أزهار

حجم الخط
4

لا أعرف كيف برقت الفكرة في رأس المصور الفلسطيني أسامة السلوادي لينجز كتابا مصورا عن أزهار وورود فلسطين، ولكنّها فكرة تفوق كل الأفكار الجميلة التي يخرج بها مبدعون من عمق المأساة ليفاجئوا بها العالم.
«أرض الورد» عنوان كتابه المصور، الذي يعدُّ أكثر من موسوعة لأزهار فلسطين، خاصة أنه أرفق كل زهرة باسمها العلمي والاسم المعروفة به في فلسطين بمساعدة خبراء في علم النبات. الرّجل أخذ مشروعه على محمل الجد وتكبد مشاق إنجازه، ليقدم رسالة للعالم كله، على أن هذا البلد بلد للأزهار أيضا، وأن حرائق الحروب والاختلافات والخلافات لم تمسح وجهه الجميل. 2700 صورة أنجزها المصور الصبور خلال مواسم الربيع، ليعيش ربيعه الخاص ويقدم ربيعا فلسطينيا أبديا لقراء حول العالم.
ويبدو لي أن هذا الكتاب هدية قيّمة تفوق هدايا الدنيا كلها قدمها أسامة لبلده، ويمكن لكل عاشق أن يهديه لمن يحب، فالورود لا تذبل في الكتب ولكنها تعيش للأبد. ثم حتى إن اعتقدنا أن الوردة الحقيقية أجمل وأبهى من الصورة، فقد ثبت علميا أن صور الزهور لها تأثير حسن على المزاج، ويمكن أن نرى ذلك على وجوه زبائن الكتاب في المكتبات، أمام الكتب السياسية نجد قراءً تبدو التعاسة على وجوههم، فيما أمام رفوف الكتب المصورة مثل، الطبخ وترتيب الحدائق والسياحة، تبدو البشاشة واضحة على ملامحهم.
أقرأ الخبر الذي نُشر حول كتاب أسامة وعناوين كتبه السابقة «ملكات الحرير»، و»بوح الحجارة» فتنتابني قشعريرة الإعجاب. العناوين وحدها قصائد مكتملة، إحالات فائقة الرّوعة على تاريخ مهدور من جماليات وطن يختصر اليوم في عدد قتلاه.
لماذا اختار الأزهار هذه المرة يا ترى؟
الكاتب الفرنسي مارسيل بروست قال: «من يحب الأزهار يملك قلبا يشبهها»، وهذا جواب يختصر قلب هذا المبدع من فلسطين. الأزهار لها سحرها، وهذا سر من أقوى الأسرار في الكون. الطبيبة النفسية جانيت هافيلون جونز من جامعة نيوجيرسي تخبرنا أن ثقافة الأزهار وجدت منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، حين لم تدخل الأزهار مادة تجارية ولم تدخل مختبرات الدراسة والأبحاث، وهذا إثبات آخر للعلاقة الوطيدة بين البشر والأزهار.
نحن ترنّحنا بين من يحب الأزهار ومن لا تعني له ومن يعتبرها تقليدا غربيا يجب تفاديه…
في كل الحالات يلزمنا الكثير من الحرية لنستعيد خامتنا الإنسانية المسلوبة منا، فالإنسان كان دوما جزءا لا يتجزّأ من الطبيعة، وليس عدلا أن يفصل عنها.
تجارب الطبيبة النفسية هافيلون جونز مثيرة للدهشة فعلا. أجرتها في صالة عرض للوحات التشكيلية، بحيث مرة تزين الصالة بباقات ورد وزهور ومرة بدونها، وبين الحضور يندس شخص يحاول التعرف على زائرات في الصالة. المثير للدهشة فعلا هو أن سبل التعارف أسهل بكثير في الصالات المزينة بالأزهار، حتى أن النساء يعطين أرقامهن بسهولة للشخص، ويتصرفن بنوع من العدائية في الصالات الخالية من الزهور.
في عالم الطيور، يحاول الذكر أن يبني عشا لأنثاه حتى تضع بيضها فيه، والذكر الذي يدخل الزهور في بناء العش ينال حظ القبول بسهولة، وقد ثبت علميا أن الأنثى تتأثر إيجابيا بالزهور. مثل الطيور إذن على الرجال أن يختاروا أماكن مزينة بالزهور لمواعيدهم مع من يحبون، سيضمنون مزيدا من الحب من حبيباتهم، مزيدا من الاطمئنان والولاء.
نعم نحن ننتمي لثقافة أخرى، وقد لن تنجح التجربة من أساسها علينا، النّساء يعتقدن أن الأزهار تحفة آنية والرجال لهم فكرة خاطئة عن النساء على أنهن كائنات مادية، خطأ.. فالدراسة تدرس التأثيرات النفسية التي تحدثها الزهور على الشخص وليس على معتقداته. قراءة خاطئة إذن لمن ظنّ أن الإنسان في أعماقه وتركيبته البيولوجية والنفسية يختلف حين تختلف هويته أو لونه أو أي شيء آخر. والدليل أن كل الأدوية التي نقتنيها لمرضانا هي نفسها… وعادة هي تأتينا من الغرب… يا للهول. الفتوى التي حرمت منذ سنوات إهداء الأزهار للمرضى، انطلقت مرة أخرى من باب العداء وكره الآخر، لأن أغلب الدراسات في هذا الشأن أثبتت أن وجود الأزهار في غرفة المريض تخفف نسبة التعب والقلق عند المريض والموجودين في غرفته، وأكثر من ذلك فإنّ النظر إلى الأزهار يخفف الضغط العالي. في تجربة أخرى قام بها الدكتور ريتشارد ماتسون من جامعة كنساس مع مساعده سيون هانغ بارك على قائمة طويلة من المرضى الذين أجريت لهم جراحة استئصال الزائدة الدودية، تبيّن أن من وجدت أزهار في غرفهم كانت طلباتهم للأدوية المضادة للوجع أقل بكثير من الذين خلت غرفهم من الأزهار. والنتائج نفسها وصل إليها طبيب الأعصاب الدكتور جون تالبوت من جامعة بالتيمور على مرضاه في المصح العقلي. فقد كانت حالة المرضى المحاطين بالأزهار تتحسن بشكل أفضل وسريع كما تحسن إقبالهم على الأكل. الدكتور توف فجيلد من جامعة آس يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجري تجاربه على موظفين حين تزين مكاتبهم بالزهور وحين تكون فارغة. والنتائج فعلا مذهلة، ففي المكان المزهر الموظف يعمل بمعنويات أعلى، ويعطي نتائج أفضل، ولا يشعر بالتعب إلا بعد فترة أطول. أكثر من ذلك، في جامعة تايوان تحسن مردود الطلبة ضعفين بعد أن وضعت شتلات طولها ثمانون سنتمترا في صفوف الدرس، وهي التجربة نفسها التي قامت بها جامعة تكساس وأعطت النتائج نفسها.
لا مجال إذن لننكر تأثير الأزهار على حياتنا اليومية. وقديما قيل «الزهرة أمُّ الثمرة» وقيل أيضا: «من يريد الثمار عليه أن يحافظ على الأزهار». أمّا المعلومة الأجمل فتقول: «إقطف الأزهار باكرا لتبقى منتعشة» ومنها استقى الكاتب أندريه جيد حكمته: «الأفكار كالأزهار إقطفها باكرا لتبقى منتعشة». وثمّة أكثر من حكمة، وتعليمة سحرية تكشف قيمة ما يحيط بنا من مكنونات الطبيعة. حكمة سنسكريتية تقول:» ثلاثة أشياء تمسح الحزن من القلب: الماء والأزهار والمرأة» ولا أدري لماذا يبدو الأمر عميقا وصادقا حين نتأمل في المجتمعات الكئيبة والمدمرة كيف أنّها تعيش في حلبة صراع مفرغة من هذه العناصر الثلاثة؟ أليست الحكمة في النهاية خلاصة تجربة إنسانية طويلة؟ لماذا لا نصدق ما نقرأ ونفتح أبواب عقولنا لتتحرر من المعطيات الرثة التي لوثت قلوبنا وسممت عصب الحياة في ذواتنا.
الآن إن ظنّ البعض أن كل هذا الكلام هراء فهذا رأي آخر، قيل وسيقال، لأن العالم ليس مضيئا دائما، وأولئك الناس الذين يبحثون عن تابوت الموت حيثما يرون الزهور ـ على رأي هنري لويس منكن ـ موجودون منذ الأزل ، لكنني أطرح الخيارات.. أمامنا فرصة أن نكون سعداء وأقل إحباطا وأمامنا خيارات أخرى لنكون أكثر تعاسة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو سؤال فيكتور هوغو: «إذا كان البشر منذ ستة آلاف سنة يعشقون القتال والحروب فلماذا يهبنا الله مزيدا من الزهور والنجوم؟» لا جواب.. لكن بعضنا كالزهور التي تنبت وتكبر وتزداد رونقا كلما رمى عليها الأغبياء والحساد فضلات أفكارهم.

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية