عمان- «القدس العربي» : يختصر أبرز حراكي أردني من طبقة العمال وهو محمد السنيد تلك المسافة السياسية الملغزة في المشهد الداخلي الأردني وهو يعلن أن قانون الضريبة الجديد ليس معركة العمال.
فكرة السنيد هنا بسيطة فالرجل ورفاقه من طبقة العمال الكادحين لا يريدون التضامن مع تلك الشرائح التي تصرخ وتعلي الصوت الآن ضد قانون الضريبة الجديد وعلى أساس أبسط يشير إلى ان العمال أصلاً تحت سقف خط الضريبة. وبالتالي يعلنها السنيد بشكل مثير للجدل… «هذه ليست معركتنا» ، لكنه إعلان ينطوي على سخرية سياسية ملغزة أيضاً من كل مؤسسات العمل المدني والنقابي المترفة التي سبق ان تركت العمال وحدهم في مواجهة السلطة والحكومة.
خيار مدروس لأبرز وجه حراكي على صعيد طبقة العمال سبق ان قاد تجمعات ومسيرات صاخبة باسمها. لكنه خيار يبث في المناخ المحلي وسط الاستقطاب الحاد الذي يثيره قانون الضريبة الجديد السؤال الاصعب: لماذا قررت النقابات المهنية الإضراب العام ضد القانون الآن؟
استنتاج غريب
يعزف ناشط إعلامي وإلكتروني من الصفوف المتقدمة مثل محمد عرسان على نغمة هذا السؤال فيما يستذكر داخل أروقة السلطة مسئولون كبار المفارقة التي تتحدث عن عدم لجوء النقابات المهنية ونقابات القطاع الخاص للتصعيد في الماضي القريب عندما زادت الاسعار وضرائب المبيعات خلافاً للإعلان المثير المصاحب للإضراب العام مساء الجمعة وهو الإعلان نفسه الذي تبنته المؤسسات النقابية وسط تصفيق للتجار والصناعيين وكبار المهنيين.
يحتاج الامر في رأي كثيرين إلى تفسير فالنقابة الأكثر تصعيداً اليوم في انسجام طبيعي مع نفسها هي نقابة المهندسين والتي صفقت السلطات لفوز تيار مدني مسيس فيها تمكن من إقصاء ممثلي الإخوان المسلمين منها.
قد يعني الأمر في المحصلة استنتاجاً بمنتهى الغرابة يتمثل في أن النقابات المهنية وهي تتحرر من الإخوان المسلمين تستطيع اليوم وببساطة حشد نصف مليون على الأقل من منتسبيها خلف فكرة الإضراب العام نكاية بقانون الضريبة الجديد.
الأخطر في هذا الاستنتاج هو أن الأخ المسلم في النقابات المهمة والأساسية مثل المهندسين في الماضي كان يقود إلى حماية الحكومة والسلطة من التصعيد ومن خطوة تشبه الإضراب العام.
يستطيع الاخ المسلم سياسياً اليوم مد لسانه سخرية من الحكومة التي استهدفت التيار الإخواني في أكبر نقابتين على الاقل في البلاد وهما نقابتا المهندسين والمعلمين فدفعت السلطة نفسها ثمن التجديد وكلفة اقصاء الإخوان المسلمين لصالح دعم نشطاء قوميين او مدنيين.
على الأقل اليوم وببساطة شديدة يمكن القول بأن حكومة الرئيس الدكتور هاني الملقي تتعثر في مواجهة نظام نقابي يلجأ للتصعيد بعدما تحرر للتو من الإخوان المسلمين وفي أكثر من موقع حساس.. ذلك استنتاج غرب عند الحفر والتعمق في خفايا وخبايا المشهد السياسي الأردني الداخلي بعدما ناكفت حكومة الملقي الجميع واصرت على انجاز المطلوب منها في قانون الضريبة الجديد قبل مغادرة المشهد وانهاء حياتها السياسية.
«الإخواني» ليس وحيداً
يمكن التحدث عن عقلانية الإخوان المسلمين بدلاً من وقوفهم في المفاصل مع الدولة والنظام.
ويمكن التحدث عن عدم التصعيد في مفاصل سياسية حرجة بدلاً من ترويج الاتهامات لكن تبقى المفارقة بحاجة إلى تحليل لأن فكرة الاضراب العام التصعيدية جداً يلتقطها الجميع اليوم دون أدنى قرينة على امكانية اتهام الإخوان المسلمين لان من يقود تصعيد اليوم ضد وزارة الملقي هم حلفاء السلطة الذين ساندتهم الحكومة من وراء ستار تحت عنوان إنقاذ النقابات المهنية وتخليصها من الحضن الإخواني.
حصل ذلك على الأقل في نقابتين.
لكن العنصر الإخواني ليس وحيداً في التأثير في المجريات بالتأكيد بعد كوكتيل التصعيد ليس فقط لأن من حق نقابات مهنية بارزة مثل المحامين والمهندسين والاطباء الانسجام مع ذاتها والدفاع عن مصالح اعضائها. ولكن أيضاً لأن الطبقة الوسطى التي يجمع الخبراء بان قانون الضريبة الجديد يستهدفها هي طبقة هؤلاء المهنيين بالضرورة.
وعليه فمن الصعب اتهام هذه النقابات بالتصعيد لأجل مصالح أعضائها لأن وظيفتها الأساسية هي خدمة مصالح أعضائها وغالبيتهم من الطبقة الوسطى بدليل أن العمال الذين يعتبرون خارج نطاق القانون الجديد أعلنوها عبر شيخهم عندما اعتبر أن المعركة ليست لهم.
هي إذاً معركة الطبقة الوسطى والاثرياء والتجار والصناعيين وأصحاب رؤوس الاموال ورموز قطاع البنوك وهي شرائح سيدفع المواطن الفقير بالضرورة بما في ذلك العمال كلفة وثمن رفع الضريبة عليها لأن فارق الضريبة على مستوى السلعة او الخدمة سيدفع في النهاية من جيب المواطن البسيط.
وفي كل حال الجبهة التي تشكلت وأعلنت الإضراب العام في الأردن خلال اليومين الماضيين أخطر من أن تستطيع حكومة واحدة مواجهتها لأن الحديث اليوم عن رجال أعمال وأصحاب رأس مال وتجار وصناعيين ونقابات مهنية وأحزاب سياسية معاً في مواجهة القانون الجديد وحكومة الملقي.
… فكرة الإضراب وهي لغة حرجة في التصعيد صدرت أصلاً عن علي العبوس نقيب الاطباء وهو رجل دعم فعلاً نكاية بالإخوان المسلمين وان كان بقي قريباً منهم.
التقط مجلس النقباء الفكرة وتبنتها بقية النقابات الكبرى في الوقت الذي يهدد فيه أصلاً الطاقم الاقتصادي للحكومة كبار المهنيين مثل الأطباء والمهندسين والمحامين بمطاردتهم ضريبيًا ويتهمون أصلاً بالحصة الأكبر من فارق التهرب الضريبي. وهو اتهام بلا أدلة يعني بالنتيجة أن نقابات المهنيين الكبار من الطبيعي أن تلجأ للتصعيد لأنها من الطبيعي جداً أن تمثل مصالح أعضائها بعيداً عن أي حسابات سياسية.