عمان- «القدس العربي»: لا تجد الأجهزة الرسمية الأردنية العميقة والسطحية سبيلاً لوقف حد التجاوزات والفبركات والشائعات التي تلتهم الجميع حالياً في البلاد عبر وسائط التواصل الاجتماعي في ظل الغموض الشديد الذي يحيط برجل الأعمال الفار من وجه العدالة عوني مطيع والموصوف باعتباره إمبراطور تهريب التبغ في ملف قضية الفساد الاخيرة.
مطيع الموجود حسب آخر الأنباء في لبنان وفي عاصمة أوروبية حسب المستجد منها أصبح «أشهر من نار على علم» في البلاد التي اكتشف الجمهور فيها فجأة بان عمليات التهرب الجمركي كانت اضخم بكثير من ان يستوعبها العقل الجماعي.
لافت جداً ان رجل التبغ الغامض لم توجه له سلطات التحقيق بعد أي تهمة محددة وكل ما ذكر في البيان الرسمي بخصوصه يتحدث عن مغادرته للبلاد قبل 24 ساعة من مداهمة لمزرعة تهريب قيل إنه يملكها.
اللافت اكثر هو ان مطيع الذي لا أحد يعرف بعد بماذا يعمل ويشتغل بصورة محددة يملك شبكة نافذة جداً من العلاقات حيث تتكشف يومياً معلومات إضافية بعدما اصبح الملف مفتوحاً على كل التسريبات.
آخر المعطيات تفيد بأن إمبراطور التبغ المهرب الذي استهدفته اصلاً شركات أمريكية كبرى اشتكت من انه يغرق أسواق المنطقة بسجائر مزيفة ينتجها بالأردن كان يرسل أطناناً من المساعدات للفقراء في غطاء من العمل الخيري على أعماله إلى محافظات متعددة في الأردن وعبر نخبة من أعضاء البرلمان. ظهر الرجل الغامض بأكثر من مناسبة وهو يحمل العلم الأردني ويشارك في أهازيج ورقصات وطنية.
والتقط الصور مع شخصيات بارزة وظهر بمعيته في مناسبات عدة رئيس لجنة فلسطين في البرلمان المحامي يحيى السعود والذي اضطر لمغادرة سفينة كانت متجهة لتفكيك الحصار على غزة بسبب ما قيل انه «عارض صحي مفاجئ» مع انه طلب أمام الكاميرات من الله ان يرزقه الشهادة في غزة.
لم تعرف بعد طبيعة العلاقة بين رجل التبغ وشخصيات من مجلس النواب لكن الربط يحصل يوميًا بعد نشر الصور وعبر وسائط التواصل الاجتماعي وهو أمر علق عليه السعود نفسه سابقاً قائلاً إنه شارك مطيع في حفلات خيرية لجمع التبرعات لأهالي غزة.
وحاول كثيرون الاصطياد في مياه رئيس مجلس النواب عاطف طراونة إلا أنه أكد ومباشرة لـ«القدس العربي» بأنه يلتقط الصور دائماً مع اشخاص لا يعرفهم وأنه شارك في نشاطات لجمع التبرع لصالح اللاجئين في الأردن مؤكداً أنه ليس على اتصال او على علاقة بالمدعو مطيع.
بعد الإساءة المقصودة لمجلس النواب ورمزه اعاد الطراونة وعبر «القدس العربي» المطالبة بتحريك الاذرع القانونية لوضع حد للفبركات ومحاولة الاغتيالات الشخصية وهذا الإنحدار في تزييف الحقائق عبر وسائط تواصل إعلامية وإجتماعية مشيراً الى أن ذلك ضمن واجبات الحكومة. واقام رجل التبغ الغامض فيما يبدو علاقات متعددة مع وجهاء ومشايخ عشائر وممثلين في البرلمان والعشرات من صحافيي المواقع وناشريها وشخصيات نافذة قبل انكشاف أمره بمبادرة مباشرة ومركزة من عضو البرلمان القانوني الدكتور مصلح الطراونة والذي قايض ثقته بحكومة الرئيس عمر الرزاز بفتح ملف التبغ تحديداً. الطراونة المشار إليه وحتى أمس الأول بقي في عمق الجدل عندما صرح بأنه يتغيب عن محاضرة دعي إليها لأسباب «أمنية». وجه الطراونة رسالة غريبة للأردنيين عندما قال على صفحته التواصلية: «إذا قتلت ..تعلمون الآن من القاتل». وأضاف: أنا تلميذ في مدرسة وصفي.
مثل هذا التلميح من شخصية عامة نادر جداً في الايقاع السياسي الأردني ولو صدقت رواية الطراونة عن احتمالية مطاردته لتصفيته سيفتح المجال أمام مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الأردن خصوصاً وأن النائب الذي يحظى الآن بتقدير الشارع وتجاوب معه الرزاز سبق ان صرح بأن «المسبحة فرطت» وبأن «المخفي أعظم في قضية مطيع».
التلميحات المرافقة تتحدث عن شبكة حشيش ومخدرات وتبغ مهرب بكميات كبيرة وحجم المزارع والمخابئ السرية التي تعلن سلطات الجمارك الأردنية مداهمتها بعد قصة مطيع صادم إلى درجة كبيرة وغير مسبوقة فقد تم التحدث عن مداهمات ومصادرات لأطنان من مادة التبغ في الأغوار وقرب عمان العاصمة وفي شمالي المملكة وقرب مدينة الزرقاء. في المقابل لا تقول سلطات التحقيق ما تقوله التسريبات والاعترافات والإقرارات وسط حالة مجنونة لم يرصدها الأردني سابقاً من التطوع في كشف معلومات ومن «فبركة» أشرطة فيديو ومعطيات تستهدف شخصيات وطنية أردنية بارزة لتشتيت الذهن عن «المجرم الحقيقي» على الأرجح وقد كان عضو البرلمان البارز خليل عطية آخر ضحايا الفبركة إياها قبل أن يكشف الجمهور نفسه الخديعة والتضليل. وتتوقع مصادر مطلعة جداً في العمق تحدثت لـ«القدس العربي» أن تنمو ظاهرة التضليل الإعلامي والتشتيت القانوني خلال الأيام القليلة المقبلة بسبب فداحة الخسائر بعد الكشف عن إمبراطورية التبغ المزور ومستوى توسع الشبكة التي تدير الامور واحتمالات اتجاهات التحقيق في ظل رقابة رئيس وزراء أعلن انه «انتحاري» في المواجهة مع الفساد.
طبيعة التعاطي الإعلامي والحكومي مع قضية ملف الدخان والتبغ مؤشر حيوي على أن التصعيد في الجانبين القانوني والسياسي ينبغي أن يقود الجميع لمحطة محددة سلفاً ومرسومة بعناية.
الوضع سيصبح معقداً للغاية إذا لم تصل التحقيقات إلى تلك المحطة حيث لا أحد يمكنه معرفة كيف ستنتهي الأمور بعدما أصبحت الفبركة سيدة الموقف وتقود بوصلة الرأي العام وفي ظل قناعة الجميع بان رجل التبغ عبارة عن واجهة لأخرين اقوى بكثير وبعدما – وهذا الأهم- تكاثرت فجأة تلك الأشرطة المصورة التي تلتهم سمعة الناس وتلهي الرأي العام وتشتت البوصلة وتقلق «الراحة العامة».
بسام البدارين