الجزائر: منطقة القبائل بين الاندماج الكبير والعنف الممكن

حجم الخط
7

الاتجاهات الثقيلة على أكثر من صعيد، ديموغرافي، سياسي واجتماعي، تقول لنا إن منطقة القبائل تعيش حالة اندماج متقدمة، داخل النسيج الوطني الاجتماعي والسياسي، ربما أكثر من مناطق أمازيغية أخرى، كما هو حال منطقة وادي ميزاب والتوارق.
فقد كانت منطقة القبائل بكل ما ميزها من خصوصيات، السبّاقة في المطالبة بالمسألة الامازيغية، في بعديها السياسي والثقافي. اعتمادا على مبدأ يمكن التحقق منه بسهولة في تاريخ الحالة الأمازيغية في الجزائر.
إن الجهة الأكثر مطالبة هي الجهة الأكثر نزعة الى الاندماج، داخل النسيج الوطني الاجتماعي، فالذي يطالب، هو يقدم في حقيقة الأمر، عرضا للاندماج الوطني، وليس العكس، كما قد توحي به بعض المظاهر السياسية الخداعة والمؤقتة، كما هو حاصل جزئيا هذه الأيام.
ففي الوقت الذي كانت فيه منطقة القبائل تطالب بالحق في تعلم لغتها، والدفاع عما يميزها ثقافيا وعن الديمقراطية والتعدد السياسي، كانت تزوج بناتها وأبناءها خارجها وتنتج نخبا من كل نوع للجزائر، قبل وبعد الاستقلال، احتلت مواقع أكثر من مهمة على رأس مؤسسات الدولة والمجتمع. هي المنطقة المعروفة بنسج علاقاتها الاقتصادية المتينة، مع مناطق البلاد الأخرى والعالم، عن طريق الهجرة التي ميزت أبناءها داخل وخارج الجزائر. أبناء يكونون النواة الفعلية للبرجوازية الوطنية، بمختلف فصائلها.
باختصار نحن أمام مستوى اندماج كبير، يمكن كذلك، قياسه من خلال مؤشرات التنمية البشرية التي وصلتها منطقة القبائل، حتى وهي تطالب بالمزيد من الحقوق والحريات المتعلقة بالبعد الثقافي والسياسي. مستوى من الاندماج لايزال أحسن من ذلك الاندماج الذي حققته مناطق أخرى، بما فيها الناطقة بالعربية جزئيا أو كليا. فصورة القبائلي المضطهد اقتصاديا واجتماعيا وحتى سياسيا، غير واردة في الجزائر. فمن اين جاء هذا الذي يحصل في منطقة القبائل وفي ولاية البويرة تحديدا، هذه الأيام وكيف يمكن تفسيره؟
أحداث تميزت أساسا بمظاهرات طلابية، عرفت بعض العنف، احتجاجا على ما جاء به قانون المالية (2018) الجديد من سياسة تقشف ورفع في الأسعار، زيادة على رفض مقترح قانون دعا إلى توسيع تعليم اللغة الأمازيغية، تقدمت به نائبة برلمانية من حزب العمال، الذي خرج ضعيفا من الانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرة. كان لزاما على طلاب جامعة البويرة الجديدة التحرك والمطالبة بما اعتادت الحركة الامازيغية المطالبة به من حقوق ثقافية وسياسية. فقد علمتنا سوسيولوجيا الحركة الطلابية في الجزائر أن هناك «دورة للمطالبة « تقوم بها كل جامعة جديدة، كما حصل في السابق مع جامعة تيزي وزو وبجاية، تكون بمثابة إعلان عن ظهور مولود اجتماعي جديد، على مستوى الساحة الاجتماعية والسياسية في الولاية والمدينة: الحركة الطلابية بكل ما يميزها من قوة وعنفوان.
الحركة الطلابية التي كونت على الدوام القوة الضاربة للحركة الأمازيغية، في جزائر ما بعد الاستقلال، على غرار أحداث الربيع الأمازيغي الذي انطلق من جامعة تيزي وزو (1980). إذا اكتفينا بهذا التاريخ المؤسس.
