أجندة

حجم الخط
12

أول درس نتعلّمه في التنظيم هو أن نقتني «أجندة» أو «مفكّرة» ونضبط عليها مواعيدنا والأعمال التي ننوي القيام بها.
في مجتمعنا المبارك، الذي ينظم كل شيء حسب الرّغبة والقدرة وقدرة القدير والحظ. نفكر في الأشياء مجتمعة ونرغب في تحقيقها، حسبما تخطر فيه على بالنا، بعضها ننجزه والبعض الآخر ننجز نصفه وما تبقى نؤجله، وقد نفعل ذلك لسنوات، لأننا لم نتدرّب على وضع أهدافنا أمام أعيننا والمضي قدما لتحقيقها. لم نتعلّم أصلا أن نرتب الأشياء في رؤوسنا حسب أهميتها بالنسبة لنا، لأننا تعلّمنا أن نرتبها حسب سُلّم إرضاء الآخرين.
الشخص المهم في حياتنا ليس الأنا، ما دمنا حتى في أحاديثنا العادية نردد عبارتنا الشهيرة: «والعياذ بالله من كلمة أنا»، كلما تلفْظنا بكلمة «أنا».
لماذا هذا الإلغاء للأنا ما دام «الأنا» وحده من يتلقى العقاب والثواب في كل خطوة نقوم بها؟
لماذا نربط «الأنا» بكل ما هو غرور وأنانية؟ وأي لغة تناسب التعبير عن أنفسنا حين نفرغ محتوى خطابنا من الأنا الفاعلة؟ ونفرغ أنفسنا من حب الذات ونتحوّل إلى أغراب حتى عن أنفسنا؟ حين نقهقه فرحا، ونضحك من أعماق قلوبنا نتوقف آخذين أنفاسنا ونردد: «اللهم اجعل ضحكنا مطرح خير». في أعماقنا نقطة سوداء مثل علامات المرور الصارمة تجعلنا لا نفرح تماما، ولا نضحك ضحكة كاملة مخافة أن ينقلب الأمر علينا كارثة، أو عقابا قدريا ما.
حين نبدأ عملا، نتوكل فيه على الله ونمضي فيه كما لو أن الله قد لا يقبل هذا العمل، وعند أول عثرة خلال إنجازه نرمي أسلحتنا كلها ونردد بالسهولة نفسها التي بدأنا بها «أن الله لم يشأ إتمام المشروع». نرغب في النجاح، كسلوك إنساني مزروع في جيناتنا، ولكن الثقافة التي درّبتنا أن نكون اتكاليين تجعل الأمر مستحيلا في الغالب، خاصة أن المبرر جاهز ومقبول اجتماعيا دائما. فالله لم يشأ ونقطة على السطر.
منذ الأزل ونحن نحلم بأوطان تحضننا، لكننا أبدا لم نفتح أحضاننا تجاه بعضنا بعضا. لم نحاول أبدا أن نكون مسالمين حتى تجاه أنفسنا. ويبدو في كل أحاديثنا اليومية أننا نعرف «ما يريده الله» أكثر مما نعرف ما نريده نحن. الأسوأ أننا نعرف الله ولا نعرف أنفسنا. ونتحدث عنه كأنّه كائن مثلنا، له كل الصفات البشرية السيئة والجيدة، وننسى أن نعطيه صفة الكمال التي ترسمها الأديان كلها في أذهاننا.
نحن أيضا مجتمع متدين، نحفظ كمًّا هائلا من الفتاوى بشأن كل شيء، لكنّنا في أدنى عثرة نلجأ لشيخ ليفتي لنا بـ»هل زراعة ضرس في أفواهنا حلال أم حرام؟ هل طلاء الأظافر حلال أم حرام؟ هل ارتداء الفرو حلال أم حرام؟ هل صبغ اللحية بالصبغة حلال أم حرام أم أنه يستحسن صبغها بالحناء؟ هل يجوز للمرأة أن تتذوق الأكل في رمضان لتتأكد أنه جيد ثم تبصقه من دون أن تبلعه حلال أم حرام؟» ومتاهات كثيرة ندخل فيها يوميا حتى لا نغضب الله الذي ينتظر زلة منا ليرمي بنا في النار وبئس المصير.
تفاصيل تافهة تتحوّل إلى محطّات مرعبة في حياتنا، وتقض مضاجعنا إن لم نستفت فيها أهل الاختصاص وإلاّ فإن الحياة ستتوقف تماما حتى نتخطى العثرة بترخيص من شخص ما لا يعرف أدنى تفصيلات حياتنا. ولا يملك الحد الأدنى من ثقافة علمية تجعل فتاواه مقبولة على الأقل.
يا شيخ، تقول إحدى المتصلات بفضائية دينية موجهة سؤالها لرجل يرتدي «عُدّة النصب» كلها من لحية طويلة وغطاء أبيض للرأس وعباءة : «ابني طالما هو جالس أمام التلفزيون أم في فراشه يقضي معظم وقته يلعب بحمامته»، فينتفض الشيخ كأنه صعق بالكهرباء ويسألها كم عمره؟ وهنا المصيبة حين تجيبه أنه طفل في السادسة أو السابعة، وكأنّ الطفل ليس ابنها، ثم كأنّها تتعامل مع أول كائن بشري في حياتها وتكتشفه لأول مرة. المصيبة الأكبر تكمن في جواب الشيخ الذي يصرخ صرخة واحدة ويردد: «لا حول ولا قوة إلاّ بالله، ابنك مصاب بلمسة من الشيطان»، والمرأة تهذي بكلام يزيد من حجم فجيعتها، ويزيد من حجم الإثارة لمشاهد نسبة الجهل عنده تفوق تصوراتنا. الحل الذي يقترحه الشيخ تحت الهواء لن نعرفه أبدا، لكنّه حل سحري، يخرج الشيطان من جسد الصبي أو ما شابه ذلك، لكنّه حتما ليس حلاًّ طبيا، ولا علميا، ولا حتى خلفية ثقافية توارثناها عن أجدادنا تقول إن الولد يكتشف جسده، سواء كان ذكرا أو أنثى، منذ تطور حاسة اللمس عنده إلى أن يكتمل تكون جسده، وأن تهذيب سلوكه لا يتطلب كل هذا الهراء.
أتساءل طبعا، مجتمع تغذيه هذه الفضائيات وهذا النوع من الناس هل يمكنه أن يفكر في أحلام كبيرة؟ هل يمكنه أن يخرج من شباك الجهل التي علق فيها لأسباب يضيق المقام لذكرها، وينطلق في تكوين ذاته؟ وبناء نفسه؟ هل يمكن للفرد فينا أن يرى حاجاته ليكون كائنا قويا، لا تتهدّدُه الأسئلة البسيطة الغبية وتعرقله في كل خطوة يقوم بها؟ إن كنا بشكل ما نعرف أن «الحلال بيِّن والحرام بيِّن» فلماذا علينا أن نرمي العقل ونستعير الجهل في أحلك أوجهه بحثا عن مسالك الجنة وأبوابها؟
غي دو موباسان يقول: «الشيء الوحيد الذي يكرهه رجال الدين والسياسة سواء، هو حرية الفكر» وهذه حقيقة توصل إليها جميع العقلاء في العالم، لكن لماذا لا نصغي لهم، ونصغي للصوت الذي يأتينا من خندق مشبوه ويحوّل حياتنا إلى جحيم؟ ثم تلك «الحرية الحمراء» التي لها باب بأيدٍ مضرجة بالدماء، لماذا تنتهي عند مقابر الشهداء؟ ونعود بكل قناعات الدنيا إلى سجون قديمة وأخرى جديدة نفتحها حسب مطالب البؤس التي تسكننا؟ الأحلام التي تسكننا أيضا لنفعل كذا وكذا وكذا لماذا نقتلها على عتبة الأبواب التي تعبنا وضحينا للوصول إليها؟
تلك الخطوة الجبارة نحو أحلامنا نؤجلها لأسباب غير مقنعة بتاتا، حتى ينغلق الباب مجددا عليها، فنشيخ وتصبح جزءا من الماضي الجميل والتي لم نعرف أبدا كيف نحققها.
كل ما نريده اليوم لتغيير واقعنا هو «أجندة» كالتي تعتمدها دول الغرب ونتحدث عنها من دون أن نفهم تماما معناها حين نتحدث عن مشروع « كيسنجر» مثلا أو مخططات أخرى بقيت قيد التنفيذ رغم التغيرات الكبرى التي طالت المجتمعات والشعوب والحكومات.
كل فرد فينا بحاجة لأجندة يكتب فيها برنامجه اليومي فقط، في جدول صغير يقسّم فيه وقته، وينجز ما يريد شيئا شيئا، وإن كان مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة فإن «أجندة العمر تبدأ أيضا بخطوة صغيرة» وتحقيقها ممكن … فقط علينا أن ننتبه إلى أن «الخُطط تتغير لكن الأحلام لا».

شاعرة وإعلامية من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية