الأردن: ليست مجرد «إجازة عائلية» والشعب في انتظار «حسم» ملفات مهمة جداً بمجرد عودة الملك

 

عمان- «القدس العربي»: قد لا يتعلق الأمر فقط بـ«إجازة عائلية» طالت قليلاً وشهدت خلالها المملكة أحداثاً عدة بقدر ما يتعلق بترتيبات محتملة أكثر عمقاً تطال العديد من الملفات الأساسية والجوهرية وبتطورات ومستجدات لا يمكن إغفال قيمتها وعمقها خصوصاً على الدور السياسي للمملكة الأردنية الهاشمية في القريب العاجل.
سياسياً، لا يمكنها ان تكون مجرد إجازة عائلية طويلة نسبياً وفقط لأسباب عدة. لكن الأهم أن الرأي العام الأردني وهو ينتظر عاهله الغائب تقريباً منذ ستة اسابيع دخل قسراً وبعد الضجة العميقة التي نتجت تحديداً وحصرياً عن الخطوة الاولى في «حرب على الفساد» أعلنها رئيس الوزراء الجديد الدكتور عمر الرزاز في مزاج ترقب وانتظار «صافرة الحسم» الملكية إزاء العديد من الأحداث والقضايا.
من المرجح ان بعض المستجدات عابرة لحكومة الرزاز. ومن الارجح ان قرارات في غاية الأهمية منتظرة بمجرد عودة الملك من زيارة الولايات المتحدة الطويلة. فالتوقعات هنا ليست «ترفية» فقد دخلت بعض المعطيات في مستوى الاستحقاق السريع المتعلق بالحسم عبر المرجعية الملكية خصوصا في ظل التشويه المتعمد للنظام والدولة الصادر مرة عن إعلاميين أسرائيليين مثل أيدي كوهين ومرات عن متقاعدين من الأجهزة الأمنية الأردنية رفعوا فجأة سقف النقد وبدأوا بنشر سلسلة «تسريبات وفضائح» وبصورة متزامنة مع لهجة حادة في مزاج شارع شغوف بشراء وتبني كل الحكايات والروايات السلبية.
تحول بعض المتقاعدين العسكريين تحديداً إلى مصدر «تغذية» للتسريبات أصبح من الأسرار التي تحتاج لتفسير. وكل ذلك يترافق مع الفوضى التي أنتجها داخل اقنية الدولة والمستوى البيروقراطي قضية رجل التبغ عوني مطيع الذي لا يزال الغموض يكتنف إمبراطورية التهريب التي نجح في اقامتها في عمق البنية الأردنية ولسنوات طويلة. وثمة أعتقاد كبير هنا بأن «عبقرية» الرئيس الرزاز تجلت في انه وعندما أمر بفتح ملف فساد السجائر متأثراً بعضو البرلمان مصلح طراونة ومستنداً كما صرح لـ»ضوء أخضر ملكي» كان ينتج على حكومته وعلى الدولة أصنافاً عدة من «الرقابة الخارجية» التي يمكن القول ان «الأمريكية» منها هي الأخشن والاعنف خصوصاً وان منتجات السجائرة الامريكية هي التي كانت متضررة من شبكة عوني مطيع وأعوانه في الأردن والسعودية ولبنان. بمعنى آخر التراجع اليوم عن إكمال سلسلة التحقيقات الحالية صعب ومعقد وقد يصبح غير ممكن بصرف النظر عن هوية المتورطين او الذين سيكشف التحقيق تورطهم لاحقاً. تلك قيمة أسس لها بذكاء الرئيس الرزاز قبل ان يتوقف عن التعليق والتصريح ويترك المسرح للمتابعة القضائية وبيد أخشن المؤسسات العميقة في جهاز القضاء العسكري لإضفاء الهيبة والتعاطي مع الملف كجريمة اقتصادية تخلل إقتصاد الدولة. مجرد الإعلان عن البعد المالي في جزئية التهرب الضريبي من بند السجائر اصبحت عدة حكومات متعاقبة في الماضي»متهمة وفورا» في محكمة الشارع الأردني. وبدأت الدولة نفسها تلمس أزمة من عيار بيروقراطي نادر لم تسبق في تاريخ البلاد وعنوانها موظفون صغار لديهم معلومات بحكم الوظيفة يمارسون التسريب ويكشفون المزيد من المعلومات المثيرة بصيغ عدة على الشبكة. وعليه يمكن توقع ان مسألة من وزن «أخطاء الحكومات» السابقة ينبغي ان تتقرر بالمستوى المرجعي الملكي من حيث طبيعة التعامل معها لاحقا. والأهم ان ذلك ينسحب على العمق الذي ينبغي ان تصل إليه تحقيقات التبغ والتي ستجر بالتأكيد الدولة وليس البلاد إلى مساحة حرجة للغاية لو اكتملت فعلاً بطريقة منهجية ومضت إلى آخر المشوار، الأمر الذي تستطيع «القدس العربي» استشعاره من خلال مصادرها الامريكية تحديداً. مستوى اتصالات وعلاقات «رجل التبغ» الغامض عوني مطيع مع وزراء سابقين وحاليين وبعض أعضاء البرلمان من الملفات الحساسة التي يعتقد ايضا انها بانتظار«الحسم» بعد عودة الملك وهنا تحديدا ثمة إحتمالات بأن تعزز قناعات الجمهور الحاجة الملحة لحل البرلمان والعودة قسرا لمربع قانون الانتخاب.
«صافرة القصر الملكي» ينبغي ان تنطلق وتحدد أيضاً المسافة التي تستطيع حكومة الرئيس الرزاز الاسترسال فيها ليس على صعيد تحقيقات الفساد فقط بل على صعيد ملف الإصلاح السياسي أيضاً في جزئية يمكن القول إنها قد تكون الاكثر أهمية. تلك الملفات هي الأسخن في الأردن اليوم وتفاعلت بقسوة وكثافة خلال الإجازة الملكية التي من الصعب على العقل السياسي عزلها عن ترتيبات اقليمية ودولية مفترضة لها علاقة بالمشروع الامريكي الجديد في المنطقة سواء على الصعيد السوري او الفلسطيني حيث الأردن بالصوة والعمق هنا وحيث ان الملك عبدالله الثاني هو آخر زعيم عربي قابل الرئيس الامريكي دونالد ترامب. وفي السياق الخير يمكن رصد الرزاز وبعد اسابيع قليلة من رفعه لشعار عدم المزاحمة في الملفات السياسية يتحدث بتوسع عن المعاير التي ستفتح مع سوريا والعراق وحكومته تبدأ بتنفيذ إجراءات خاصة لإعادة تشغيل معبر نصيب وخلافاً للموقف السوري الرافض لفتح المعابر بدون تنسيق أمني وصفقة سياسية شاملة مع عمان.
ومن الواضح ان حكومة الرزاز تعمل بالملف السوري مع «الراعي الروسي» ومن المرجح انها في طريقها لخلخلة بعض التقاليد التي تحرم الحكومات القائمة من العمل على الملفات السياسية خصوصاً وان رصيد رئيس الوزراء عند الشارع هذه الأيام كبير جداً والدولة تحتاجه بإلحاح ومن الصعب الاستمرار في العزف ضده.

الأردن: ليست مجرد «إجازة عائلية» والشعب في انتظار «حسم» ملفات مهمة جداً بمجرد عودة الملك

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

إشترك في قائمتنا البريدية