ككل الحركات الاجتماعية المطلبية، تميزت الحركة الامازيغية، بتنوع الفاعلين الاجتماعيين داخلها، فزيادة على البعد الطلابي، كان هناك الحضور العمالي والشعبي، بما ميزه من مشاركة للمرأة ومختلف الفئات الاجتماعية، كالتجار على سبيل المثال. فنحن أمام حركة اجتماعية مركبة تتميز بالكلية والشمولية. حركة، رغم تنوعها حافظت على سلميتها الكبيرة في أحلك الظروف، هي التي عرفت مستوى تأطير نخبوي، حزبي وجمعوي، لافت للنظر. يكفي للدلالة عليه التذكير بأن مظاهرات الربيع الامازيغي في 1980 خرجت من الجامعة، بعد منع محاضرة لباحث في الأنثروبولوجيا حول الشعر الامازيغي!
هذا ما يخبرنا به كذلك تاريخ الحركات الاجتماعية المطلبية في الجزائر، وهي في حالة صعود، عكس ما هو حاصل هذه الأيام، وهي تعيش حالة انتكاسة، يمكن التأكد منها بالعين المجردة. فالمنطقة عرفت في السنوات الأخيرة ضعف حضور الأحزاب السياسية التي كانت تتميز بقوة تواجدها، كما عرفت تغييرا جيليا على مستوى النخب السياسية والجمعوية الفاعلة.
فقد حققت الأجيال التي أطرت الحركة حتى الان عدة انتصارات، تُوجت بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية ونشرها على مستوى التعليم ووسائط الاتصال كالتلفزيون والإذاعة، الخ. الأهم من ذلك القبول الذي يلاقيه المطلب الأمازيغي وطنيا، من قبل المواطن الجزائري. فقد اقتنع الجزائريون أخيرا بأنهم أمازيغ الأصل حتى وإن تكلموا العربية، وأن التعدد اللغوي والثقافي لن يفجر البلد، إلى غير ذلك من الحقائق التاريخية والثقافية التي كانت مرفوضة لوقت قريب، من قبل بعض التيارات الفكرية والسياسية، التي ما زالت تصر على خلق «حلبجة فكرية» في الجزائر، كما تبرزه بعض محتويات وسائط التواصل الاجتماعي.
باختصار الحركة الأمازيغية بمطالبها التقليدية ونخبها المؤطرة، تعيش مرحلة نهاية حقبة وبداية أخرى، قد تكون أحداث جامعة البويرة أحد تعبيراتها. فهذه النخب أمام تحد جديد يتمثل في بناء خطاب واستراتيجية جديدة تراعي ما تحقق من مطالب، وما وصلته الحركة من تراكم وإنجازات، وما ينتظرها من تحديات، في ظرف زاد فيه عدد المؤيدين للمطلب، بمن فيهم من مارسيين جدد (مارس 1962)، اكتشفوا متأخرين، شرعية مطالب الحركة.
أزمة النظام السياسي الوطني، يمكن ان تكون مستوى آخر من التفسير في الحالة التي تعيشها المسألة الامازيغية في الجزائر، فقد علمنا التاريخ السياسي للجزائر أن النظام بأجنحته المتصارعة المختلفة، يتغذى من أزمة المنطقة ويعيد إنتاجها الموسع، عندما يكون في حالة أزمة، كما هو هذه الأيام. ما يجعلنا نقول إن حل ازمة منطقة القبائل لن يكون إلا بواسطة إحداث التغيير، في الجزائر العاصمة. وليس في البويرة او تيزي وزو .
نظام ساعد على افراغ الشارع القبائلي من زخمه التنظيمي والحزبي، ما كوٌن مرتعا ممكنا امام تيارات سياسية، مثلت الأقلية على الدوام، داخل الحركة الامازيغية: تيار المطالبة بالانفصال الذي يحاول ان يستغل هذه المحطة المؤقتة التي يعيشها المطلب الامازيغي، بما تعرفه من تغيير جيلي وتجديد في قراءتها للخريطة السياسية، وبناء استراتيجيتها الجديدة، للقفز إلى السطح من جديد.
هذا التيار المطالب بالانفصال، الذي لا يملك حظوظا فعلية في النجاح والانغراس الاجتماعي في المنطقة إلا عن طريق تكريس العنف والدعوة الى التدخل الأجنبي. في ظرف إقليمي ودولي صعب، استسهل التدخل العنيف وتحطيم الدول. فهل ستمنحه الحالة التي تعيشها الجزائر، هذه الفرصة التاريخية التي يتصيدها من بعيد؟
كاتب جزائري

الجزائر: منطقة القبائل بين الاندماج الكبير والعنف الممكن

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية