النورماندي

حجم الخط
8

لا يمكننا سوى أن نقول إنّها «ضربة معلّم» تلك التي حقق بها الكاتب النورماندي جوزيف أندراس نجاحا غير متوقع بروايته «عن إخواننا المجروحين» ليس لأنها باكورة أعماله التي نال به جائزة غونكور لأوّل عمل روائي وقيمتها خمسة آلاف يورو، بل لأنه برفضه الجائزة حقق نجاحا يفوق قيمة استلامها وما يليها من بهرج الترويج للرواية وتسويقها بشكل جيد.
أكثر من ذلك فقد رفض الكشف عن شخصيته، وعنوان سكنه، وفضّل أن يمنح لنفسه نقطة إضافية ترفعه درجة عن كُتّاب الجوائز، والصالونات وطرق الترويج المتنوعة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي .
الإعلام الفرنسي بحث دون جدوى عن معلومات عن هذا الكاتب اللغز، فحتى ناشره «آكت سود» لا يملك معلومات عن الكاتب سوى أنه كاتب فرنسي يعيش في النورماندي وعمره 32 سنة، حسب تصريحات مديرة الدار فرنسواز نيسن، التي تؤكد أن الدار تحترم رغبة الكاتب في أن يبقى بعيدا عن الأضواء الإعلامية. يكتمل لغز النورماندي عند عتبة صورة تناقلتها وسائل الإعلام الفرنسية والغربية لرجل يولي وجهه صوب نهر ولا يظهر من ملامحه السمراء سوى الشيء القليل، الذي لا يسمن ولا يغني عن جوع وأنّ اسمه مستعار. نقطة على السّطر.
ومع هذا لا شيء يلتصق بالأذهان منذ إعلان الجائزة سوى اسمه المستعار هذا، جوزيف أندراس، وعنوان روايته التي تعيدنا للماضي بقصّة مختلفة تحيي شخصية فرنان إيفيتون، المناضل الفرنسي في صفوف جبهة التحرير الجزائرية، الذي أعدم بالمقصلة من طرف السلطات الفرنسية سنة 1957.
مختصر لا يكفي ليشفي القارئ غليله سوى أن يتوجه لأقرب مكتبة ويقتني الكتاب ليقرأه. غير ذلك فالكاتب على ما يبدو لا يريد أن يخضع لسياسة «الفرز» التي قامت بها لجنة من عدة أعضاء لتحكم على باقي الأعمال المرشحة أنها أقل مستوى من روايته، والتي تحشره في قفص ضيق لا يتسع لشساعة الأدب وأفقه المفتوح.
في رسالته الموجهة للجنة التحكيم يقول إن مفهومه للأدب لا يتوافق مع فكرة المنافسة. وهذا كاف للاعتراف بفرادته، ككاتب حر، لا يمكن لأي نوع من القضبان أن يقلّص من حجمه، كتلك الأصوات التي ترتفع بعد إعلان أسماء الفائزين بالجوائز الأدبية للتقليل من أهميتها، والطعن في لجنة الجائزة وأمور أخرى يعرفها القاصي والدّاني. ردة فعل تذكرنا بجان بول سارتر حين رفض جائزة نوبل، لأن مشروعه الأدبي والفكري لم يكتمل حسب قوله ولا يريد أن ينهيه عند حاجز نوبل.
في تاريخ الغونكور الفرنسية يعود إلى الأذهان أيضا الكاتب الفرنسي جوليان غراك (واسمه الحقيقي لويس بوارييه) الذي رفض الجائزة عام 1951، والذي يلتقي معه صاحب الأخوة المجروحين في الاختباء خلف الاسم المستعار. رفض غراك الجائزة حينها موجها رسالة لأكاديمية غونكور على أنّه لم يترشّح للجائزة لهذا لا يستحقها، وردت عليه أن الجائزة لا تقوم على الترشح لها، ومنحت له رغم رفضه.
أمّا المتعة في ذلك الاختباء فتبدو مثارا كبيرا للأسئلة، ولا يمكن شرحها بسهولة إلاّ إذا كان الكاتب نسخة جديدة عن ياسمينة خضرا، الكاتب الجزائري الذي اختفى خلف اسم زوجته لدواعٍ أمنية أيام فوضى التصفيات في جزائر التسعينيات.
غراك فعل ذلك للفصل تماما بين مهنته كمدرّس وهويته الباطنية كأديب، على الأقل هذا ما ورد في مواقع عدة بحثت فيها عن اسمه، كوني لا أعرف شيئا عنه قبل قراءتي تفاصيل عن الرّافض الجديد لغونكور.
احتمال آخر يلمع في رأسي حين أقرأ أن «آكت سود» نشرت كتاب أندراس بالتعاون مع «دار البرزخ» الجزائرية، فقد يكون الفائز الجديد جزائريا أيضا، يفضل أن يبقى بعيدا عن الأضواء حتّى لا يدخل في الدوّامة التي دخل فيها كمال داود منذ عامين من إهدار دمه علنا من طرف شيخ متطرّف يعيش حياته بطمأنينة وسط لامبالاة غير مفهومة من طرف الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي، وقد بدا جليا أن التحريض على قتله جاء نتيجة لما نشرته الصحافة المعربة ضد داود.
أندراس بمحتوى روايته أيضا يعيد للأذهان كل الفرنسيين الذين ناضلوا ضد الاستعمار الجزائري من كتاب وشعراء ومثقفين، وانتهى دورهم بعد استقلال الجزائر. ما يثير الأسئلة حول ذلك النكران الذي نتّسم به جميعنا في العالم العربي، تجاه كل من يتبنى قضايانا الإنسانية ويتعاطف معنا.
لا أنكر أن قراءتي لموضوع رفض جائزة مرموقة بحجم غونكور مع كل هذه المعطيات مجتمعة هي ما قادتني لطرح الموضوع بهذه الصيغة. كما لا أنكر أني فجأة رأيت لأول مرة الحدود الفاصلة بين فضاء ضيّق لجائزة وما هو خارجها من دون نهايات.
ولأول مرة أكتشف أن مكاسب رفض جائزة أدبية قد تكون أكبر بكثير من قبولها واستلامها تحت الكثير من الأضواء، مع ملاحظة أنني لا أنصح أي كاتب عربي أن يتصرّف بالطريقة نفسها، لأن رفضه لجائزة بهذا الحجم قد يكون خسارة فادحة له وضربة حظ لن تتكرر، خاصّة إن كانت قيمة الجائزة كبيرة، ولا أعتقد أن هناك جائزة على المستوى العربي ستغير شيئا في حياة الكاتب، سواء نالها أو رفضها، مع أن نيلها أفضل بكثير من رفضها، ما دام أكثر كاتب «يبيع» في العالم العربي لا يتعدّى رقم مبيعاته على مدى عشرين سنة ثلاثين ألف نسخة، وهذا رقم محبط للغاية مهما ادعى البعض أن أرقامه تفوق المئة ألف نسخة على سلم المبيعات.
إذ لا أحد يجهل أن الكاتب عندنا لا يعيش من مداخيل كتبه، بل من مهنة ثابتة غالبا ما تكون التدريس أو الإعلام أو من هبات من هنا وهناك حسب علاقاته الوطيدة والجيدة مع جهات تستثمره للترويج لمؤسسات معينة أو غيرها، وهذا موضوع آخر شائك أعتقد أن الكشف عن كواليسه لن يقبله أحد في هذه الآونة. وحتى أولئك الفائزون بجوائز ذات أهمية يهوي عليهم سندان النّقد اللاذع من طرف «رفاق الكلمة»، ما يجعل أغلبهم يتحوّلون إلى أعداء كل ينتهز الفرصة للانتقام من الآخر. أمّا قيمة الجائزة وإن حلّت ضائقة أو أزمة ما فإنها لا تغيّر شيئا في شخصية الفائز، فالنسونجي يصرفها على النساء، السكرجي يصرفها على الكحول، وكل على طقوسه المألوفة، حتى الكتاب المعروفون ببخلهم تجدهم ازدادوا بخلا وحالهم يرثى لها، وكأن لا قرش إضافيا دخل جيوبهم.
أوف… كل هذا الكلام سببه «النورماندي» اللغز الذي تعمّد أن يظل غامضا، وهو يلوّح بكتابه الأول من بين الظلال. فهل تراه يلوّح برسائل مشفّرة لم يفسرها الإعلام بعد؟ أم أن جنونه الشخصي أبسط من أن يسيل كل هذا الحبر من أجله.
البعض قال إنه وصف بشاعة الموت وحكم الإعدام، ليقول «لا لعقوبة الإعدام» بطريقته، وقد اختار الطريقة الأمثل ليُبقي حرفه حيا بعيدا عن مقصلة الجوائز… من يوقفه الآن وقد جرف كل المقاصل التي أمامه وفسح لنفسه طريقا أبعد من أي حدّ فاصل لجموحه؟

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

النورماندي

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية