أعادتني إلى قراءة هذا الكتاب «المسلم عدوّا وصديقا» لماريا سوليداد أورغويتي (ت. عبد العال صالح طه، المجلس الأعلى للثقافة، مصر 2005)؛ الأحداث والحوادث المتعاقبة التي تنفجر فيها ألغام الماضي، سواء عندنا أو عندهم أهل الضفّة الأخرى من المتوسّط. وهي تؤكّد كلّها أنّ الماضي غموض لا ينضب، وأنّنا إنّما نبذل بذلا ضائعا، ونسعى سعيا خائبا؛ كلّما حاولنا النّفاذ من الحاضر إلى غواشي الماضي أو منها إليه، فقد لا نظفر بأكثر من فروض ينسجها السّراب التاريخي وأوهامه الخادعة. وهذه الحوادث ـــ على غرابتها ــــ ليست كلّها صورة منعكسة من ماض أو من تاريخ قلق، ولا هي ذوتْ أو فترتْ في فترات من التّاريخ، ضربت فيها الفوضى، أو جرَتْ فيها الحياة رضيّة مذلّلة أو لم تجْر. وقد تكون الحكمة كلّ الحكمة، أن تكون لنا براعة البهلوان؛ حتّى نمرّ أو نقفز بين اللغم وانفجاره، كما يقول شعرنا الشعبي التونسي. ومع ذلك فلا أحد بميسوره، أن ينأى بنفسه عنها؛ ونحن لا نكاد نصوّب في ناحية منها؛ حتّى تلوح لنا أخرى أشدّ غرابة وقتامة ولقد تزاحمت علينا، وتكاثرت كما:
تكاثرتِ الظباءُ على خِراشٍ / فما يدري خراشٌ ما يَصِيدُ
أعادني إلى هذا الكتاب، قرار إسبانيا، وقبله بأسابيع القرار البرتغالي نفسه؛ بمنح جنسيّتيهما إلى أحفاد اليهود الذين طُردوا من الأندلس، إثر سقوط غرناطة عام 1492، ووجدوا ملاذهم الآمن في المغرب والجزائر وتونس واستانبول خاصّة. والقراران يستثنيان أحفاد الموريسكيّين المسلمين، وكان قرار طرد أجدادهم، صدر عام 1609 أي بعد أكثر من قرن من عمل محاكم التفتيش؛ ليتحوّل الإسلام والمسلمون إلى أثر بعد عين ومجرّد ذكرى تقبع في ثنايا التاريخ. أحببت أن يحتفظ العنوان بصيغته الأصليّة «المسلمُ عدوّا والمسلم صديقا» إذ هو ـــ على ما في كلمة «مورو» من بعض لبس ــــــ يوحي بنوع من «التجاذب الوجداني»؛ حيث تضطرب في النفس مشاعر الحبّ والكراهيّة، إزاء موضوع واحد هو احتفالات المسلمين ومسرحيّاتهم في إسبانيا. وكلمة «مورو» تنقّلت عبْر التاريخ، في نوع من سياحة الكلمات؛ فقد كانت مرادفا لكلمة «مسلم» عند الغزو العربي لإسبانيا عام 711؛ سواء أكان مسلما من أصل عربيّ أم من أصل أمازيغيّ، أو إيبيريّ، ثمّ استعملت الكلمة عند البعض، بمعنى العرب ــــــ البرابرة من أهل الحضر، وعند آخرين بمعنى المسلمين السود من أهل الصحراء. وتكاد الكلمة اليوم تكون وقفا على أهالي الصحراء الذين يعيشون في موريتانيا والصحراء المغربيّة، والمناطق الشماليّة من مالي. وتطلق الكلمة في موريتانيا على العبيد عامّة، أو على قدماء عبيد الموريسكيّين البيض.
يتوزّع هذا الكتاب على أربعة أقسام، يتفرّع كلّ منها إلى فصول تتفاوت طولا وقصرا، ولا تطّرد على نسق واحد. أمّا الأوّل فمحوره الاحتفال وما يتعلّق به من شتّى المظاهر الفلكلوريّة والأدبيّة عند المسلمين والمسيحيّين، ومسرحيّات القصور وأصولها التاريخيّة وأثر الأغاني الشعبيّة فيها وما تحويه من رسائل سياسيّة. والموضوع الثاني الشعر الشعبي والمسرح، خاصّة مسرح لوبي دو بيغا وكالديرون. والموضوع الثالث صور المسلم الطيّب والمسيحيّ الطيّب، ومسرحيّات تراجم القدّيسين أو «أشقّاء السماء الثلاثة». وأمّا القسم الرابع فموضوعه المسرحيّة الموريسكيّة من حيث هي مهمّة جماعيّة، ومدارها على «مسرحيّة القمر الأفريقي» تأليف تسعة مؤلّفين (1964). وليس بالميسور عرض كلّ هذه الفصول، في مقال مثل هذا سقفه محدود. وإنّما قُصارى ما نستطيع أن نقف على أظهر نواحيه. والكتاب حافل بما هو حقائق واقعة وما هو أوهام متخيّلة وميول منتكسة، وبعضها يمالق الغرائز ويسفّ بالعقول، ويتخلّف عن شأو ويقصّر عن مدى؛ على نحو ما نجد عند الرومانسيّين الإسبان، فقد تغنّوا بعظمة قرطبة والحمراء، و«أنصفوا» بطريقة أو بأخرى مأساة الموريسكيّين وما تعرّضوا له من قهر واضطهاد، وأظهروا «بوعبديل»[ أبوعبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة] في صورة ملك حكيم عرف كيف ينقذ شعبه، ولكنّهم قدّموا صورا تشي بعنصريّة لا تخفى. ويرجع المترجم ذلك إلى حرب استقلال اليونان التي شكّلت بدايات هذه الحركة، وتشويه صورة الشرق عامّة كما هو الشأن في «شرقيّات» فيكتور هوغو: صخب في الألوان.. ترف وضراوة ووحشيّة.. حريم السلطان وسراياه.. رؤوس مقطوعة.. نساء يُحشرن في أكياس، ويقذف بهنّ في البوسفور.. مراكب يرفرف عليها الهلال.. استدارة القباب والمآذن البيض.. وزراء ومحظيات.. خصيان ونساء أسيرات… والحقّ أنّ المترجم ساق أمثلة وشهادات على هذه الصورة النمطيّة، ومنها ما يقوله الكاتب الإسباني بدرو انطونيو دي الاركون، عن المسلمين؛ عندما كان مراسلا للصحف أثناء الحملة الاسبانيّة على المغرب: « مازلت أذكر أنّ خيالي وأنا طفل، كان يرسم للمسلمين وحياتهم وعاداتهم شكلا محدّدا دقيقا: ثياب بِيض فضفاضة، ووجوه سُود وعيون ناريّة ولحى سُود…»، أو تلك التي ساقها الإسباني المعروف غويتوسولو من قصّة صدرت عام 1980. يقول: «حتّى لا أثقل على القارئ، أقتصر على هذا الجزء من قصّة حديثة جدّا؛ تحكي تفاصيل حادثة وقعت في مستشفى عسكريّ تابع لفرانكو. كان هناك جنود يعالجون من جراحهم. كان البعض يحتضر، والبعض الآخر لا يقدر على الحركة، وبعد تفكير، توصّل النصارى إلى أنّ الرائحة الكريهة مصدرها سرير المسلم [الذي كان يحارب معهم]. واقتربوا منه، والرائحة تكاد تقلب الأمعاء. وإذ وجد «المحّمّدي»[ هكذا في الأصل] الجمع قادما، أمسك بأعلى السرير بكلّ قوّته. ولكنّهم أزاحوا الملاءات، ليكتشفوا جمجمة عدوّ بأسنان ذهبيّة. لقد احتفظ بها «الخنزير المحمّدي» [هكذا في الأصل] غنيمة؛ على أن يستخرج الأسنان، حالما يستردّ عافيته.» ومثال ذلك أيضا بعض القصائد التي ألّفها الشعراء الجمهوريّون في الفترة ما بين 1936 و1939 وهي تصوّر العربي المسلم في هيئة عربيد دموي، ومتوحّش غارق في شهواته :»فوج حيوانيّ هائج كخليط من المجانين/ أفواههم ترغي وتزبد دماء معدية/ يتحدّثون لغة عربيّة/ فهْمٌ محدود/ وحشيّتهم بلا حدود/ وأهدافهم دنيئة.» وهذه الصورة «الشاذّة» إنّما ترسّخت في عهد فرانكو، وتحديدا عندما استقدمت حكومة خيل روبلس جنودا مغاربة للقضاء على تمرّد عمّال المناجم في إقليم استورياس.
هذا العالم هو باختزال مخلّ، عالم النقص والتناقض والخلاف إلى حدّ التباين بالجملة. ولكن ربّما لمسنا في بعض المسرحيّات والنصوص التي أدارت عليها الباحثة كتابها، محاولة للتوفيق بين المزاج الفردي والنظم الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة الصارمة أو الذوق الجماعي كما تسمّيه. وكثير منها يتسرّب بطرق ملتوية إلى مناطق الأدب ومجال الثقافة، على نحو ما نجد في مسرحيّة لوبي «حصار مدينة سانتافي» التي توظّف التراث الإسباني، فـ»سليم» الشخصيّة المسلمة، رجل فاضل، ولكنّه ضعيف الشخصيّة، يفضّل المسيحيّين على المسلمين، ويعيش من دون أيّ إحساس، في حالة ترقّب الغزو. وكذلك الشأن في مسرحيّته «ابن رضوان»، وقرينتها «الشريف ابن سراج… وفي كلّ هذه النصوص، يظهر المسلم في هيئة العاشق الغيور الذي تحرّكه روح مسيحيّة؛ فلا غرابة أن يرتدّ في نهاية المسرحيّة، لترتسم له بذلك صورة «المسلم صديقا». ولوبي يعرف كيف يلتقط المواقف الفريدة، ويضع اللمسات الخفيفة، وهو يوزّع ظلاّ هنا وضوءا هناك. من ذلك الصورة «الإنسانيّة» التي يرسمها للمسيحي والمسلم كليهما، حيث يخلص رضوان إلى القول؛ وهو يمجّد خصال الفتى الذي يعتبره ابنا له: «لكي يكون النبيل المسيحيّ يافعا/ فيجب أن يكون فيه شيء من المسلم/ ويكون المسلم كنزا/ إذا كان به شيء من المسيحي». أمّا دوق ريباس في مسرحيّة «المسلم اللقيط»، فيقدّم بطليه تقديما إيجابيّا في الظاهر؛ فـ»مضّارا» ابن أسير مسيحيّ وسيّدة مسلمة، و»كريمة» ابنة أسير مسلم وسيّدة مسيحيّة. وإذ يتزوّجان يتحوّلان إلى المسيحيّة، رغم أنّهما نشآ ودرجا في بيئة إسلاميّة، بل أنّ كريمة تعتزل الدنيا، لتعيش بقيّة حياتها في أحد الأديرة. ومن ثمّة فإنّ «الصورة الإيجابيّة» هي كما يقول المترجم، لا تستهدف مدح هاتين الشخصيّتين، بقدر ما تستهدف تهيئة القارئ لتقبّل التحوّل الذي يطرأ على حياتهما.
يقول غويتيوسولو: «منذ البدايات الأولى للأدب، اتّخذ المسلم مرآة تعكس بطريقة أو بأخرى صورتنا. إنّه الجزء الخارجي منّا الذي يثير حيرتنا ويزعجنا. وغالبا ما كان الجانب السلبي الذي نوجّه إليه نقدنا لذاتنا…» ذلك أنّ المسلم سواء أكان صديقا أو عدوّا، معلّما أم تلميذا هو دائما الآخر. وإذا كان التاريخ لا يزيدنا علما بأمور عصرنا، فإنّ من الأدب ما يزيدنا بصرا بأعقاب هذه الحوادث، حيث فاجعة الإرهاب هي فاجعة كلّ الجنس البشري. وأمّا «الحكم» السياسيّة التي يحاول كثير أو قليل منّا استخلاصها من سجلاّت التاريخ، فيستطيع حتّى الشيطان أن يجد فيها ضالته.
كاتب تونسي
منصف الوهايبي