الهمجية الإسرائيلية ضدّ غزّة، هذه الأيام، إنما تستكمل سلسلة الحلقات الهمجية التي تعاقبت منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي؛ وتدخل، استطراداً، في قلب المزاج الدموي الذي جعل، ويجعل كلّ يوم، سواد الإسرائيليين بمثابة آلة فتك، وآلة كابوس، وآلة وجود مختلّ، في آن معاً.
هذا، بالطبع، مزاج أهوج أعمى، متطرّف وعنصري وبربري، يقتات على الدم الحيّ تارة، مختلطاً بالدخان والدمار واللهيب؛ أو يتغذى، طوراً، على صورة فلسطيني يزداد زجّه في صورة الآدمي اللا مرئي الذي لا يُرى، إذا بان واستبان، إلا في صورة الإرهابي القاتل الإسلامي المتشدد الحمساوي، الذي انفكّ عن كلّ عقل واعتدال. وغزّة اليوم، مثل بيت حانون أو سجن أريحا في الأمس القريب، لا تتنزّل في مستقرّ آخر سوى هذا الانفلات الفاشيّ الوحشي الذي يلجأ إليه كيان لم يعد يحفظ من ذاكرة الهولوكوست سوى إعادة إنتاج تنويعاته، بين حين وآخر، فتستوي غزّة مع بيروت، وبيت حانون مع بنت جبيل…
وكان الروائي والكاتب الإسرائيلي دافيد غروسمان (الذي، للتذكير، فقد ولده أوري، ابن الـ 20 سنة والضابط الاحتياط في سلاح المدرعات، أواخر العدوان الإسرائيلي على لبنان)، قد أقرّ بأنّ الأزمة التي تعيشها إسرائيل «أشدّ عمقاً مما كنّا نخشى في أيّ يوم، وفي كلّ منحى». ويستعيد غروسمان ذكرى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين، لكي يوضح أنه «يحمل لهذه الأرض محبّة هائلة وطاغية ومركبة»، وأنه علماني التفكير؛ ولكنه، من جانب آخر، مؤمن بأنّ قيام دولة إسرائيل يظلّ «معجزة من نوع ما، سياسية ووطنية وإنسانية، وقعت لنا كأمّة». وكان غروسمان بحاجة إلى تشديد كهذا، مشبوب غنائي، ثمّ واقعي ـ ميتافيزيقي، لكي يبلغ سلسلة خلاصات كارثية من الطراز التالي:
ـ «هذا وطن جعل كارثتي الشخصية بمثابة ‘ميثاق دموي’؛ و»طيلة سنوات كثيرة، لم تفرّط إسرائيل في دماء أبنائها فحسب، بل فرّطت في المعجزة ذاتها، وفي فرص بناء دولة ديمقراطية ناجحة، تلتزم بالقِيَم اليهودية والكونية»؛
ـ «كيف حلّ بنا هذا؟ متى فقدنا حتى الأمل في أننا سنكون ذات يوم قادرين على تأمين حياة مختلفة أفضل؟ وكيف حدث أننا نواصل التفرّج كلّ على حدة، كأننا نُوّمنا مغناطيسياً بفعل الجنون والوقاحة والعنف والعنصرية التي حاقت بوطننا؟»؛
ـ «الناس الذين يقودون إسرائيل اليوم عاجزون عن ربط الإسرائيليين بهويتهم، وبتلك المساحة والذاكرة التي تمنحنا الأمل والقوّة، وتضفي بعض المعنى على صراعنا اليائس الواهن من أجل البقاء»…
وفي التعليق على مجازر غزّة، لا يبدو أنّ هذه الصورة الكابوسية تتلبس غروسمان إذْ ينصح قادة إسرائيل بوقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة، من جانب واحد، بهدف إقناع «حماس» بأنّ الضربات التي كانت شديدة يمكن أن تصبح أشدّ إذا استؤنفت! صحيح أنه يطالب، بلغة حازمة، أن تدرك إسرائيل بدقّة متى يتوجب على قوّتها الردعية الجبارة أن تلزم حدّها؛ إلا أنه يميل إلى اعتماد ذات المعادلة الرائجة، الفاسدة الزائفة: استفزاز صاروخي من «حماس»، مقابل ردّ فعل دفاعي من إسرائيل.
لكنّ هذه المعجزة البربرية، إسرائيل، لا تمارس جولة سفك دماء جديدة ضدّ غزّة، هذه المرّة، دون «ظهير» عربي، أو أكثر، يغطّي وحشيتها: بشار الأسد يقصف السوريين، بالبراميل، على نحو أشدّ (وليس، البتة، أقلّ) بربرية؛ وعبد الفتاح السيسي مبتهج بمصادرة دفعة صواريخ غراد، كانت متجهة إلى غزّة، متناسياً تماماً حكاية «مسافة السكة» الشهيرة، التي تبجح بها في الأمس القريب!
صبحي حديدي