذا الابتذال الذي لحق بمنصب الوزير والرئيس في أكثر من نظام سياسي، يبقى في حاجة إلى تفسيرات متعددة، البعض منها معروف على غرار «التبقرط « الذي لحق بهذه المناصب، التي كانت من نصيب من كنا نسميهم «زعماء» في وقت سابق. فالوزير في كل العالم تحول إلى منفذ سياسات يشبه الموظف الكبير وليس واضع سياسات، الابتذال نفسه الذي لحق بمنصب الرئيس، حتى في أكبر الديمقراطيات، وإلا بماذا نفسر وصول أشخاص مثل ساركوزي إلى الإليزيه وترامب إلى البيت الأبيض بالمواصفات الشخصية المعروفة عنهم. بدون التفصيل في ذكر أسماء أخرى كثيرة يعرفها القارئ. لم تكن تملك بالضرورة المؤسسات الفاعلة التي يستند إليها ترامب وساركوزي من مؤسسات المال والسياسة التي دعمتهم وجاءت بهم إلى سدة الحكم.
من جهة أخرى لا اعتقد أن تفسير هذا الابتذال سيكون بعيدا عن التحولات التي تعيشها المجتمعات البشرية والعالم على صعيد انتشار التعليم، والوسائط الاجتماعية التي سمحت للمواطن العادي بالوصول إلى الكثير من المعطيات والحقائق التي كانت غائبة عنه. فلم يعد السياسي بهذه «القداسة» التي كانت تمنح له في السابق عندما كان بعيدا عن عين وأذن المواطن.
سأكون في حاجة إلى خيال القارئ ليتصور معي كيف سيكون رأينا نحن العرب والمسلمين، من أبناء هذا العصر، في حكامنا وزعمائنا السياسيين والروحيين، التاريخيين، لو كانت هناك كاميرات تلفزيون تصور وتويتر يغرد وفيسبوك ينشر ويناقش، في أزقة وقصور دمشق الأموية، وبغداد العباسية. مكتفيا عن قصد بهاتين الفترتين التاريخيتين حتى لا أسقط في المحظور ويذهب الخيال بعيدا بي وبالقارئ الكريم لفترات تاريخية أقدم.
كاتب جزائري
ناصر جابي