جاء رد حزب الله على اغتيال مجموعة من كوادره العسكرية في القنيطرة مُحْكَماً وبليغاً. لم يأت إحكامه من دقته العسكرية واحترافيته فقط، بل من حكمته أيضاً. فالرد في مزارع شبعا المحتلة، رسم حدود الضربة العسكرية، انها ردّ موضعي دقيق، ولم يكن في نية الحزب تحويلها إلى مواجهة مفتوحة، رغم استعداده لاحتمال كهذا. أما البلاغة فأتت من القدرة على ترك المسالة الجوهرية معلّقة. السؤال الكبير الذي ارتسم بعد اغتيال القنيطرة هو: هل فتحت جبهة الجولان أخيراً؟ لكن هذا السؤال بقي من دون جواب، فأمين عام حزب الله تعمّد أن لا يقدّم جواباً، وأغلب الظن أن المحور الإيراني، الذي صار المرجع الأساسي للوضع السوري بعد إفلاس الطغمة الأسدية، يقف الآن أمام منعطف سياسي وعسكري. ففتح جبهة الجولان هو تغير كبير في المعطى الاستراتيجي في المنطقة، لأنه يحمل في داخله دلالتين كبريين:
الأولى هي تكريس واقع تحوّل سورية من لاعب إلى ساحة، وهذا يعني سقوطا فعليا للنظام حتى لو بقي متواجدا في دمشق وفي الشريط الساحلي، كما أن مقاومة الاحتلال ستندغم بآليات حرب أهلية طويلة.
الثانية هي تحوّل إيران إلى لاعب مباشر في الصراع مع إسرائل، ليس فقط عبر حزب الله، بل عبر الحرس الثوري، وهذا قرار كبير لا يزال من المبكر الحكم على جديته.
المفارقة التي تحتاج إلى من يتوقف أمامها طويلا هي أن المقاومة العسكرية، عبر الحدود، كانت ممكنة فقط حين تنهار السلطة المركزية. النظام الأردني سحق المقاومة فحافظ على وجوده، بينما عجز النظام اللبناني عن القيام بذلك فامتزجت فيه الحرب الأهلية بالمقاومة، أما النظام السوري فقد حافظ على هدوء جبهته واتبع سياسة المقاومة باللبنانيين كي يتلافى الدخول في مواجهة مفتوحة لا يستطيع نظام استبدادي القيام بها.
هذا التحول الاستراتيجي يحتاج إلى رافعة شعبية سورية، اذ لا يعقل ان تنشأ مقاومة سورية من دون السوريين. والمثالان الأردني واللبناني يبرهنان على صحة هذه الفرضية. فلقد أمكن سحق المقاومة الفلسطينية في الأردن، لأن منظمة التحرير وجدت نفسها في زاوية عدم القدرة على بناء تحالف متماسك مع طرف شرق أردني يريد إطاحة النظام الهاشمي أو تعديل موازين القوى في داخله، فكان من السهل القضاء عليها لأنها أُدخلت في دوامة صراع وهمي أردني/ فلسطيني. وفي المقابل صمدت المقاومة في لبنان بصيغتيها الفلسطينية والإسلامية، لأنها كانت جزءا من صراع داخلي على السلطة شل قدرات النظام من جهة، كما استطاعت ان تبني تحالفات إقليمية وفرت لها إمكانيات الاستمرار من جهة ثانية.
الحالة السورية تبدو أكثر تعقيداً، فالحليف الوحيد للمحور الإيراني في سورية، أي نظام الأسد، لا يستطيع توفير حاضنة شعبية، كما أن فكرة المقاومة في الجولان غريبة عن قاموسه. وهو حين يلوّح بها، فإنما يفعل ذلك من أجل استدراج العروض الأمريكية والإسرائيلية.
الخيارات لا تزال غير محسومة، وهي تواجه عقبات كبرى ليس من السهل تذليلها، لكن عملية القنيطرة، رغم الغموض الذي يحيط بها، كانت مؤشراً إلى أن احتمال فتح جبهة الجولان قد يكون موضوعاً على جدول الأعمال.
لن يحزن أحد على إسرائيل إذا ما نجحت المقاومة الإسلامية في فتح الجبهة، ففتح جبهة الجولان للمقاومة حق مشروع للشعب السوري، وكانت دائما أمنية جميع الوطنيين. وتاريخ المقاومة الفلسطينية يشهد على الأثمان الباهظة من اعتقال وقتل التي دفعتها المقاومة في محاولاتها المتعددة لفتح هذه الجبهة، التي بقيت مقفلة بالطلسم الاستبدادي.
أكثر من ذلك، فإن الدخول السوري على خط مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لأراض سورية، قد يكون علاجاً من حالة الاستنقاع والتعفن السياسي والعسكري التي فرضها نجاح النظامين الإيراني وحليفه المستبد في سورية، والعربي (أقصد النفطي) في إخراج الشعب السوري من معادلة حريته ودفعه إلى اقتتال ديني طائفي وحشي.
لكنني لست متأكداً من أن قوة دينية/ طائفية آتية من الخارج، كحزب الله، قادرة على التصدي لهذه المهمة النبيلة، بعدما تورطت في الدم والدمار السوريين.
نجح حزب الله في الهيمنة على المقاومة ضد إسرائيل في لبنان وفي طرد اليساريين والقوميين منها بسبب عاملين أساسيين: الأول هو الهيمنة العسكرية والأمنية للنظام الاستبدادي السوري على لبنان، معطوفا عليها الدعم الإيراني غير المحدود، والثاني هو الانهيار الداخلي الذي أصاب اليسار وعموده الفقري الحزب الشيوعي، بسبب تفكك المعسكر الاشتراكي، وإمعان النظام السوري في طرد الشيوعيين من «جنة» المشاركة في نظام الهيمنة.
في لبنان كانت المسألة ممكنة، رغم كلفتها العالية: اغتيال اليساريين بالجملة، المعارك الدموية مع حركة أمل، والانضباط بقرار المخابرات السورية. كما يجب أن لا ننسى الغطاء العربي الذي أُعطي للهيمنة السورية عبر التحالف السوري- السعودي الذي قام بتوزيع وظيفي للسلطة اللبنانية، فأنيط الاقتصاد بالحريرية وتفرّغ حزب الله للمقاومة.
أما في سورية فالمسألة أكثر تعقيداً. كما أن غموض أهداف الموكب الإيراني الذي استهدف من قبل الاسرائيليين يزيد من صعوبات التحليل.
هل صحيح ان هناك لواء مقاوما تشكّل أو هو في طريقه إلى التشكّل تحت اسم لواء الجولان ما استدعى توجيه رسالة اسرائيلية دموية؟ ام أن الموكب كان جزءا من دراسة الأرض بهدف حماية النظام من التفاف عسكري على دمشق يتم من الجنوب؟
في الحالتين ارتكبت إسرائيل حماقة موصوفة، واضطرت إلى ابتلاع ردّ حزب الله. والحماقة الإسرائيلية ليست جديدة أو مفاجئة، فإسرائيل منذ ان تكشّف عجزها عن تحقيق انتصارات عسكرية، دخلت في مأزق اشتباك لا تملك أدوات حسمه، فلجأت إلى حروب دموية لا منتصر فيها.
حماقة اسرائيل وفقدانها للحس الاستراتيجي ورعب قادتها من تسوية ايرانية – أمريكية في المنطقة، يشير إلى ان قادة اليمين بصلفهم وغرورهم وايغالهم في سياستهم القمعية ضد الشعب الفلسطيني، حولوا إسرائيل إلى لاعب هامشي. وقد برهنت عملية القنيطرة ورد حزب الله عليها هذه الحقيقة. وهذه بشارة إيجابية يجب عدم الاستهانة بها.
لكن المحزن في هذه المرحلة هو ان المشرق العربي بأسره وليس سورية وحدها يتحوّل إلى مجرد ساحة صراع، ويفقد زمام المبادرة.
مقاومة إسرائيل صائبة وضرورية، طالما بقي الوحش الصهيوني العنصري، لكن الخطر هو ان تتحوّل إلى ورقة مساومة، قرارها الأخير ليس في يد الشعوب العربية، رغم ان وقودها هو الدم العربي.
الياس خوري