إسرائيل تنتهك القانون الدولي والمجتمع الدولي يكافئها

■ ما من شك أن إسرائيل هي الدولة الأكثر انتهاكا للقانون الدولي في تاريخ البشرية جمعاء. فقد صدرت بحقها قرارات لها أول وليس لها آخر، حتى أن قبول عضويتها في المنظمة الدولية بتاريخ 4 آذار/مارس 1949 في مجلس الأمن و11 أيار/مايو عام 1949 في الجمعية العامة اشترط انصياع إسرائيل للقرارين المهمين، قرار التقسيم (181) وقرار حق العودة (194) ووقع المندوب الإسرائيلي آنذاك أبا إيبان على الشرطين خطيا.
ولم يبق جانب من جوانب الصراع العربي الإسرائيلي إلا واتخذت الأمم المتحدة قرارات تحدد الموقف الدولي من ذلك الموضوع. فقد أكدت الأمم المتحدة على حق العودة أكثر من 45 مرة واتخذت سبعة قرارات تتعلق بالقدس الشرقية وصيانة معالمها وعدم المساس بتركيبتها الديمغرافية. كما صدرت قرارات تؤكد عدم شرعية الاستيطان واعتبار أي نشاط استيطاني في أي مكان في الأرض التي احتلت عام 1967 مخالفا لاتفاقية جنيف الرابعة، وبالتالي مخالف للقانون الدولي، ثم جاء رأي محكمة العدل الدولية في 9 تموز/ يوليو 2004 في مسألة بناء جدار الفصــــل العنصــري ليؤكد أن الأرض الفلسطينية التي تقــع ضمن خطوط 4 يونيو 1967 هي أرض محتلة، وهذا الاحتلال غير شرعي وبناء عليه فبناء الجدار غير شرعي ويجب أن يفكك ويتم تعويض المتضررين من أصحاب الأراضي التي إبتلعها الجدار.
كما أن إسرائيل هي الدولة الأكثر تعرضا للإدانة من قبل لجنة حقوق الإنسان أولا ووريثها مجلس حقوق الإنسان ثانيا بسبب انتهاكاتها المتكررة لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة. وهي الدولة التي صدرت بحقها تقارير لجان التحقيق حول المذابح والاستخدام المفرط للقوة مثل، مخيم جنين عام 2002 وبيت حانون 2007 وتقرير غولدستون لما جرى في غزة في عملية الرصاص المصبوب 2008/2009. إسرائيل قد تكون الدولة الوحيدة التي ترفض السماح للجان التحقيق الدخول إليها، ناهيك عن التعاون معها، بل وتدير ظهرها للعالم ولا تأبه به وتحتقر القانون الدولي وتشتمه علنا وتهزئ الأمم المتحدة وأجهزتها جميعا- فماذا يكون الرد: المزيد من الدلال وغض البصر والتنقيب عن أخطاء الضحية والتعامي عن خطايا المجرم، ثم تقديم المكافآت لها وهذه أمثلة ثلاثة بعد توقف المفاوضات في نهاية نيسان/أبريل الماضي وتحديد مسؤولية الفشل على إسرائيل.

انتخاب إسرائيل نائبا لرئيس لجنة تصفية الاستعمار

في 19 يونيو الحالي ولأول مرة انتخب مردخاي أميهاي، ممثل إسرائيل في اللجنة الرابعة نائبا لرئيس تلك اللجنة المعروفة باسم «لجنة تصفية الاستعمار والمسائل السياسية الخاصة» بعد الحصول في اقتراع سري على 74 «نعم» من مجموع 159 مندوبا حاضرا في الجلسة وإلغاء 15 صوتا، ووجود 68 ورقة تحمل كلمة امتناع.
إن انتخاب إسرائيل لهذه اللجنة بالتحديد بضغط من الاتحاد الأوروبي تحت رئاسة بريطانيا إهانة للعرب والمسلمين والأمم المتحدة والعالم بأجمعه، كما قال مندوب منظمة المؤتمر الإسلامي، ممثل السعودية في اللجنة: «إن انتخاب إسرائيل في لجنة تصفية الاستعمار أشبه بتكليف النظام العنصري في جنوب افريقيا برئاسة لجنة معنية بتصفية العنصرية. إن انتخاب المندوب الإسرائيلي ليس نصرا لإسرائيل بل هزيمة للأمم المتحدة».
أما رئيسة المجموعة العربية والممثلة الدائمة لقطرالشيخة علياء أحمد سيف آل ثاني فقد أخذت الكلمة بعد التصويت وقالت «إن سجل إسرائيل مليء بالإجرام، كما أن احتلالها (للأرض العربية) تجاوز 66 سنة. ولذا فهي غير مؤهلة أن تترأس لجنة تبحث فيما تبحث مسألة اللاجئين الفلسطينيين وعمليات حفظ السلام والتحقيق في الانتهاكات غير الشرعية لإسرائيل ذاتها».
إن المجموعة الجغرافية المسماة «مجموعة دول أوروبا الغربية ودول أخرى» وعدد أعضائها 28 دولة، أصرت على ترشيح المندوب الإسرائيلي نيابة عن المجموعة رغم بياناتها الباردة التي تنتقد الممارسات الإسرائيلية، ومع هذا تكافئها بمثل هذا الموقع الرفيع وتضعها في منصب مهم يشمل مجموعة من البنود الحساسة مـــثل: تصفية الاستعمار وأنشطة وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والأهم من ذلك أن هذه اللجنة هي المكلفة بالاستماع ومناقشة تقرير لجنة الأمم المتحدة المعنية بانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي العربية المحتلة، تخيلوا معي الموقف عندما يوضـــع القاتل في موضع القاضي.
وللعلم فقط فقد قامت إسرائيل بالتزامن مع التصويت في ذلك اليوم بهدم سبعة بيوت في الضفة الغربية وتشريد ساكنيها، وتابعت مداهماتها في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، بعد اختطاف المستوطنين الثلاثة يوم الجمعة الماضي 13 يونيو الماضي، حيث بلغت البيوت التي تمت مداهمتها لغاية ذلك اليوم أكثر من 750 بيتا وتم اعتقال 300 فلسطيني، كما تم اقتحام جامعة بير زيت بالجنود المشاة والعربات المسلحة. ومع كل هذه الممارسات يقوم الأوروبيون وحلفاؤهم بقيادة بريطانيا بتقديم هذه المكافأة الثمينة لإسرائيل، فهل نتوقع يوما أن تتوقف إسرائيل عن ارتكاب مثل تلك الجرائم بضغط من المجتمع الدولي، كما تأمل السلطة الفلسطينية وهي تناشده مرارا وتكرارا.

وصول أول شاحنة من نفط العراق إلى إسرائيل

أقر مجلس الأمن الدولي بأن إقليم كردستان- العراق لا بد أن يدخل في حوار مع الحكومة المركزية في بغداد للاتفاق على آليات تصدير النفط بموافقة الحكومة المركزية. وقد كان تصدير النفط من منطقة كردستان لا يتجاوز كميات صغيرة تنقل بالشاحنات عبر الحدود البرية، لكن التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة العراقية واستيلاء ميليشيات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مساحات واسعة من العراق تشمل الموصل وتكريت، أوجد فرصة ذهبية لإقليم كردستان لتحقيق المزيد من المكاسب الإستراتيجية على حساب الحكومة المركزية. فمن جهة قامت عناصر البيشمركة بتعميق قبضتها على مدينة كركوك، الحلم الذي ظل يراود قيادات الأكراد منذ قيام الحكم الذاتي عام 1991. ومن جهة أخرى بدأ الإقليم يصدر كميات كبيرة من النفط عن طريق الأنابيب التي تصل إلى ميناء جيهان التركي. وكانت الشحنة الأولى التي تحمل مليون برميل نفط تم نقلها يوم 20 يونيو الحالي إلى مكان مجهول لنكتشف أن المكان المجهول هو ميناء أسدود في إسرائيل. وقد تعمدت إسرائيل، كما يبدو، تسريب الخبر لترى رد الفعل الدولي. فموقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة والحكومة المركزية العراقية (أو ما تبقى منها) وموقف الجامعة العربية هو عدم تصدير النفط العراقي إلا من خلال الحكومة المركزية. إذن إسرائيل تنفرد دون العالم باستيراد النفط العراقي عن طريق إقليم كردستان، في انتهاك فاضح للقانون الدولي، ولا أحد يسأل ولا أمين عام ينتقد ولا مجلس الأمن يذكـّر الدول الأعضاء بمسؤولياتها حيال قرارت مجلس الأمن. مرت الصفقة بسلام وسنرى قريبا إجراءات انفصال الإقليم، خاصة إذا استطاعت داعش أن تعزز مكاسبها على الأرض. وفي حالة انفصال إقليم كردستان عن العراق فسيقع ربما طوعا لا كرها في أحضان إسرائيل ويدخل معها في اتفاقيات إستراتيجية تتعلق بالدفاع والأمن والطاقة والتجارة. هذا ما جناه المالكي على الشعب العراقي عندما وقع اتفاقية اربيل بتاريخ 7 تـشرين الثاني/نوفمبر 2010 ليضمن ولاء الأكراد في تشكيل حكومة تهمش سنة العراق العرب، وتبعد القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي.. لقد فرط في الوطن وجنت إسرائيل الثمر. وها هو يعيش أزمته القاتلة فلا يجد من يقف معه من مكونات الشعب العراقي، فيستنجد بملالي إيران الذين لا تقف حدود أطماعهم عند النفط، بل تتجاوزه إلى البلد كله خاصة عتباته المقدسة.

أستراليا تقرر اعتبار القدس الشرقية ليست محتلة

من المكافآت السياسية الكبرى التي حصدتها إسرائيل مؤخرا قرار حكومة رئيس الوزراء الأسترالي توني أبوت ووزيرة خارجيته جولي بيشوب في 9 يونيو باعتبار القدس الشرقية أرضا ليست محتلة. وللتأكيد على هذا الموقف قام سفير أستراليا في إسرائيل ديف شارما بلقاء وزير الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في مكتبه بالقدس الشرقية. وهي خطوة لم يجرؤ عليها أحد حتى ولا الولايات المتحدة. ولا نعرف لماذا قدمت الحكومة الأسترالية هذه الهدية لإسرائيل، وكيف توصلت إلى مثل هذا القرار الذي يعد مخالفة صريحة ووقحة للقانون الدولي والشرعية الدولية، وانتهاكا واضحا لعشرات القرارات التي اعتمدها مجلس الأمن بالإجماع أو شبه الإجماع حول مخالفة الإجراءات الإسرائيلية في القدس لاتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي كما أسلفنا، لكن الواضح أن قرار أستراليا هذا عبارة عن بالون اختبار يتم بعد تمريره دراسة رد الفعل الدولي على مستوى الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ولجنة القدس. فإذا مرت الأمور بسلام وبدون ضجيج، وهو ما هو حاصل بالفعل، فستلحق بأستراليا دول أخرى وتكـرّ المسبحة وما هي إلا سنوات قليلة حتى نرى أن غالبية دول أوروبا الغربية وبعض دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ستلحق بالركب وتعترف ليس فقط بأن القدس الشرقية ليست محتلة بل كل الضفة الغربية.
عندما كان التضامن العربي في أقوى صوره بعد حرب 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 استطاع العرب أن يقنعوا العديد من دول العالم بقطع علاقاتها مع إسرائيل، بل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ودعوتها عام 1974 للجلوس كمراقب في الجمعية العامة، وتمكنت المجموعة العربية في السنة التالية من اعتماد قرار داخل الجمعية العامة يعتبر «الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية». تغيرت الدنيا بعد اتفاقية كامب ديفيد والحرب الأهلية في لبنان واحتلال العراق للكويت عام 1991.
تقسم العرب أشلاء وطوائف وتم إلغاء القرار المذكور عام 1991 في سابقة تاريخية. بعدها بدأ العد العكسي للتضامن العربي الحقيقي لينتهي الأمر بصعود إسرائيل وتعزيز مواقعها، خاصة وهي ترى الوضع الذي لحق بأمة العرب بعدما جرى من حروب بينية وصراعات طائفية وحروب أهلية واحتلالات أجنبية. في ظل هذا الوضع المختل تستطيع إسرائيل أن تعربد وتنتهك القانون الدولي بدون خوف أو ردع أو حياء، أما أن تكافأ على هذه الانتهاكات فتلك «لعمري قاصمة الظهر».

٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

د. عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية